بيروت ـ «القدس العربي»: جريئة كانت روان حلاوي حين قررت في لحظة أن مرورها في الحياة يجب أن يكون له صدى. أغرمت، تزوجت، وأنجبت طفلا تحدى الأطباء المشككين في وجوده كجنين. للحياة تتمة. فهل سيرى ابنها والدته بمنظار الأم فقط؟ تلك الأم التي حملها قلبها إلى أوروبا. تخلت عن مشروع الفنانة المستقبلية أو جمدته، لصالح مشروع الزوجة. عادت إليها سوسة الفن. ولأجلها كان مشروع انتقال العائلة من أجمل وأنظم بلدان أوروبا «سويسرا» إلى شارع الحمرا في بيروت أو «سويسرا الشرق».
فقد شاهد الجمهور في كل من مسرح المدينة ومترو المدينة روان حلاوي تقدم عرضها المسرحي المونودرامي «تلجتين بليز». في العنوان تحد، وكذلك في شكل المسرح. هو البار بمقاعده المرتفعة. زجاجات الكحول. هنا تجد روان الممثلة والإنسانة ذاتها في لحظات خاصة جداً. وحيدة قررت أن تطل على جمهور المسرح رغم عدم الشهرة. من مدخل المسرح أطلت بانتقاد صريح وواضح للمخرج الذي قرر تفكيك عقدها النفسية قبل البدء في تمارين مسرحيته التي انتخبها للتمثيل فيها. تعتلي روان المسرح راقصة. تدنو من البار، وتسترسل في سرد شريط حياتها. «على هذا البار مرّت حياتي كذا مرة». ابنة صور التي تسكن صيدا مسرحت درامياً وبسخرية محطات مشتركة في حياة الغالبية الساحقة من فتيات الشرق. قاموس المحرم المزدهر. قاموس الجهل المتفشي. ومدارس البنات التي تطبق على القلوب، والتي تركت روان تهرب من قبلة زميلتها خوفاً من الحمل؟ الانتقام ربما كان بالكعب العالي. تمسكت به روان، وشكل جزءاً من شخصيتها في معهد الفنون. أليست ضربات الكعب العالي على الأرض إصرارً على صوت هو جزء من ضجيج الأنوثة؟
روان ممثلة جيدة. حضورها على المسرح بعيد عن التكلف. تذوب في دورها. ربما تألقت أكثر لو كانت لها إدارة ممثل خلال التمارين الأخيرة قبل العرض. يسجل لها انها مقدامة. ضربتها صلبة كتابة وتمثيلاً وإخراجاً. معها كان هذا الحوار:
○ هل تتواءمين مع روان الإنسانة أكثر من روان الفنانة ذات الطموح؟
• هما واحد بالنسبة لي.
○ في عرضك المسرحي كان تركيز على الإشكاليات التي ترافق حياة الأنثى أكثر من التركيز على طموحك الفني. لماذا؟
• أعيش تصالحاً مع نفسي كامرأة. في المسرحية طرحت جملة محطات في حياة المرأة من شأنها أن تجعلها معقدة نفسياً. إذ يبدأ العرض بعقدي النفسية التي رغب المخرج العظيم في تفكيكها. طرحت ما تلتقي عليه النساء من مؤثرات خاصة في حياتهن. الانطلاقة من التكوين الجسدي، إلى مجموعة المحرمات التي ننشأ عليها. كذلك توقفت عند الأدوار التي تُفرض علينا، وتلك التي نختارها في المجتمع. مررت سريعاً على طفولتي، فليس لي ذكريات من تلك المرحلة ولا أدري السبب. مع عمر 12 سنة تبدأ ذاكرتي في التكوين. قد أحتاج لطبيب نفسي لينقذ ذاكرتي أو ليحدد سبب غيابها.
○ هل قدمت نفسك على المسرح كنموذج للمرأة اللبنانية بشكل عام؟
• بالتأكيد. حكيت الواقع، ولست بصدد طرح الحلول. اخترت المواقف والمراحل التي تتشابه مع حكايات الآخرين. لم يكن أي الخيارات التي وضعتها في النص اعتباطياً. كتبت النص، ولدى بدء التمارين وجب عليّ الابتعاد قليلاً عنه، كي لا أعبر بصيغة عاطفية مبالغ فيها.
○ هل كنت متعطشة للمسرح أم راغبة في إشراك الآخرين فنياً بحكايات روان حلاوي؟
• هو تعطش حقيقي للتمثيل سواء كان مسرحاً أو كاميرا. هو عشق منذ المراهقة حققت بعضه في معهد الفنون. عشقي هذا تقاعد لزمن قصير بفعل الغرام، ومغادرتي لبنان إلى أوروبا. نعم دون قصد مني أخذني الغرام، وكان تأجيل لا واعي للحلم. فجأة استيقظ هذا الحلم وتذكرت بأني عاجزة عن أي عمل سوى التمثيل. تحركت رغبة الوقوف على الخشبة أو أمام الكاميرا. كنت في خشية من أن يسبقني الزمن. رغم تصالحي كممثلة مع فكرة العمر. ففي التمثيل أدوار لكافة الأعمار. رغبت بنيل شرف التجربة في التمثيل، رغم عدم معرفتي إن كنت أمتلك الموهبة أم لا. فالحكم متروك للناس.
○ لماذا قررت أن تكوني في مونودراما مسرحية؟
• هذه قدرتي الإنتاجية. ليس لي إنتاج فيلم. المسرح هو أكثر ما حملته معي من الجامعة وبالتجربة العملية. الخطوة احتاجت للجرأة، كما وجدت دعماً من أصدقاء كثر على الصعيد المعنوي. شخصياً قلت بأني لن أخسر. الحد الأقصى الممكن للخسارة هو العودة لتوضيب حقيبتي والرحيل مجدداً. يكفي أني بت أمتلك قصة يمكنني سردها لابني عندما يكبر. نعم يمكن للإنسان أن يحلم ويجرب. قد ننجح وقد لا ننجح.
○ أخذك الغرام إلى أوروبا دون أي تجربة عملية بعد التخرج؟
• بل في حياتي عدة تجارب مسرحية منها مع الدكتور عوني كرّومي في مسرح المدينة. لي العديد من الأدوار في أفلام قصيرة، وأخرى وثائقية. حين غادرت لبنان لم تكن غزارة الإنتاج الفني على كافة الصعد كما هي اليوم، والفرص أقل مما هي الآن.
○ أكثر من مسرحية في بيروت ذكرت المخرج الطموح بفك عقد الممثلات والذي يضرب لهن مواعيد التمارين في بيته. هل هي قصص واقعية؟
• هذا ما حصل معي. جئت في الشهر الأول من السنة إلى لبنان بناء على طلب مخرج مسرحي لبناني وبدأنا التمارين في منزله. لم أعد أشعر بالراحة في منزله، فقال لي بالحرف أنه بصدد فكفكة عقدي النفسية لأكون ممثلة مبدعة. تركت زوجي وطفلي في سويسرا وجئت واثقة من هذا المخرج. لا أناهض أن يُعجب أحد بالآخر، هذا حق، وفي المقابل حق الرفض متاح. الاستغلال والانتهازية أذياني. عرِف بأني أرغب بفرصة جديدة بعد انتهاء مسرحيتي «نقل حي» مع طارق تميم وريتا ابراهيم وسامي حمدان في نهاية 2014. قررت الرد على الاستغلال. فإذا كانت عقدي النفسية تُحل عبر علاقة جنسية، فأنا من يختار وليس أنت. هذا ما قلته للمخرج العظيم.
○ لتكوني على المسرح وحيدة لا شك هناك داعمون؟
• هم أصدقاء كثر. الصحافي الناقد نديم جرجورة، الممثلة القديرة عايدة صبرا. المخرجتان لينا أبيض ولينا خوري قرأتا نصي ووجهتاني. عدت وفككته وكتبته من جديد. لا أدّعي التأليف ولا الإخراج، بل أملك رؤيا. رغبت في تقديم نفسي كممثلة. كنت في «كاستينغ» أمام الجمهور. وهو الحكم.
○ خطوة تحتاج للجرأة الفنية والإنسانية حتى مع وجود الدعم؟
• ربما. في الواقع لم أجد مخرجاً يساعدني. زارتني السيدة عايدة صبرا خلال التمارين مرة واحدة. ربما لأن الحكايات شخصية كان مفيداً أن أكون وحيدة. لا شك أن العرض كان سيتألق أكثر لو كنت مع إدارة ممثل. منهم من نصحني بالتأجيل. لكن في هذا الوقت تحديداً رغبت في قول قصصي.
○ في بعض المشاهد نشعر بتحد ما بينك وبين الحياة. كم هو حقيقي الاستنتاج؟
• لا شك بوجود تحد وغضب وإصرار وصرخة. نعم أبحث عن فرصة ودور، ولست خجلة. التحدي أني خلقت فرصتي بيدي. لست بصدد فرض نفسي على الجمهور، رغم ثقتي بنفسي فقد لا يراني أحد بعد «تلجتين بليز»، لا أعرف الغد. ربما أكون أمام فرض جديدة. شعوري أن «تلجتين بليز» تركت صدى إيجابياً. لم اتوقع اقبالاً لكوني اسماً غير معروف. فمن هي روان حلاوي؟ شكراً لمن حضر.
○ هل على المرأة أن تدفع دائماً ضريبة الامومة والزواج؟
• بالنسبة لي دور الرجل في حياتي إيجابي. بدءاً من الراحل والدي الذي ساعدني في الإنتاج، ورحل مع انتهاء العروض في مترو المدينة. لهذا كان المشهد الأخير مضافاً على العروض التالية كتحية له. كذلك زوجي كان داعماً بقوة لي. وعندما ولد ابني خشيت أن يكون فخوراً فقط بوالده. وهكذا ركبت كافة الأمور بحيث تذكرت أني موجودة، وبأني أم وممثلة وامرأة. ثمة قدرة على الموازنة بين كافة الأدوار التي نختارها والتي تُفرض علينا.
○ عندما تخليت عن الشعر المستعار على المسرح هل خلعت عنك متاعب أخرى في ذات اللحظة؟
• ومع خلعه غادرت العالم الافتراضي. العالم الذي من خلاله يمكنني إقناع الناس بالصورة التي اختارها. فقد تكون حقيقية وقد لا تكون. من خلال وسائط التواصل الاجتماعي يمكن للإنسان أن يرسم لنفسه الصورة التي يختارها. فككت الشعر لمواجهة الجمهور بشكلي الحقيقي. فانا كذلك في الحياة.
○ في مرحلة التحليل والتحريم في منطقنا العربية كنت في البار ومع الكحول. هل هو تحد مضاف؟
• هو نص من الحياة. هذا أنا، وإلى البار أذهب وحيدة بدافع ذاتي نابع من حريتي. الأحكام تُطلق سريعاً على من تجلس إلى البار. في هذا البار الموجود في الحمرا كتبت نصي وحللته.
○ وضعت حياتك أمام الناس فما صلتهم بها؟
• رغبت في القول للجمهور أن ثمة أمور كثيرة خلف تلك المرأة التي تجلس إلى البار. البار ليس لـ«طق الحنك». في تفاصيل الحياة التي عرضتها على الناس ثمة حالات إنسانية كثيرة. ورغبت في إظهار قدراتي في التمثيل. لا شك بأن القصص الحقيقية تمس الناس وتجذبهم.
○ كم ترك تعاطف الجمهور معك مصفقاً عندما ركعت تأثراً لوفاة والدتك؟
• مع تلك الصرخة كنت منفصلة عن ذاتي وعن الجمهور. اخبروني بتصفيق الحضور. تصفيق الجمهور دليل تعاطف مع حكايتي.
○ هل ستفتحين على عالم الإنتاج في لبنان عبر الكاستينغ بخاصة التلفزيون؟
• انتهيت من تمثيل فيلم طويل بعنوان «حلم برجوازي صغير» من إنتاج كارول عبود وتأليف وإخراج مازن خالد. كان اختيار المنتجة لي بعد مشاهدة «تلجتين بليز». لست ضد ثقافة الكاستينغ. أسعى للدور وهو يسعى اليَ. أحب التلفزيون لوصوله السريع للناس. كما يساعد في جذب الجمهور إن كنت في مسرحية جديدة قريباً.
زهرة مرعي