عبْرَ التاريخ وحتى بضعة عقود مضت، جسّد الميدان الثقافي روح الشعوب ومتنفّسها، وميداناً حراً للإبداع والاختلاف والتنافس، وأيضًا للهو والمتعة، وما يتمخضان عنه من غناء ورقص وألعاب رياضية وأعياد وطقوس ومهرجانات للفنون، ومن مفاهيم وتنظير، وفكر وأدب ورسم ونحت ومبادئ عدة من النتاج العقلي الإنساني..
إن هذا الميدان الإبداعي الحر بدأ يدخل تدريجياً تحت سيطرة رأس المال، بتأثير من نزعة متنامية لدى العالم التجاري يسعى فيها للسيطرة على العالم الثقافي، مع كل ما يشكلّه ذلك من خطر على الفكر والإبداع الثقافي ومستقبل المجتمع وعلى النُظُمِ المختلفة، وحتى النظام الرأسمالي ذاته. إن تجريد المجتمع من الفكر الخلاق والإبداع قد يقوض حتى هذا النظام نفسه.
مستفيدة من الزخم الذي اكتسبته خلال العقدين الماضيين، سارعت الرأسمالية الجديدة المفرطة، إلى تشديد قبضتها على وسائل الإعلام، وشرعت الشركات الإعلامية العابرة للحدود، المالكة لشبكات الاتصال التي تحيط بالعالم، إلى التنقيب عن الموارد الثقافية المحلية من كل أصقاع العالم وإعادة تعليبها كسلع ثقافية للتسلية.
إننا نشهد جر عالم الثقافة بصورة لا ترحم إلى عالم التجارة، الذي يسعى لتحويله إلى سلعة بهيئة تجارب ثقافية معدلة وفقا لمتطلبات الزبون، ومشاهد تجارية ومواضيع تسلية شخصية، إن استحواذ العالم التجاري على العالم الثقافي مؤشر على تغير أساسي في العلاقات الإنسانية مع نتائج مقلقة في مستقبل المجتمع..
يخفي هذا الاستحواذُ في تفاصيله خطراً يفوق نتاج التيارات المتطرفة، المفضوح غالباً، فعلى الرغم من سطوة هذه التيارات في أوقات وأماكن معينة، فإنها عادت لتفشل وتنكشف ضحالتها أمام تيار ثقافي جمعي وشعبي واجهها ثم تنصّل منها.
من يتحدث عن «داعش» اليوم بأنها سرطان العصر الوحيد، عليه أن يتذكر «الحمر» الذين أحرقوا الكنيسة، بينما أحرق قساوسة القرون الوسطى الكنيسة الأوروبية ذاتها، وباسم المسيح سمحوا بارتكاب آلاف الجرائم أو تغاضوا عنها وصفقوا لها. إذا كان الدواعش يحاولون تعليب محيطهم في مشهديات سوداوية تعيدنا 1000 سنة إلى الوراء، فان وسائل الإعلام الرأسمالية العابرة للحدود تثبت أنها تريد إرجاعنا آلاف السنين، تحديداً إلى دولة المشاع وقوانين الطبيعة الفجّة وبقاء الأقوى، تلك البدايات التي تحاول مجتمعاتنا البشرية تخطيها من خلال التعليم الأخلاقي المبتكر، أي الثقافة المتسعة أبدا.
تروج الرأسمالية المُفرطة عبر وسائلها الإخبارية الغنية لمبادئها المفصَّلَة على مقاس مصالحها، ويفترضُ أصحاب حفلات الشاي أنفسهم مستقلين في عالم دارويني من التنافس على البقاء، وها هم يشددون على أحقية التهام القوي للضعيف، ويصفقون في ندواتهم للذئب الذي يأكل كل شيء في الغابة!
مفيد هنا أن نتذكر بعض التقارير الإعلامية والبرامج التلفزيونية «العالمية «التي تشير بوضوح إلى دور العسكر والحروب في التنمية البشرية، وإلى أن تطور علوم الفضاء والطيران تم بمجمله بفضل سباق التسلح والاستثمار العسكري، من دون إغفال نتائج البحوث» العلمية»، التي تشير إلى أن أصحاب الفكر اليميني أكثر قوة وصلابة وقدرة على تحمل صعاب الحياة، في حين يبقى لأصحاب القلوب الليبرالية اليسارية غير ذلك، مستشهدين بلؤم بالغ ببعض البحوث القديمة أو بتلك الحديثة التي يُشترى أصحابها قبلها! كأن البشر جُعلوا أمام مُفترقِ طرق يتوجب عليهم ذبح بعضهم بعضاً بكل الطرق الممكنة حتى يخطو عالمنا قدما نحو التطور والأفضل.
لقد تمثلت صيرورة الأنسنة التي انطلقت منذ ما يناهز المليون سنة في المرور من تأقلم وراثي مع المحيط الطبيعي إلى تأقلم ثقافي. في مجرى هذا التطور، حدث تراجع كبير للغرائز التي «عُوِّضَتْ» تدريجيا بالثقافة، أي بذلك التأقلم المتخيل والمراقب من قبل الإنسان، الذي بدا أكثر وظيفية من التأقلم الوراثي لأنه أكثر منه مرونة بكثير وأكثر قابلية للنقل بيسر وسرعة..
فالثقافة تمكن الإنسان لا من التأقلم مع محيطه فحسب، وإنما من تأقلم المحيط معه أيضا، ومع حاجته ومشاريعه، إن الثقافة بتعبير آخر، تجعل تحويل الطبيعة ممكنا، والإنسان كائن ثقافي في جوهره، تبنيه الثقافة ويتسع بها أفقه وتصوره لمحيطه.
على العموم، ينجح كلا الحقيقة والسفالة في إظهار معدن الإنسان، وصقله أيضاً، وعلى الكاتب والقارئ أن يميزا وبهدى من قلب مستقل وحر كيف ومتى تشترى الثقافة وتباع، ومن يقدمها لمن يدفع أكثر. هناك من يقرأ بالجملة ويكتب بالجملة، وحده الإنسان الصادق يكتب فناً يصنع ثقافة للحقيقة، أما رأس المال الأعمى فلا يصدّق إلا نفسه.
وجه بطل اليوم مخفي خلف صراخه المتواتر: «أعطني ثقافة تغتني وتتطور، أعطك مجتمعا أقل تشددا دينيا وأكثر حرية». إن الطباع ليست سهلة التبديل كالقوانين، لكن الثقافة العامة في دول الشركات تغدو طيعة يوماً عن آخر لمصلحة من يدفع أكثر في عصر الفرنشايز، ويحتاج إنسان اليوم إلى الحرية بقدر حاجته إلى رؤية الغاية، في زمان يبدو كل شيء فيه قصير العمر والطلب، وعليه تبرز أهميتها وضرورة الحفاظ على تدفقها مستمراً ومستقلاً لا معلباً منحني الظهر لمن يمتطيه!
تبدو اليوم الحاجة ملحة إلى تمرد ثقافي جمعي وعام، وحراك فاعل لتحرير الثقافة ومنع تحويلها إلى فقاعة، لا لمحاربة من يقرأ بالجملة ويكتب بالجملة فقط، بل ولتعرية تجار» كل شيء» ومنع تصنيفهم الثقافة كسلعة تباع وتخصص «حسب الطلب».
في عصر دورة حياة المنتج القصيرة جداً، نطرح تساؤلاً مشروعاً حول المنتج الثقافي نفسه ومعيار دورة حياته وصوابيته، وإذا ما كانت قوى التجارة الثقافية ستسود في نهاية الأمر أم أن عالماً متصلاً ومتوافراً أمام العوام هو ما يعاد تجديده ليكون فاعلاً في خلق ثقافة غير مشروطة بمنطق موازين القوى، يمكنها أن تكون مساحة لتحرر الفكر والمخيلة، وللنقد الجذري لأوضاعنا الراهنة على جميع المستويات، حتى لا تحدد المجموعة المهيمِنَة خاصية ثقافات المجموعات المُهيمَنْ عليها اجتماعياً، وحتى لا تحدد التراتبيات الاجتماعية التراتبيات الثقافية.
كاتب وروائي سوري
جميل ظافر نهرا