تل موزان الأثري في عامودا السورية: ممرّ القوافل التجاريّة بين إيبلا وبلاد النهرين إلى مقصد نزهات الربيع

حجم الخط
0

القامشلي ـ «القدس العربي»: عامودا، المدينة التي تتوسط حضارتين في ريف الحسكة شمال شرق سوريا، تحمل في أزقتها تاريخاً لطالما كان مهمّشاً. تُعرف عامودا لقاطنيها وجيرانها بـ «مدينة المجانين» وربما تأثرت هذه المدينة بغنى تاريخها، حيث إنّها كانت أمّاً للعديد من الكتّاب والفنانين. عامودا التي عُرفت في عهد الاحتلال الفرنسي بشجاعة أبنائها ضد الاحتلال وتعرضت للقصف الجوي من قبل الفرنسيين عام 1936، فقد أحرقت فرنسا الدور ثم أغارت خمس طائرات على المدينة وكان الهدف من ذلك إخماد الروح الوطنية لدى أهاليها وتهجيرهم إلى تركيا والقرى المجاورة.
ويُعَرف هذا التاريخ بـ»الطوشة» وكان نصيب المدينة من الشهداء كبيراً. وفي الثالث عشر من شهر تشرين الثاني/نوفمبر عام 1960 التهمت نيران حريق اندلع في سينما «شهرزاد» المبنى وذهب ضحيته 283 طفلا ، فصار الكرد يسمّونها «عامودا بافي محمد» أو «عامودا أبو محمد» بالعربية، نسبة لمحمد سعيد آغا الدقوري الذي أنقذ عدداً من الأطفال من ألسنة اللهب تلك، لكن بنتيجة الاحتراق وزيادة درجة الحرارة، سقطت السكة الحديدية الموجودة في أعلى السقف عليه فاستشهد منقذ أطفال عامودا. ومنذ ذلك الوقت لم يفارق اسم «أبو محمد» هذه المدينة، لكن رغم ذلك عندما يُذكر اسم عامودا يتبادر إلى أذهاننا رمزها الذي يتمثل بتمثال الأسد ذو الفم المفتوح، فقد عُثِرَ فيها على تلال أثرية وهي تل موزان وتل شرمولا وتل شاغر بازار، وهذه التلال تم التنقيب والكشف عن تاريخها الحقيقي، فتبين أنها تعود لحضارات قديمة عمرها يتجاوز ثلاثة آلاف سنة منها موقع تل موزان الأثري، وما أن يمر أحدهمّ من بلدة عامودا حتى يُفكر بزيارة تل موزان الذي يبعد بضعة كيلومترات عن بلدة عامودا الواقعة في ريف مدينة القامشلي، حيث يمضي الأكراد إليه في نزهاتهم مع قدوم فصل الربيع.

أوركيش «تل موزان»

يقع تل موزان في منطقة الخابور، بالقرب من مدينة عامودا، وعلى بُعد 20 كم غرب مدينة القامشلي، وإلى الشمال من مدينة الحسكة بنحو 100 كم. يعدّ تل موزان من أكبر الأماكن الأثريّة، ويعود تاريخه إلى الألف الثالث قبل الميلاد. تكمن أهمية هذا التّل في موقعه على سهل مرويٍ بشكل جيد، حيث إنّه يقع بجانب وادي دارا، في الخابور الأعلى، كما إنّ التل كان ممرّا للقوافل التجاريّة من إيبلا وميزوبوتاميا إلى مدينة خاتي، عبر الممرات الجبليّة في سلسلة جبال طوروس. تبلغ مساحته مع المدينة المنخفضة حوالي 120 هكتارا، ويبلغ ارتفاعه عن السّهل حوالي 27 مترا، السّويات الاستيطانية الأولى في التل تعود إلى الألفين الثالث والثاني قبل الميلاد. وجِد فيه العديد من قطع جرار ذات قواعد إضافة إلى الكؤوس والأواني من نوع الفخار المعدني والدبابيس البرونزية التي تعود إلى عصر تل حلف.
عرفت أوركيش أول مرة كمدينة على يد الهوريين، وتعود إلى منتصف الألف الثالث 2500ق.م، كما إنّها تعدّ من أهم المواقع الدينية في منطقة الخابور وتل براك. في نهاية الألف الثالث قبل الميلاد، أصبح توبكيش، ملكا للمدينة، في الوقت الذي كان أكاد يبسط سيطرته على معظم مناطق بلاد السومريين ومناطق واسعة من سوبارتو بالإضافة إلى مناطق من الفرات والخابور الأعلى، مع هذه السيطرة الواسعة للأكاديين، استطاع توبكيش حماية استقلالية مدينته، إثر اتفاق بين أكاد وأوركيش، وفي بداية الألف الثاني قبل الميلاد كانت أوركيش قوة رئيسية في منطقة الخابور. وعلى الرغم من دورها الضعيف في الاقتصاد استطاعت أن تحمي نفسها، حيث بقيت كمركز رئيسي للدين في شمال ميزوبوتاميا، في منتصف الألف الثاني قبل الميلاد اشتدت قوة الهوريين، وبسطوا سيطرتهم على مناطق واسعة من الخابور، حيث إنّهم جعلوا من مثلث الخابور قاعدة لهجماتهم لتوسيع مناطق نفوذهم، فشرقاً من جبال زاغروس إلى شواطئ البحر الأبيض غرباً ومن مناطق أماندو» آمد» شمالا حتى خلف مناطق قاديش «تل نبي مند» جنوباً، وبهذا أسسوا أكبر إمبراطورية في الألف الثاني قبل الميلاد.

التنقيب والأبحاث

في عام 1934 قام الباحث الإنكليزي ماكس مالون بعمليات بحث محدودة قبل أن يذهب إلى منطقة «جاغر بازار». وفي عام 1984 بدأت البعثةُ الأمريكية التابعة لجامعة لوس أنجلوس بإدارة جورجيو وزوجته مارلين كيلي بوتشلاتي عمليات التنقيب والبحث في التل مجدّدا. استطاعت هذه البعثة بعد سنوات من العمل الوصول إلى حصار أوركيش «عاصمة الهوريين» والعديد من العلامات والتاريخ فيها، كمعبد الأسد الذي بُنيَ على قمة يصل ارتفاعها إلى 27 م عن سطح الأرض. يصل هذا المعبد إلى القصر عن طريق ساحة واسعة، قصر توبكيش الذي يتألف من جناحين وساحة في الخارج تقع حول الجناح الرّسمي، الجناح الأول وهو الجناح المنخفض الذي يمثّل أجنحة الــداخل، يتـــألف من أربعة أقسام: الأول المدخل والثاني التخزين الخـــاص بالعـــائلة الملــكيّة. والثالث لخدمة احتياجات الملك. أمّا القسم الرّابع فلم تُعرف وظيفته حتى الآن. الجناح الثّاني وهو الجناح الرسمي الذي يرتفع عن الأول بمقدار 2.5م، يعيش فيه الملك وعائلته، حيث إنّ إدارة أمور البلاد كانت تصدر من ذلك الجناح، إضافة إلى الختم الذي وُجد في أوركيش من بين مئات الأختام المصنوعة من الطين والحجر.
تعود معظم هذه الأختام إلى الألف الثالث قبل الميلاد، حيث وجدت في القصر والأنقاض المحروقة خارج سور المدينة، إضافة إلى طبعات أختام الأبواب والجرار، ويبلغ حجم وارتفاع الختم من 2 إلى 3 سم، وطوله 2 سم. واستطاعت هذه الأختام أن تظهر تفاصيل مهمّة عن تاريخ أوركيش، وتقدم معلومات هامة عن حياة القصر ونوع العلاقات الاجتماعية بين العائلة الملكية وكافة مجالات الحياة. كما إنّ هذه الأختام توضح أهمية دور المرأة، وتعاونها مع النوّاب العاملين في المتابعة والإنتاج، ومنها تنظيم الهدايا التي يقدمها المزارعون والصناع من المدينة أو من خارجها، وعن الاستقبالات التي كانت تتم مباشرة، حيث إنّها تدل على مستوى عال من التنظيم الإداري للمدينة. إضافة إلى ان الاختام كشفت تفاصيل عن الشؤون الإدارية وأهمية دور المعبد والقصر بالإضافة إلى أنواع الطعام والمواضيع المتعلقة بالميثيولوجيا الهورية، الإله والرّموز، ودور ووظيفة بابا درويش في المعبد. كما إنّ تلك الأختام توضّح الشأن الاقتصادي واللغة أيضا عن طريق ما نقش عليها من خلال شكل خاص، يتمثل في الصور والرسومات والأفكار التي تتمثل في أنواع الثياب والهدايا التي كانت تقدّم إلى الملك وزوجته والقصر.

مدينة السعادة أو الأحلام

شهد هذا الموقع الكثير من الصراعات ولم تهتم به الحكومة السورية. ويقول لقمان احمي وزير الثقافة والسياحة في الإدارة الذاتية في مقاطعة الجزيرة لـ «القدس العربي»: «عند الصعود لتلّ موزان يمكنك مشاهدة جبال طوروس في تركيا التي هي امتداد لأرض كردستان، وقد عثر فيها على الكثير من الفخاريات التي تعود إلى 6000 سنة قبل الميلاد، والتي تثبت إن هناك من سكن فيها منذ ذلك الوقت. وازدهرت هذه البقعة من الأرض حتى أصبحت مدينة منذ 3500 سنة قبل الميلاد وقد سكن فيها الهوريون ثم أصبحت مركزاً للإمبراطورية الهورية التي وصلت لساحل البحر الأبيض المتوسط في ذلك الوقت».
ويضيف «أكثر ما ميّز هذه المنطقة في تلك الحقبة الزمنية أن الأكاديين الذين كانوا يعتبرون الأقوى لم يتمكنوا من السيطرة عليها وبقيت مستقلة. وعثر فيها على الكثير من الآلهة كإله الطقس، وكذلك وجود إله كبير وهو رئيس الآلهة ويدعى كوماريو، بينما اسم المدينة أوركيش، فنستطيع ترجمة هذا الاسم حسب اللغة الهورية والتي تعد الأساس للغة الكردية وتعني (مدينة السعادة أو الأحلام).
ويتابع: «الحكومة السورية لم تول أي اهتمام لهذا الموقع الأثري، حيث كان سكان القرى المجاورة يأخذون من حجارة الموقع دون أن يدركوا أهميته ولم تحاول السلطات آنذاك منعهم، وأتذكر قبل عام 1984 كانت هناك محطة وقود في بلدة عامودا، تم بناؤها من حجارة هذا الموقع، ولكن بعد عام 1984جاءت بعثة تنقيب بقيادة جورجيو بوتشلاتي وعملت في المكان حتى 2010، وقد عثر خلالها على الكثير من المكتشفات الأثرية في موقع تل موزان مثل اسم الملك «توبكيش» وهو الذي تزوج من بنت «نارام سين».
وبحسب احمي، فإنّ «الكثير من الصراعات حصلت في هذا الموقع الأثري، منها صراع الأكاديين والهوريين حتى عام 2000 قبل الميلاد، حيث تمكن الهوريون في نهاية المطاف من حماية مناطقهم وإدارتها كمركز لهم وللميتانيين في العام 1500 قبل الميلاد وعادت الحياة للمدينة، ووصلت الإمبراطورية الميتانية إلى قادش أو تل مندو في مدينة حمص، وأمتدت حتى إلى البحر الأبيض المتوسط».
وتؤكد دراسات تاريخية، إن جميع الآثار التي تم اكتشافها في موقع تل موزان هي من الطين وهذا ما جعل مهمة التنقيب صعبة، وكذلك يدل هذا الأمر على قدم هذا الموقع.
التجارة غير الشرعية بالآثار

ويكشف أحمي إن الإدارة الذاتية المدنية التي تحكم تلك المناطق تدرس مشروعاً لإعادة ترميم هذا الموقع الأثري لإعادة البعثات التاريخية والعمل فيها لكن منظمة «اليونسكو» لم تستجب لدعواتٍ رسمية من خلال تواصل الإدارة الذاتية بمكاتبها في تركيا، علماً إنّهم بحاجة ماسة لمختصين للعمل في هذا الموقع ومواصلة عمليات التنقيب والترميم وفقاً لقوله، حيث ناشد احمي منظمة اليونسكو لمساعدتهم.
ووفقاً لوزير الثقافة والسياحة في الإدارة الذّاتية أيضاً فإنّ «النظام السوري لم يهتم بالمواقع الأثرية في المدن الكردية السورية، ولم يقم بأي دعاية للمكان، ولذلك لم يتوافد السائحون إليها، وكانت الحكومة تهدف من خلال هذه الخطوة إلى إثبات إنّ هذه المنطقة لم يسكنها سوى المكون العربي». وتسعى وزارة السياحة والثقافة لدى الإدارة الذاتية على العمل بمهامها بشكلٍ أفضل لحماية هذه المواقع الأثرية، فهي تؤكد إن موقع تل موازن الأثري لم يتحوّل لمنطقة عسكرية، لكنه تعسكر بسبب علو المكان، رغم عدم تواجد آليات عسكرية فيها، وهي مخصصة في الوقت الحالي للتدريب العسكري والتمركز للمقاتلين الأكراد فقط، ويهدفون معاً لحماية هذا المواقع الأثري. وتجدر الإشارة إلى أن المواقع الأثرية في المدن الكردية السورية هي الوحيدة التي تم الحفاظ عليها وحمايتها بعد تعرض العديد منها للقصف والسلب والنهب في أماكن سيطرة النظام السوري وتنظيم الدولة الإسلامية بعد انطلاقة الثورة السورية، فعمليات التجارة غير الشرعية بالآثار «التهريب» تبرز أثناء نشوب الحروب، لكن قوات الأمن الكردية تقوم بحماية مثل هذه المواقع وبتوعية المدنيين عبر ندوات وكذلك برامج الراديو بهدف المحافظة على المواقع الأثرية، كما تقوم وزارة الثقافة والسياحة في الإدارة الذاتية بجولات مراقبة على هذه المواقع بغية عدم تعرض أحد لها.

جوان سوز

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية