المتتبع لمراحل نشوء تنظيم «داعش» يرى بوضوح لا لبس فيه، دور الحكومة التركية في تمكين هذا التنظيم من القوة تدريجياً، فبـــدءاً من تدفق مقاتليه إلى سوريا عبر الأراضي التركية، وهذا ما أكده العديد من الروايات العيانية، بالإضافة إلى التحقيقات الصحافية التي قامت بها بعض الصحف التركية، وصولاً إلى مجموعة من الانتصارات الميدانية التي حققها هذا التنظــــيم على مجموعة من التنظيمات المسلحة في الشمال السوري، على بعد أمتار فقط من الحدود التركية، ومن ثم ضمان مصادر التمويل للتنظيم عبر بيعه النفط في الأراضي التركية وادخال البضائع التركية إلى مناطق سيطرته، طبعاً ولا بد من المرور إلى موقفين رئيسين يؤكدان العلاقة بين قيادات التنظيم والحكومة التركية، الموقف الأول كان وحتى وقت قريب قيام التنظيم بالسماح للقوات التركية بتبديل الحراسة على قبر سليمان الذي يعود لتركيا، وهو موجود ضمن سيطرة التنظيـــم الجغرافية، ومن المعروف عن التنظيم قيامه بتدمـــير كل النصب التذكارية ومقامات الرموز الدينية في مناطق سيطرته ما عدا هذا القبر. والموقف الثاني هو الإفراج عن المحتجزين الأتراك من البعثة الدبلوماسية، على الرغم من أن التنظيم ذبح كل من اعتقله كممثل لأي حكومة ماعدا الحكـــومة التركية، إلى الدرجة التي أنه كان ولم يزل يعدم الأشخاص بناء على جنسايتهم وإن كانوا مدنيين، أو على انتمائهم المذهبي. كل ما سبق يؤكد عمق الترابط بين قيادة التنظيم والحكومة التركية ويبقى السؤال المطروح ماذا تريد الحكومة التركية من هذا التنظيم؟
بدأت الإجابات تتضح بشكل علني وبتصريحات من ممثلي الحكومة التركية، فبعد أن أتاحت الحكومة التركية لهذا التنظيم التمكن العسكري في الشمال السوري، أصبحت القوة الوحيدة، التي لم تستطع في مرحلة سابقة قوات التنظيمات الإسلامية مجتمعة (النصرة ـ أحرار الشام ـ داعش) من استئصالها وبتشجيع من الحكومة التركية هي القوات الكردية، متمثلة بشكل أساسي بما يسمى بقوات الحزب الديمقراطي الكردي ووالده حزب العمال الكردستاني، ومن المعروف تاريخياً أن علاقة التنظيمين بالحكومة التركية ليست علاقة ودية، وفي المراحل السابقة لم تستطع الحكومة التركية بناء اتفاقات مع التنظيمين لأسباب عديدة منها مثلاً، ما يشاع عن قرب التنظيمين من الحكومة السورية هذا ما تدعيه الحكومة التركية، بينما قيادة الحزبين تصرح بانها لم تقدم للأكراد الورقة التي تؤمن مصالحهم داخل سوريا من قبل المعارضة السورية المنضوية تحت جناح الحكومة التركية والمتمثلة بالإئتلاف،
والآن بعد بدء التحالف الدولي بحملته ضد قوات التنظيم، من الملاحظ أن هذا التنظيم لم توجه له ضربات تشل قدرته في مناطق تماسه مع القوات الكردية في سوريا، بل على العكس استمر في سيطرته على المناطق الكردية في الشمال السوري تباعاً، بينما في العراق بمجرد تهديده للمناطق الكردية الرئيسية تم وضع حد فوري له عن طريق ضربات جوية موجهة ومركزة، مما يشير بشكل واضح إلى ترك ملف المنطقة الشمالية في سوريا وتحديداً المنطقة الكردية بيد اللاعب التركي، الذي سيساوم الأكراد، ومنظماتهم على إما الانصياع الكامل للرؤية التركية أو الموت ذبحاً بسكاكين المنظمات الإسلامية الراديكالية المدعومة منه.
٭ كاتب سوري
مأمون جعبري