تنضح ثقافتنا العربية بأجناس سردية تراثية متنوعة، من حكاية ومقامة وغيرهما، هذه الأجناس كلا منها يتميز بخصائص فنية وأسلوبية تسم فرادته.
النص الحكائي التخييلي القديم، الذي يمكن أن تتعدد قراءاته من زمن لآخر، لما يمكنه من تحقيق لعنصر «الإمتاع» خاصة في مجالس الملوك والنخبة من الأمراء في القديم، جعل عنصر «التأويل» منه جنساً أدبياً قادراً على إمتاع القارئ بإقداره على التماهي مع مخيلته إلى تعدد المعاني بتعدد القراء، بل بتعدد القراءات لقارئ واحد.
الخوض في إشكالية قراءة النص الحكائي، يستلزم الوقوف عند أحد أهم النماذج الحكائية العربية في السرد القديم، وهو كتاب «كليلة ودمنة» لعبد الله بن المقفع (توفي سنة 142هـ/759م). الاختيار هنا، ليس وليد الصدفة، وإنما لما يجمعه من قدرة ابن المقفع على الترجمة التي تراعي شروط تلقي القارئ العربي للنص قديماً، وقدرة المؤلف بيدبا على الجمع بين عناصر عدة من إمتاع وإرشاد وحكمة، بغية تحقيق رؤية مستقبلية لم يستطع كل من المؤلف والمترجم تحقيقها في الواقع، لتتم الاستعانة بالنص عند تأويله من لدن المتلقي.
حينما نتحدث عن مفهوم «الإمتاع» قديما فإننا نقصد به ما يجعل النص ـ الحكائي منه لأنه موضوع حديثنا ـ يمتلك قدرة استمالة القارئ أو السامع وتجعله متعلقا بل ومتشوقا لمعرفة النهايات التي ستؤول إليها المتتاليات السردية في أواخر المحكيات، لما تتضمنه من خيال لا متناه ومتمرد على عالم الواقع الذي تعيشه مختلف الشخصيات التي تتحكم في الأحداث داخل فضاء معين.
كل ذلك استعانة بلغة يلفها الحكي ومثقلة بزخرف البديع من جناس وتورية وسجع وغيره. وهو المشهد الأدبي الذي عرف قمة ازدهاره في العصر العباسي عندما ظهر ما يسمى «بالأديب المكدي» الذي يسعى لكسب المال عن طريق استجداء الملوك بحكاياته أو شعره أو مقاماته، فإن أمتع الراوي متلقيه حفل بعطاء الملك، في حين كان يحقق النص الحكائي لدى العامة من الناس ما يسمى بعنصر «التسلية» ولا يزيد عن ذلك، إلا إذا فسرت الحكاية من منظور أخلاقي يسير وفق المنهاج الديني من باب الوعظ والارشاد والاعتبار. وهذا ما جعل النخبة من الأدباء القدامى يتغاضون عن قراءة النصوص الحكائية لما كانت تكتسيه من قيمة دنيوية لا تخرج عن دائرة الوعظ أو التسلية، إضافة إلى ما تنبني عليه من انفتاح واسع على الخيال بخلق عوالم عجائبية بعيدة عن المنطق. حيث نرى الأحاديث تجري على ألسن الحيوانات كما هو الشأن بالنسبة لكتاب «كليلة ودمنة» أو المغالاة في وصف بعض المخلوقات كما في «حكايات ألف ليلة وليلة».
لكن الحديث عن عنصر الإمتاع في العصور الحديثة بعد ما مر به الأدب العربي من مرحلة الانحطاط واحتكاكه بالنقد الغربي بعد المد الاستعماري، يجعلنا نقف عند تأثر النقد العربي بمنهج تلقي النص بعدما عمل النقاد العرب الساعون لتجديد درس الأدب على نقل التجارب الغربية. وما يمكن تناوله في هذا الصدد هو مفهوم «المسافة الجمالية»عند أصحاب نظرية «التلقي» الذي يقابل مفهوم الإمتاع عند العرب.
والمسافة الجمالية، مفهوم «يقوم على التعارض الذي يحصل للقارئ أثناء مباشرته للنص الأدبي باعتباره مجموعة من الحمولات الفنية والثقافية ،وبين عدم استجابة النص لتلك الانتظارات والتوقعات مما يجعل القارئ يبني أفقا جديدا عن طريق اكتساب وعي جديد».
أثناء قراءة نص «كليلة ودمنة» يتحقق لدينا لا محالة عنصر الإمتاع وتتحدد المسافة الجمالية بيننا وبين النص حينما نستمتع بأحداث ووقائع تباشرها قوى فاعلة من إنس وحيوان. لكن هذه المتعة سيكون محالها الزوال إذا لم تأخذ النص من باب «التأويل»، هذا المفهوم الذي تعددت مسمياته من «التفسير» و«المعنى» و«القراءة» إلى غير ذلك. وبدون تأويل النص سنحكم على العلاقة الحميمة التي تجمعنا بالنصوص الحكائية بالزوال.
وإذا أردنا الخوض في تأويل نص «كليلة ودمنة» أمكننا القول إن الكتاب توسل بشخصيات واقعية غلبت عليها نعوت مثل: اللص والتاجر والرجل والصياد، وإذا ما نحن حاولنا سبر دلالتها في المتخيل الشعبي العربي وجدنا التاجر يرمز للغنى واللص للتحايل والنصب والصياد للفقر والمعاناة وما يجمعها هي صفة الذكورة «الرجل» وهي عامة لدى كل الرجال، في حين نرى أن «الغنى» صفة خاصة لدى نخبة من الناس عكس الفقر الذي يسري على عامة الناس وهو المحرك الأساسي للص لتحقيق الغنى وإن كان بوسائل غير أخلاقية. والملاحظ هنا هو ما نراه من انتقاص لدور المرأة اللهم إلا في قصة: «الرجل وامرأتاه».
وحتى تتحقق المقاربة التأويلية لنص «كليلة ودمنة» لابد من ربطه بالنصوص الحكائية الأخرى التي يجمعها عنصر السرد. وهنا نرى أن الرابط المشترك بين «ألف ليلة وليلة» و«مقامات الحريري» مثلا، هو محاولة خلق عالم تتحقق فيه رؤى حكائية، يخلق لها بطل عادة ما يكون رجلا يتصف بالحكمة والفطنة. في حين نجد كتاب «كليلة ودمنة» متميزا عن النماذج الأخرى الحكائية بتعدد شخصياته وأبطاله وتنوع رمزيته من أسد يرمز للشجاعة والبطش وفيل يرمز للقوة وثعلب ماكر وغيرها.
العلاقة التي نكونها مع النص/الكتاب تجعلنا نبني علاقة أشد متانة مع هذا النص تجــــــبرنا على إعادة القراءة، ومن ثمة إعادة التأويل مرة أخرى، حسب وضعــيات وحالات القراءة التي تتغير تبعا لما يتراكم لدينا من وعي نتيجة للتجارب المعرفية التي نكتسبها مع الوقت فتتحكم في نسج أفق الانتظار وتحدد المسافات الجمالية بيننا وبين النص.
التفاعل الذي ينشأ ينبع من عشقنا للحكاية منذ أول وهلة ويشتد هذا العشق بعد القراءة التي ترشدنا إلى الأوضاع الاجتماعية والظروف السياسية للفيلسوف الهندي وملكه «دبشليم»، والظروف التي عاشها ابن المقفع في عهد خلافة المنصور.
الحديث عن الإمتاع والتأويل في السرد العربي يجعلنا نخلص لا محالة للحديث عن مفهوم «الرؤية الأدبية» في النص الحكائي القديم الذي يرتبط بالأديب ومشروعه الأدبي وهو مفهوم لن ندعي وضعه لأننا استقيناه على غرار مفهوم «الرؤية الشعرية» الذي كرسه «أدونيس»ومن معه في ثورته على الشعر التقليدي، وإن كانت هذه الرؤى تقيد حرية الأديب في أغلب شعره لتحصر تجربته في مقاربة رؤياه وتصويرها للعالم. إلا أن ما يفيدنا هنا هو أن النص الحكائي العربي القديم كان حاملا دوما لمشاريع خلاقة تسعى وتبتغي من ورائها تغيــــير الواقع. فكما كان الشاعر الحــــــداثي يستـــعين بالرمز والأسطورة للتماهي مع الواقع بخلق عالم مثالي يؤمن به ،كان السارد القديم يسعى وينشد بخلق عالم خيالي تغيير واقع معين وذلك بقصد منه أو بدونه. وهو ما فعله ابن المقفع في كتابه بغض النظر عن أصله الفارسي وأصل الكتاب.
أما إذا أردنا إسقاط التجربة الرؤيوية على نص «كليلة ودمنة» باعتباره يستشرف المستقبل في عصر تأليفه وترجمته، من خلال رؤية الفيلسوف الهندي «بيدبا»، فيمكننا القول إن الفيلسوف حلم بواقع أفضل مع ملكه الذي عانى شعبه من بطشه وجوره، ولأن «بيدبا» كان يعرف مصيره إذا صارح «دبشليم» بالكف عن هذا الجور، فإنه تحايل بحذق وحذر عليه بتوسل الأدب فنسج حكايات تعتمد الرمز والخرافة برسم عالم آخر يحتمل كل كائن وممكن لا يقيد حرية الأديب ويطلق العنان للخيال الذي يتخذ من الواقع منطلقا كائنا (جور الملك) ليستشرف المستقبل بحلم وخيال ممكن رغبة في تغيير منشود (عدل الملك). ولا بأس أن نشير هنا إلى ما صرح به ابن المقفع حين قال في كتاب كليلة ودمنة: «وكذلك من مر على هذا الكتاب ولم يفهم ما فيه ولم يعلم غرضه ظاهرا أو باطنا لم ينتفع بما بدا له من خطه ونقشه». هذا من جهة ومن جهة أخرى يجب ألا نغفل واقع ابن المقفع والظروف الاجتماعية والسياسية التي رافقت ترجمته للكتاب .
مفهوم الرؤية تجسد في الكتاب لأنه ينشد تغيير الواقع باستشراف المستقبل عن طريق اللجوء إلى الخيال كما استعان الشعر الحداثي بالرمز والأسطورة.
بعد أن تعرضنا لأهمية النص الحكائي في خدمة الدرس الأدبي باعتباره مادة خاما وتربة خصبة تسعى من خلالها مختلف المناهج النقدية لإعادة الاعتبار للنص القديم فإننا نواجه إشكالا متعلقا بالسرد، بل بالأدب عامة إذا تساءلنا عن فائدته، خاصة أن الدارس يعترضه مشكل عزوف القراء عن قراءة النصوص القديمة والاكتفاء بما تناقله النقاد بصددها. وهذا ما نجد عليه حال المدرسة العربية على العموم.
الإنسان كي يصير مبدعا لا بد له أن يمر بدراسة كبار المبدعين الذين كرسوا حياتهم لخدمة المعرفة، هذا يعني أن الناقد أو الباحث لا بد أن يمر أولا بالتواصل مع الأعمال الإبداعية مباشرة قبل التعامل معها انطلاقا من الدراسات التي تتناولها.
تلقينا للنص القديم يجب أن يكون محكوما بوعي نشأ من خلال التواصل المباشر مع النص أولا قبل الاستعانة بالدراسات التي قاربتها، والتي تكون مهمة أكثر بعد أن تربط علاقة صافية نقية بالنص بدون واسطة يمكن أن تؤثر على أفق الانتظار الذي سيتيح تأويلا سابقا لأوانه من خلال الحكم على النص قبل قراءته .
٭ كاتب مغربي
مصطفى مزوغ