تمتاز بكثرة ينابيع المياه الصافية وقصر العبد: وادي السير وجه عمان الأخضر

حجم الخط
0

عمان ـ «القدس العربي»: ذكرها الشاعر الأردني مصطفى وهبي التل في أشعاره قائلا «ليت الوقوف بوادي السير إجباري… وليت جارك يا وادي الشتا جاري»، حينما كان يزور منطقة وادي السير الكائنة في العاصمة الأردنية عمان، ليزيح عنه ما علق به من هم وكدر.
سميت المنطقة التي تقع في الجزء الغربي من العاصمة بهذا الاسم نسبة إلى إحدى ملكتين كانتا تحكمان المنطقة قبل الميلاد هما الملكتان «سيرا وسارا». وفي رواية أخرى حمل «قصر العبد» الموجود في منطقة عراق الأمير، اسم «تيروس» وهي لفظة يونانية يقابلها في الآرامية «تورا» وتعني القلعة ولفظها العرب سير، وهكذا سميت المدينة الحديثة وادي السير.

قرية جميلة في واد خصيب

تبلغ المساحة الإجمالية للمنطقة 39 كم، وعدد سكانها (85000 ) نسمة، تسكنها في الغالب عشيرة العبادي، إلى جانب عدد من العشائر الأخرى أهمها البدارين والقيسية وصندوقة وأبو السندس والعقيلي، وتقسم المدينة إلى 9 مناطق هي أم أذينة، والروابي، والجندويل، والكرسي، والصويفية، والديار، والرونق، ووادي السير، وحي القيسية. وهي من المناطق المعروفة بخصوبة أرضها لذلك اشتهرت بزراعة الأشجار المثمرة والحمضيات مثل الليمون والخشخاش.
وعن الوادي الذي استقر فيه العمونيون بقيادة أميرهم طوبيا العام 360 قبل الميلاد كتب الرحالة خير الدين الزركلي العام 1921 «وادي السير، قرية نظيفة جميلة في واد خصيب، فيها نحو 250 بيتا، وأكثر سكانها من شراكسة القفقاس، نزلوا فيها وعمروها حوالي العام 1300 هجرية، ونشبت بينهم وبين مجاوريهم من البدو معارك وملاحم انتهت باطمئنانهم في قريتهم. وكان آل وادي السير يعنون بالحياكة، حتى ان أحدهم واسمه الشيخ موسى وهو من تلاميذ الأزهر، أخبرني ان امه كانت تنسج له كل ما على جسده قبل عشرين عاما».

ينابيع وكهوف

عراق الأمير بلدة تقع ضمن حدود أمانة عمان الكبرى، وتبعد حوالي (15كم) جنوب غرب بلدة وادي السير و35 كم غرب مدينة عمان. يبلغ عدد سكان البلدة مع القرى المجاورة حوالي 6000 نسمة، وتقع ضمن تلال عالية ومتوسطة الارتفاع وهي منطقة خضراء ذات مناظر طبيعية جذابة، تكثر فيها ينابيع المياه وتشتهر بأشجار الزيتون والأشجار الحرجية.
وعلى بعد نصف كيلومتر جنوب البلدة يوجد «قصر العبد» أو ما يعرف بـ»قصر الأمير» ، وهناك العديد من الكهوف على الجبال المجاورة للقصر وعددها 11 كهفا تمتاز بوجود قنوات المياه الحجرية وبروز النقوش الآرامية التي تحمل اسم الملك «طوبيا». ولقد أكدت الوثائق التاريخية المصرية التي عثر عليها وتعرف بـ»مخطوطات زينون» أن الملك «طوبيا» هو الذي حكم هذه المنطقة، بالإضافة إلى وجود ما يعرف بـ»المعلقة» والتي يعتقد البعض أنها كانت بيوتا للحمام، والبعض الآخر يعتقد بأنها كانت مقبرة تمتاز بدفن الموتى عن طريق حرق الجثث.

نقوش خلابة

قصر العبد أو قصر عراق الأمير الذي نسبت قرية عراق الأمير إليه هو قصر أثري يقع على بعد نصف كيلو متر جنوب بلدة عراق الأمير، ويعود تاريخ بنائه إلى ما قبل خمسة آلاف عام تقريبا. أي إلى العصر الهيلنستي في القرن الثاني قبل الميلاد. وقد سمي قصر عراق الأمير بهذا الاسم لأن مدخله يشبه باب المغارة والأمير هو طوبيا.
وتشير الوثائق التاريخية والمسكوكات والرسومات والنقوش إلى ان هركانوس الطوبي العموني هو الذي بنى قصر العبد في منطقة عراق الأمير بين عامي 187 و175 قبل الميلاد في ظل حكم البطالمة وتحديدا في عهد سلوقـس الرابع. كما تذكر المصادر ان هركانوس هو من الأسرة الطوبية العمونية حيث كان أحد أمراء العمونيين الذين استقروا في منطقة وادي السير عام 360 قبل الميلاد، وكان طوبيا آنذاك أميرا ونائبا للملك وواليا على منطقة عمان في العهد الفارسي، إلى ان أصبح ملكا، وآخر ملوك العمونيين.
يعتبر قصر العبد أحد الروائع الهندسية تصميما وبناء وزخرفة ونقوشا تجلت فيها قدرة الإنسان على الإبداع، وقد زيًّن بنقوش ومنحوتات في منتهى البراعة والإتقان.
تم بناء القصر من الحجارة البازلتية الضخمة البيضاء ويبلغ طوله 38 مترا وعرضه 18 مترا وارتفاعه 4,5 متر، ويتكون من طابقين: السفلي وفيه أربع غرف وسبع نوافذ، والعلوي وفيه قاعة وأربع غرف ولم يكتمل بناؤه لأن هركانوس الذي قام ببنائه انتحر بسبب تهديد الجيش السلوقي للمنطقة. وللقصر بوابتان جنوبية والأخرى شمالية مزينة بالأعمدة والتيجان والرسومات، وتعلو القصر نقوش تمثل صورا للأسد واللبوءة، كما تحيط بالقصر قنوات ري حجرية تغذي بركة ماء كبيرة، إضافة إلى وجود سـور يلتف حول القصر، ما زالت بقاياه المهدمة قائمة.
والقصر محاط بسور على مساحة واسعة من الأرض ما زالت معالمه بارزة في الجهات الغربية والجنوبية إضافة إلى البوابة الرئيسية في واجهة السور الشرقي من القصر.
ويعتقد ان هذه البوابة تفضي إلى نفق أرضي يقود إلى بوابة القصر الشمالية من تحت الأرض كون القصر كان محاطا بالمياه من كل جهاته ولا يمكن الدخول إليه إلا من خلال هذه البوابة.
ويتزود القصر بالمياه من قنوات الري الحجرية التي تنقل المياه من وادي عراق الأمير الجاري وعيون المياه الوفيرة في المنطقة إلى البركة الكبيرة التي تحيط بالقصر من جميع الجهات.
وللقصر بوابتان إحداهما في الواجهة الجنوبية والأخرى في واجهة القصر الشمالية مزينة بالأعمدة والتيجان الكورنثية وتؤدي إلى درج يصعد إلى الدور العلوي.

الكهوف الصخرية أواخر العصر الفارسي

وتكثر الكهوف الصخرية المنحوتة في الحيد الصخري في صفحة الجبل الغربي البالغ عددها 11 كهفا وزودت بالمياه من خلال قنوات ري حجرية منحوتة في الصخر تنقل المياه من بركة المياه الواقعة في أعلى قمة الجبل في ظهر عراق الأمير إلى تلك الكهوف.
وما زالت بقايا آثار تلك البركة والقنوات باقية لغاية الآن، وعثر في تلك الكهوف على رسومات ونقوش تعود إلى القرن الثالث قبل الميلاد في أواخر العصر الفارسي ومطلع العصر الهلنستي منها نقشان باسم الملك طوبيا.

وادي الشتا… ينابيع وشلالات صخرية

عُرف وادي الشتا لمحبة الشاعر الأردني عرار بهذا المكان الذي كان يقضي فيه الكثير من الوقت، فمن أشعاره:
قالوا «بوادي الشتا» لاحت مكحلة …
فما عليك ارعوى من خدها القاني
يا بنت وادي الشتا صرت جنادبه …
ورجّعت جلهتاه الغرّ ألحاني
وما زال «وادي الشتا» دفلاه مزدهر …

مالي ومالكم يا جيرة البان

وادي الشتا واد متعرج يربط بين منطقة عراق الأمير (من الغرب)، ومنطقة مرج الحمام (من الشرق)، اشتهر بمناظره الخلابة وتدفق ينابيع المياه والجبال والمزروعات، وخاصة في فصل الربيع، تتميز تلاله بإطلالة على البحر الميت ومدينة القدس.
وقد شبه الكولونيل كوندر البريطاني وادي السير بغابات إنكلترا في كتابه «هيث ومؤاب» الذي دون فيه رحلاته في شرق الأردن عام 1881 ومنها زيارته لمنطقة سيل وادي السير والمناطق المجاورة لها.. حيث يقول «ان المناظر في هذا الوادي والأودية الأخرى تمثل مفارقة شديدة بالنسبة لمناظر الهضبة السهلية، فالينابيع الصافية تجري بين المروج الخضراء تشكل شلالات من فوق المرتفعات الصخرية حيث تنمو شجيرات العليق ونباتات السرخس، وحيث تغطي المنحدرات أشجار البلوط الكثيفة حتى تغدو أشبه بغابات إنكلترا».
ويضيف كوندر «تبدو أطراف التلال ذات الصخور البيضاء والفيافي العريضة المنقوشة بالأشجار ومضارب البدو والجروف العميقة ذات المساطب الضيقة حيث ترتفع غمغمة النبع بينما يختفي مجراه خلف أعواد القصيب الطويلة وشجيرات الدفلى ذات النوار الأحمر».

آية الخوالدة

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية