القاهرة ـ «القدس العربي»: بالأمس تواصل الإحباط من تكميم الأفواه وقمع الحريات، وعلى شعارات ثورة الخامس والعشرين من يناير/كانون الثاني التي عرفت طريقها للقبر قبل أن تولد، حيث لم يتحقق منها شعار واحد. وبدورهم تهافت عشرات الرموز من القوى الوطنية منددين بالظلام الكثيف الذي ينشر أجنحته على مدن مصر وقراها، حيث لا أمل في أن تحرز الأغلبية الفقيرة أيا من الوعود التي تعهدت بها السلطة القائمة، التي تقترب من ترشيح بطلها الأوحد لولاية حكم ثانية.
وقد تناولت الصحف المصرية الصادرة أمس الخميس 4 يناير/كانون الثاني العديد من القضايا والموضوعات على المستويين الداخلي والخارجي وأبرزها، الأمن يتسلم كاتدرائية العاصمة الإدارية. البنك المركزي: ارتفاع الاحتياطي النقدي لـ37 مليار دولار لأول مرة في تاريخه. العاهل السعودي يبحث مع عبد العال تعزيز التعاون البرلماني. الليلة.. عرش إفريقيا ينتظر صلاح. الموافقة على 3 اتفاقيات مع البنك الدولى والاتحاد الأوروبي والصندوق الكويتي. القاهرة بدون عشوائيات نهاية العام. طوارئ في الداخلية لتحديث بيانات «ناخبي الرئاسة». مشروع قانون لـ«مجلس مواجهة الإرهاب». الحكومة تدرس تعديل ضرائب الدخل على الشركات. مصادر: «النقل» تراجع الجدوى الاقتصادية لأسعار تذاكر القطارات.
الكذب لا يمشي على رجلين
خرج أنور الهواري رئيس تحرير «المصري اليوم» الأسبق عن شعوره محذراً من أيام حالكة السواد باتت أقرب مما نتصور قائلاً: «المجال العام مغلق على السيسي فقط، وكل إمكانات الدولة يتم تسخيرها في هذا الإطار، وهذا ليس جديدا، بل هذا هو الأصل في السياسة المصرية، هذا وضع لا يدعونا لليأس، بل يدعونا للتفكير والإبداع، من حقنا أن نرفض هذه الهندسة القمعية، فلم تعد مناسبة لهذا العصر. هذه الهندسة ـ مهما تسلحت بالحديد والنار ـ هي هندسة هشة وكاذبة ولا تقف على قدمين ثابتتين. من حقنا أن نتنفس في بلدنا أنفاس الحرية والكرامة والعدالة والاحترام، من حقنا أن نرفض تأسيس وترسيخ ديكتاتورية جديدة تحت أي مبرر أو ذريعة. فكرة الحق في حد ذاتها تكفي لأن ينزعج زبائن الديكتاتورية الجديدة، مثلما تكفي ليشعر الأحرار من الناس بأن المستقبل لهم، مستقبل يختارون فيه الحاكم بمحض إرادتهم ويسائلونه ويحاسبونه ويحاكمونه ويعزلونه عند الاقتضاء. المستقبل لمن يؤمنون بالإنسان حرا مكرما معززا في بلده وبين أهله وناسه».
كيف ينام؟
ومن أنور الهواري الذي تركناه غاضباً نتوجه على الفور للدكتور نادر فرجاني الأستاذ في الجامعة الأمريكية، وصاحب تقرير التنمية البشرية وأحد أبرز الوجوه التي انقبلت على السلطة القائمة، محذراً من غياب العدالة حيث كتب معلقا على الإعدامات الأخيرة وفقا لـ»البداية»: «اللعنة على حكم العسكر وقضائهم الظالم والفاسد؛ والمملوك وزبانيته، كيف يغمض لهم جفن وهم يعدمون أبرياء. لم نكد نتجاوز مأساة إعدام 15 من أهلنا في سيناءعلى أنهم إرهابيون، رغم تكاثر الدلائل على براءتهم حتى صدمنا حكم العسكر بتنفيذ حكم الإعدام أمس في أربعة شباب أبرياء قطعا، آخرين، (تجاهل القضاء العسكري والنائب العام معا اعتراف آخرين بتنفيذ العملية) في واقعة تفجير ستاد كفر الشيخ. وتابع فرجاني: «أعارض عقوبة الإعدام من حيث المبدأ لأنها تهدر الحق الإنساني الأول في الحياة، ولأنها عقوبة يستحيل الرجوع عنها أو التعويض عنها في حالة الخطأ الوارد في أي فعل بشري».
الملياردير يواسي الفقير افتراضياً
شهدت الصحف المصرية أمس الخميس تعاطفا غير مسبوق مع بطل شعبي تعرض للتشويه من قبل جهات مجهولة وبدوره غرد رجل الأعمال المليارديرنجيب ساويرس مؤكداً أن محاولة تشويه «عم صلاح» البطل الذي تصدى للإرهابي منفذ هجوم كنيسة حلوان، قد جاءت بأثر عكسي. وكتب ساويرس عبر حسابه الرسمي في موقع التدوينات القصيرة «تويتر»: «محاولة تشويه البطل عم صلاح عملت أثر عكسي، ازدادت شعبيته، زمن البطولة فيه عيب والمخرج غبي، ماشي أنا هساعدكم: مسجل خطر بس بطل برضه». ونفى يونس مصطفى الموجي الشهير بـ»عم صلاح الموجي»، ما تردد عن كونه «مسجل خطر» وعليه أحكام جنائية سابقة، وأرسل لجريدة «اليوم السابع» نسخة من صحيفته الجنائية ـ »فيش وتشبيه ـ أصدرها في يوليو/تموز الماضي، خالية من أي أحكام جنائية مسجلة، مؤكدا أنه يجري هذا «الفيش والتشبيه» كل عام نظرا لعمله في إحدى المدارس الخاصة في المعادي، كما يجري أيضا كشف مخدرات. كما نال صلاح تعاطفا واسعا من قبل العديد من الإعلاميين من بينهم عمرو أديب ووائل الإبراشي. نفى بطل حادث كنيسة حلوان ما أشيع عنه من أنه من أرباب السوابق، أو أنه أحد البلطجية. وطالب الموجي، وزارة الداخلية بأن تقوم بترخيص سلاح له أو حراسة لأنه مستهدف متابعا «أنا رقبتي بقت مطلوبة».
حالة وجدت لتبقى
«بهدوء شديد وبدون مقدمات، كما لاحظ أشرف البربري في «الشروق» صدر القرار الجمهوري بتمديد حالة الطوارئ في البلاد لمدة 3 أشهر إضافية، لتمتد هذه الحالة التي هي في الأصل «مؤقتة وطارئة» إلى عام كامل، ولا أظن أنه سيكون الأخير، لأن مصر منذ عرفت النظام الجمهوري بعد ثورة 23 يوليو/تموز 1952 وهي تعيش تحت رحمة «حالة الطوارئ» بكل ما تنطوى عليه من انتقاص للحقوق السياسية والقانونية للمواطن. هذا الهدوء والصمت المصاحب لقرار تمديد حالة الطوارئ 3 أشهر أخرى اعتبارا من السبت 13 يناير/كانون الثاني 2018 ــ رغم أن هذه الأشهر الثلاثة ستشهد جزءا من انتخابات الرئاسة، التي يفترض أنها تتضمن الكثير مما يحظره قانون الطوارئ، مثل التجمعات الانتخابية والمسيرات الدعائية ــ يؤكد بوضوح أن «حالة الطوارئ وجدت لتبقى» كما فعل حسني مبارك عندما أعلنت حالة الطوارئ عقب اغتيال الرئيس الراحل أنور السادات في أكتوبر/تشرين الأول 1981، ولم يتم رفعها إلا بقيام ثورة 25 يناير 2011 المجيدة. بالطبع فإعلان حالة الطوارئ في أي دولة أو منطقة أمر وارد تماما، وشهدناه في العديد من الدول المتقدمة والمتخلفة. أما في مصر فإننا نعرف فقط إعلانها بقرار صامت، أما إلغاؤها فيحتاج إلى ثورة شعبية. وإذا كان الدستور حدد فترة الطوارئ بثلاثة أشهر، يتم تجديدها لمرة واحدة وبعد موافقة البرلمان، فالواجب الآن هو مراجعة الموقف الذي استدعى إعلانها وتقييم نتائجها. فهل خرج علينا مسؤول وقال إن عدد الجرائم الإرهابية التي شهدتها البلاد في السنة السابقة على إعلان حالة الطوارئ كان «كذا» ثم تراجع هذا العدد بفضل حالة الطوارئ إلى «كذا»؟
الناس لا تهتم
غابت السياسة وحضر الاقتصاد، ذلك سبب مهم للغاية من أسباب اللامبالاة التي يتعامل بها الشعب مع حدث الانتخابات الرئاسية، كما يؤكد محمود خليل في «الوطن»: «بعد ثورة 25 يناير/كانون الثاني ارتفع سقف الاهتمامات السياسية لدى المصريين بصورة ملحوظة، وتوازت معه زيادة ملحوظة في حجم التفاعل والمشاركة في الاستحقاقات الانتخابية. وقد بدأ هذا الاهتمام في التراجع بعد انتخابات الرئاسة (2014)، فبعد هذا العام بدأت الحكومة خطتها في الإصلاح الاقتصادي، وتدفقت قرارات خفض الدعم عن الوقود والمياه والكهرباء والغاز، ثم كان قرار تعويم الجنيه أمام الدولار، وما أعقبه من زيادات فلكية في الأسعار، وارتفاع سماوي في معدلات التضخم. الشغل الشاغل للكثير من المصريين ـ خلال الشهور الأخيرة ـ هو كيفية التواؤم والتكيف مع الغلاء، الذي ضرب شتى مناحي حياتهم. نعم توجهت الكثير من الوفورات المالية التي خلفتها خطة الإصلاح إلى مشروعات بنائية مهمة، لكن المواطن البسيط لا يكترث كثيراً بالمشروعات التي تصب في المستقبل، لأنه يحيا بمعادلة «أحييني النهاردة وموتني بكرة». الضغوط الاقتصادية التي يعيشها المصريون تصرفهم عن الاهتمام بموضوع الانتخابات، بل عن كل ما هو سياسة. ولو أنك استرجعت حوارات المصريين أواخر العام المنصرم، فستجد أن سؤال العام الجديد (2018) بالنسبة لهم لم يكن سؤال «الانتخابات الرئاسية»، بل سؤال عن السلع التي سوف ترتفع أسعارها من جديد خلال الأشهر المقبلة، وهل سيكون الرفع قبل الانتخابات أم بعدها؟ الغارق في مشاكله الاقتصادية والمعيشية لا يعرف السياسة ولا يهتم بها. وانخفاض معدلات الاهتمام بالسياسة سيكون له مردود سلبي على حجم المشاركة في الاستحقاق الانتخابي المقبل. وذلك ما يشغل بصورة أو بأخرى الأطراف ذات الصلة بالانتخابات المقبلة».
مرض كامب ديفيد
ومن أشرس معارك الأمس ضد النظام تلك التي شنها محمد سيف الدولة في «الشعب»: «كانت مصر الرسمية هي أول من كسرت الثوابت العربية والإجماع العربي حول الموقف من فلسطين وقضيتها، والموقف من الكيان الصهيوني المسمى بدولة إسرائيل. فمنذ 1948 وما قبلها حتى عام 1977 (زيارة السادات للقدس)، كان هناك موقف عربي موحد بأن (إسرائيل) كيان استعماري استيطاني باطل غير مشروع، يستهدف مصر والأمة العربية كلها بقدر ما يستهدف فلسطين، وبالتالي يُحظَر الاعتراف به أو الصلح معه، وهو ما تم التعبير عنه في عشرات القرارت الصادرة من مؤتمرات القمة العربية، وأوضحها كانت مقررات مؤتمر الخرطوم في أغسطس/آب 1967 بأنه لا صلح لا تفاوض لا اعتراف، وما تلى ذلك من دعم عربي لمصر وسوريا ولمنظمة التحرير الفلسطينية للإعداد لمعركة تحرير الأرض المحتلة حتى حرب 1973. كان هذا هو الموقف العربي الرسمي إلى أن قامت مصر بتوقيع اتفاقية سلام مع (إسرائيل)، اعترفت فيها بشرعية دولتها وحقها في أن تعيش آمنة داخل حدود أرض فلسطين التاريخية، ما عدا الضفة الغربية وغزة المشهورة باسم فلسطين 1967، وانسحبت من معارك الصراع ضد العدو الصهيوني، وأجهضت أي خيار عسكري عربي، حيث أنه يستحيل تحقيق أي انتصار عسكري على (إسرائيل) بدون مصر. ثم سعت للترويج لهذا السلام عربيا، بالادعاء بأنها فتحت الطريق أمام تحقيق سلام شامل وعادل ودائم في المنطقة، وأنها قدمت نموذجا يمكن تكراره، وهو ما تم النص عليه صراحة في كل مقدمات وديباجات ومخاطبات كامب ديفيد 1978 والمعاهدة المصرية الإسرائيلية 1979. ولا تزال تروج له حتى اليوم على لسان الرئيس الحالي عبد الفتاح السيسي الذي لا يترك فرصة إلا ويتحدث عن السلام الرائع بيننا وبين (إسرائيل) الذي انقذنا من الضياع، وكيف أن المصريين قاتلوا في 1973 من أجل السلام، وكيف وصل بنا الحال اليوم إلى بناء أجواء عميقة ومستقرة من الدفء والثقة والطمأنينة بيننا وبين إسرائيل!».
ثورة السمك
«عندما التهبت أسعار الأسماك ـ حتى الأصناف الشعبية وليس فقط الأنواع البحرية الممتازة ـ التي يشتهيها عباس الطرابيلي في «المصري اليوم» انفجر الناس غضباً.. ولذلك كان قرار الدولة التدخل فوراً في محاولة توفير هذه الأسماك.. فكان قرار استيراد الأسماك، حتى إننا نستورد حوالي 40٪ مما نأكل من أسماك.. هنا كان القرار الأصوب وهو محاولة توفير هذه الأسماك محلياً.. فكان قرارها «استزراع الأسماك».. خصوصاً مع انخفاض إنتاج السمك محلياً. ولجأت الدولة ـ أخيراً ـ إلى زراعة الأسماك ليس فقط لتقليل فاتورة استيرادها، ولكن أيضاً بهدف السيطرة على أسعار كل اللحوم الأخرى: حمراء وبيضاء.. خصوصاً أن المصري ينوع في ما يأكل من أسماك: مشوية، مقلية، طواجن، صواني.. وحتى مدخنة ـ مثل الرنجة ـ أو مملحة مثل الفسيخ. وإذا كان القطاع الخاص هو الأسبق في استزراع السمك منذ منتصف الثمانينيات، فوجدنا الأقفاص السمكية في مجرى النيل.. والأحواض السمكية على حواف البحيرات الشمالية.. وأصبحوا ـ أصحاب المزارع ـ من المليونيرات، رغم أن بعض ما يقدمونه من علف لهذه الأسماك ليس سليماً 100٪. هنا تدخلت الدولة ـ وبالذات القوات المسلحة ـ أو الأجهزة التابعة لها.. فوجدنا مزارع تقام على أسس علمية شرق بورسعيد، وفي القطاع الشمالي من القناة من منطقة القنطرة إلى قرب بورسعيد.. وكذلك في بركة غليون شمال كفر الشيخ.. وهي صناعة تقوم الآن على أفضل وأحدث السبل العلمية، وهي صناعة متكاملة بكل معنى الكلمة.. وإذا كان القطاع الخاص قام بصيد الزريعة أي «الإصباعيات» من فم البواغيز عند مداخل البحيرات الشمالية ليقوموا ببيعها لأصحاب هذه المزارع «بالملعقة» وسعرها أعلى من الذهب بدلاً من أن ينشئوا المفرخات اللازمة لتوفير هذه الإصباعيات أي الزريعة، ولكن المشروعات الحالية تعنى إقامة صناعة متكاملة التي أراها ستعمل على الحد من استيراد الأسماك».
نحن قتلة
ومن معارك الأمس تلك التي يهاجم فيها عماد أديب في «الوطن» بعض عاداتنا السيئة: نغتال ذمم وضمائر وتاريخ الناس برصاصة كلمة واحدة تنطلق من مسدس الإعلام. نحن قتلة! نستبيح الحياة الشخصية، ونكشف ستر الناس، ونسعى لفضح المستور الخاص بالدس والكذب والافتراء والتجني. نحن قتلة! نخترع قصصاً، ونبالغ في الأرقام، ونهول الوقائع، ونمارس الشر المتعمد ضد ناس عاشت حياتها تسعى للحفاظ على سمعتها وكرامتها. نحن قتلة! ذبحنا أهم عشرة آلاف شخصية في حياتنا من صلاح الدين إلى عرابي، ومن سعد زغلول إلى محمد نجيب، ومن أم كلثوم إلى شادية، ومن شيرين إلى أنغام، ومن أبوتريكة إلى عماد متعب، ومن محمد نجيب إلى حسني مبارك، من حسن البنا إلى محمد مرسي، ومن عبدالله النديم إلى إبراهيم نافع، ومن الشيخ محمد حسان إلى شيخ الأزهر. نحن قتلة! لم نرحم أحداً، ولم تأخذنا شفقة بعجوز أو كهل، ولم تأخذنا قيم الأخلاق باحترام الموت والموتى، لم نحافظ على عرف احترام أعراض النساء وأسرار البيوت، وسرية الحسابات الشخصية. نحن قتلة! أصبح لدينا تسجيل سري لكل مواطن، وشريط فيديو حقيقي أو مزور يفضحه، وأصبحت لدينا تهمة سابقة التجهيز يمكن إلصاقها بأي إنسان عند الوقت المناسب بالطريقة المناسبة. نحن قتلة! نذبح الضحية بدون أن نذكر اسم الله، نفتري على الله كذباً، ونلصق التهم بالأبرياء عبر وسائل التواصل التدميرية التي نمارس من خلالها عقدنا النفسية، وأمراضنا العقلية. نحن قتلة! نمارس الاغتيال المعنوي ليل نهار ضد بعضنا بعضا بهدف تنفيذ مشروع الانتحار الجماعي والقتل على الهوية. نحن قتلة! نمارس كفر قريش ضد كل مؤمن بقيمة أخلاقية أو رسالة إنسانية. حقيقة الأمر.. نحن قتلة!».
محنة الإسلاميين
«لم يجب الإسلاميون على سؤال «المشروع الإسلامي».. بمعنى ما هو هذا المشروع تفصيلا؟ هذا ما بدأ به محمود سلطان مقاله في «المصريون» مواصلا، قبل الربيع العربي، كانت ثمة اتهامات بأن الإسلاميين بلا مشروع.. وهي الاتهامات التي كان من السهل وصفها بـ«المكايدة الأيديولوجية»، لأن الإسلاميين ـ في ذلك الوقت ـ كانوا خارج السلطة «جماعة مستضعفة»، وكان من الصعب اختبار «المشروع الإسلامي» الذي يتحدثون عنه ومع ذلك لم يكن من الصعب، استشراف وعي الإسلاميين، بأدوات الدولة الحديثة، وما إذا كانوا يدركون الأبعاد الفاصلة بين «الدعوة» و»السياسة»، أو بين العمل الأهلي والنشاط السياسي. ففي بعض الدول التي سمح فيها للإسلاميين بالدخول في البرلمانات المنتخبة، مارس الإسلاميون العمل البرلماني بخبرات «الجمعيات الخيرية».. وتشابهت الدعايات في الدوائر التي يمثلها الإسلاميون في البرلمان، واقتصرت على تنظيم رحلات الحج والعمرة، وتنظيم دورات لحفظ القرآن الكريم، وكفالة الأيتام والأرامل وما شابه، فيما اختفي وعيهم بالبرلمان كـ»أداة تشريع» وليس «جمعية» ملحقة بإدارة مسجد في حي شعبي فقير. صحيح ـ إذن ـ بأنه كان من الصعب اختبار «المشروع الإسلامي»، قبل الربيع العربي، غير أن الإسلاميين ظلوا حاضرين نسبيا في قلب المشهد السياسي الحركي «البرلمانات»، وهي الممارسة التي خضعت للمراقبة والتدقيق، وتحليل مضمونها، ولم تكن في مجملها تبعث على التفاؤل، بشأن المستقبل حال وصولهم إلى السلطة. والحال أن المشروع الإسلامي، ظل «لافتة فضفاضة»، ولم يجب الإسلاميون على كثير من الأسئلة التي طرحت بشأنه، ربما لأن «مرحلة الاستضعاف» عادة ما ترتب الأولويات على النحو الذي يجعل «التنظير» ترفا للجماعات التي تتعرض للقمع والترويع الأمني».
الجوع كافر
«المثل الشعبي، الذي يستشهد به فراج إسماعيل في «المصريون» (الجوع كافر).. تعبير دارج يتردد على ألسنة العامة.. لكنه بالفعل يعبر عما يجري في إيران في الوقت الراهن، فالذين لا تستهويهم السياسة ولا يعنيهم شكل نظام الحكم، ديمقراطيا أو ديكتاتوريا، ولا يسجل التاريخ الإيراني أنهم كانوا سببا للتغيير، نجدهم اليوم مدفوعين دفعا من بطونهم التي تقرقر جوعا لهتافات من نوعية الموت للديكتاتور ولروحاني ولسقوط المرشد والجمهورية الإسلامية. هنا نشتم الخطورة. الاقتصاد السيئ والغلاء وعدم قدرة الدولة على انتشال الملايين من خط الفقر، قد ينهي نظاما اشتهر بمناعته ووحشيته وغطرسته، وقواه الخشنة من الحرس الثوري والباسيج والاستخبارات، التي لا تقتصر على الشوارع والمقرات فقط، بل تتغلغل في البيوت وبين الأسر. الجوع أقوى من كل هؤلاء. لا يمكن الحؤول دون صراخ جائع يتلوى من فرط الحاجة. جزء معتبر من حزب الكنبة الذين يقبعون في بيوتهم أثناء أي انتخابات رئاسية، ذهب للمشاركة عندما قرأ وعود الرئيس الحالي حسن روحاني في حملته. بلغ حجم المشاركة 70٪ وهو أمر نادر في انتخابات يقال عنها إنها تأتي بموظف أو سكرتير للمرشد خامنئي، ينفذ ما يريده وبمثابة حامل البريد له. 57٪ صوتوا له على أمل أن ينتشل البلاد من وضعها الاقتصادي المزري. راهنوا على الصورة التي رسمت له كونه شخصية معتدلة ستنهي مغامرات بلده الذي يعد من أوائل دول العالم الغنية بالنفط والغاز، بالإضافة إلى ثرواتها الطبيعية والزراعية وقدراتها البشرية الهائلة. نحن نتكلم عن شعب متحضر ومثقف ويتمتع بأيد عاملة ماهرة ورخيصة وبقدرة على الاكتفاء الذاتي من المنتجات الغذائية».
غباء ترامب
الكل الآن متفق على شيء واحد في ما يحدث الآن في إيران، وهو كما يؤكد يوسف أيوب في «اليوم السابع»: «أن التدخل الأمريكي الواضح والصريح عبر التصريحات المتكررة للرئيس دونالد ترامب، منح نظام الملالي قبلة الحياة، لأنه أضر بمطالب الشعب الثائر أكثر مما أفاده، خاصة أنه على أرض الواقع هناك عقيدة تربى عليها كثير من الإيرانيين طيلة السنوات الماضية بأن أمريكا هي العدو، ولم تتغير هذه العقيدة رغم التقارب الذي ظهر بين طهران وواشنطن، في أعقاب التوقيع على الاتفاق النووي، لأن الآلة الإعلامية الحكومية لاتزال هي المسيطرة، وتوجه الرأي العام كما يشاء الحرس الثوري، وملالى قم. ترامب ظهر في شكل المتعجل بسقوط النظام الإيراني، فأطلق تصريحاته النارية الداعمة للشعب الثائر، والمنتقدة لديكتاتورية نظام الحكم، ولم يكتف بتصريحاته، وإنما طلب من سفيرته في الأمم المتحدة نيكى هايلي أن تطلب عقد «اجتماعين طارئين لمجلس الأمن في نيويورك ومجلس حقوق الإنسان في جنيف» لبحث التطورات في إيران والحرية التي يطالب بها الشعب الإيراني، وقالت هايلي «علينا ألا نبقى صامتين.. إن الشعب الإيراني يطالب بحريته». ويبدو أن هذا هو الشعار الذي اختارته واشنطن لمواجهة الملالي، لكن السؤال الآن، هل اختارت واشنطن التوقيت السليم؟ أم أنها تسرعت؟ بالتأكيد كل المؤشرات تقول إنها تسرعت، لأن تصريحاتها وتحركاتها كانت لها تأثيرات سلبية، وأحسن النظام الإيراني استغلالها في ضرب الثوار، باعتبارهم عملاء لواشنطن كما روج النظام، وهي التهمة جاهزة التعليب في إيران، منذ أن سيطر الملالي على الحكم في نهاية السبعينيات، مستغلين الحصار الإعلامي والتكنولوجى في توجيه دفة الرأي العام إلى الاتجاه الذي يرونه يصب في صالحهم».
الرياض تشبه طهران
«النظام الإيراني الحاكم مثل النظام السعودي، لديه مبرر في الانفاق الباهظ على الحروب التي لا تدور على أرضه، ولكنها تدعم نفوذه ويعتبرها مهمة لأمنه القومي. النظامان وفقاً لمي عزام في «المصري اليوم» يعتبران هذه الحروب استباقية دفاعية، وما يتعرض له المواطن الإيراني من ضغوط اقتصادية سيتعرض له المواطن السعودي قريبا، خاصة مع ارتفاع أسعار المحروقات والخدمات الأساسية بنسب تزيد على 100٪، ويتعرض له المصري بسبب الحرب على الإرهاب، كما يتعرض لها المواطن السوري جراء الحرب التي استمرت لسنوات على أرضه، وخلفت دمارا رهيبا. وكذلك المواطن في العراق وليبيا واليمن، دول المنطقة تعاني من أزمات اقتصادية خانقة لأسباب مختلفة، يدفع ثمنها المواطن البسيط. النظام في إيران يواجه أزمة حقيقية، الشارع غاضب لأسباب عدة: اقتصادية وسياسية، وأنا أعتقد أن النظام هناك (المرشد والرئيس المنتخب) سيحاول أن يبحث عن وسائل تهدئة عاجلة للمواطنين، إلى جانب التدخل الأمني واستخدام القوة لردع هذه التظاهرات، وربما يعيد النظام التفكير في سياسته الخارجية، فيما يخص دول الجوار، ويحاول أن يركز على مشاكل الداخل وحلها بدلا من تمديد نفوذه الخارجي، ومواجهة قوى إقليمية أخرى مثل السعودية. هذا ما يخصهم، أما فيما يخصنا كعرب فعلينا أن نفكر: هل سقوط نظام الملالي في إيران، الذي يتحمس له ترامب وإسرائيل ودول غربية أخرى، يخدمنا كعرب؟ هل يمكن أن تنعم السعودية بالاستقرار الذي تأمله لو انهار نظام الحكم في إيران ودخلت في فوضى وحروب أهلية، وأصبحت مسرحا لتدخل قوى إقليمية ودولية عديدة، هل هذه الفوضى لن تنتقل إليها وإلينا جميعا، كما حدث من قبل بسبب الغزو الأمريكي للعراق، الذي غضّت الدول العربية الطرف عنه ودفعت الثمن لاحقا؟ المنطقة ملتهبة بما يكفي، دول المنطقة الغنية استهلكت جزءا كبيرا من ثرواتها في تمويل حروب ونزاعات لا تخدم سوى مصالح أمريكا وإسرائيل».
الأسوأ في انتظارنا
«أخطر ما يحدث الآن، حسب عبد الله السناوي في «الشروق» أن القضية الفلسطينية توضع على مذبح التصفية النهائية، بدون تنبه حقيقي في العالم العربي، يؤسس لمواجهة تحدياته وتداعياته ونكباته. بتوقيت متزامن أقدمت السلطات الإسرائيلية على إجراءين خطيرين ينهيان من طرف واحد اتفاقية «أوسلو» وأي أوهام علقت على التسوية السياسية. أولهما: قانون من الكنيست يؤكد وحدة القدس تحت السيادة الإسرائيلية الكاملة، ويصادر أي مفاوضات بشأنها، أو أي انسحاب منها ما لم يحظ بموافقة ثلثي نوابه، بالنظر إلى التوازنات الداخلية وطبيعة الدولة العبرية نفسها فهذا شرط مستحيل بدلالة التوقيت، فهو استثمار سياسي واستراتيجي لاعتراف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بالقدس عاصمة لإسرائيل، والشروع في نقل سفارة بلاده إليها اعتمادا على القوة المفرطة عنفا وتمييزا عنصريا ضد كل حق فلسطيني، أيا كانت حجية القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة. وبمغزاه فهو حالة حرب معلنة تطلب التسليم النهائي بكل ما يطلبه المشروع الصهيوني رهانا على أوضاع الإقليم المنشغل باضطراباته وأزماته وصراعات دوله، بإغواء القوة فإن تهويد المدينة المقدسة سوف يمضي إلى آخره أيا كانت حجية القانون الدولي، أو بلاغة بيانات الإدانة. من غير المستبعد في مدى قريب هدم المسجد الأقصى، فالحفريات تحته تهدد بعمق قبة الصخرة وحائط البراق. سألني في منتصف تسعينيات القرن الماضي البابا الراحل شنودة الثالث: «حاشا لله أن يحدث ذلك، لكن لو افترضنا أن المسجد الأقصى قد قصف وتهدمت أركانه، وقيل إن مجنونا أقدم على هذا العمل، فماذا يفعل العالم العربي؟».كان السؤال يشغله، على الرغم من اتفاقية «أوسلو»، ولم يكن مقتنعا بقدرة النظم العربية وقتها على الوفاء بواجب القدس وواجب الأقصى. الأمور الآن أسوأ بفداحة مما كانت عليه ونذر الخطر تتزايد».
بؤساء نسيناهم
«بين أشجار غابات تحسبها إذا نظرت إليها من بعيد كما تأملها عباس شومان في «اليوم السابع» حدائق ذات بهجة غنَّاء، يشفي ظلالها الوافر وهواها العليل آلام مَن تحتها وأوجاعه، فإذا ما اقتربت منها رأيت ما لا يسر العين، ويوجع القلب، ويزكم الأنف، وسمعت من آلام القوم وأوجاعهم ما يصم الأذن ويفتت الكبد، وعايشت في السويعات التي تقضيها معهم حالًا تعيسة بائسة، بل لعلها الأكثر تعاسة وبؤسًا في العالم، وأدركت أن هؤلاء الروهينجا الذين يصل عددهم إلى مليون ومئتي ألف، هم البؤساء حقيقة وليس ما تناولته بعض الأعمال الأدبية التي رصدت حال البؤساء في عصر من العصور، بل إن ما استطاعت رصده بعض كاميرات الإعلام لا يمثل عُشر معشار ما هم فيه على الحقيقة في هذا المكان الذي نزحوا إليه فارين بأنفسهم ومن بقي من أهلهم وذويهم من قتل بلا رحمة، وتشريد بلا شفقة واضطهاد بلا مسوغ، في أكثر صور الطائفية والعنصرية والتطهير العِرقي قبحًا وعدوانًا! لا يمكن للكلمات أن تعبر عن مأساة هؤلاء القوم وتصف بؤس حالهم، أجسام هزيلة وأبصار زائغة مترقبة وأقدام حافية وأجساد شبه عارية وأخرى عارية تمامًا، لا يعرف القوم أيهما يسبق إليهم؟ أهو الموت أم أهل الخير الذين يحملون بعض ما يسد الرمق من طعام، وما يضمد الجروح العضوية من دواء، وما يقى تقلبات الطقس من خيام تشترط الدولة المضيفة على من يتبرعون بها أن تكون ضعيفة لا تقوى على مجابهة الظواهر الجوية طويلًا، حتى لا يركن إليها هؤلاء البؤساء ويعتبرونها مأوى دائمًا لهم؟ فإذا ما تجولت داخل هذه المخيمات الهشة التي لا تكاد تقي من حر الصيف أو برد الشتاء، رأيت العجب العجاب وكيف أن هؤلاء البشر بقوا إلى لحظة رؤيتك لهم على قيد الحياة بدون توافر أدنى مقوماتها».
نبوءة قطعة الشطرنج
نتحول إلى «الأهرام» حيث يولي جمال عبد الجواد اهتماماً بما تشهده الساحة من تحولات: «نظرية رقعة الشطرنج تساعد في فهم بعض مما يجرى حولنا. الصراع بين قطر وجيرانها الخليجيين يجعل الخليج أشبه برقعة الشطرنج المنقسمة بين الأبيض والأسود. تحالف السودان مع تركيا البعيدة ضد مصر القريبة. ربما كان للأمر بعض الصلة بالتوجهات الإخوانية لنظام البشير، لكن، باستثناء سنوات حكم جعفر نميري، ألم تكن علاقات مصر والسودان متوترة أغلب الوقت، منذ استقل السودان عام 1956؟ ألا تساعدنا نظرية رقعة الشطرنج في فهم أسباب هذا التوتر المزمن؟ لا داعي لإبداء الدهشة، أو للشعور بأننا الضحية البريئة سهلة الافتراس من جانب الحلف التركي ـ السوداني. فقبل التطورات السريعة في علاقات تركيا والسودان بزمن طويل كانت مصر تتعاون بشكل وثيق في مجالات اقتصادية وعسكرية مع اليونان وقبرص، ردا على التدخل التركي في شؤوننا. لقد نجحت مصر في محاصرة المربع التركي الأسود، بمربعات بيضاء حليفة، في تطبيق ناجح لنظرية رقعة الشطرنج. تساعدنا نظرية رقعة الشطرنج في فهم سلوك الدول الآن وفي الماضي، وقد ترشدنا لما قد يحدث في المستقبل، وما يمكننا أن نفعله إزاءه، بالضبط كما أرشدت كيسنجر والولايات المتحدة في فيتنام. تسعى إيران لتأسيس تكتل من الدول الشيعية، وهو ما سماه العاهل الأردني بالهلال الشيعي. لكن علاقات الدول لا تقوم على العقيدة، والدول المتجاورة تتبادل التهديد، بدلا من الدخول في تحالفات. قيام تحالف عراقى ـ إيراني قوي وبعيد المدى، هو أمر مستبعد. سيظل العراق شيعيا، لكن من غير المرجح له أن يكون جزءا من حلف شيعي. تمرد العراق على الهيمنة الإيرانية يكسر التواصل الجغرافي للهلال الشيعي، ويقوض هذا التكتل الذي استثمرت إيران فيه الكثير. هذه هي نبوءة رقعة الشطرنج».
حسام عبد البصير