الناصرة ـ «القدس العربي»: صفورية الفلسطينية أحد أغنى المواقع الأثرية. فقد توالت عليها الحضارات كما تدلل المكتشفات التاريخية التي يواصل المنقبون الكشف عنها وآخرها قطعة عمرها 3400 عاما. وقبل أيام عثرت طالبة في المرحلة الثانوية على تميمة حجرية من العصر الفرعوني في قرية صفورية المدمرة في قضاء الناصرة خلال حفريات تجري لشق شارع. وقبل ذلك تم الكشف عن موجودات أثرية من فترات مختلفة تعود للعصر الحجري بعضها عمره 4500 سنة وبعضها من الفترة العثمانية. ويقول الباحث د. وليد أطرش نائب مدير قسم الأبحاث في دائرة الآثار أن العثور على التميمة الفرعونية جاء مفاجئا، لأن مثل هذه الموجودات الأثرية تودع عادة في القبور. ويوضح لـ «القدس العربي» أن التميمة الحجرية من فترة رعمسيس الفرعونية من عهد السلالة التاسع عشرة التي يعتبرها الباحثون في التاريخ المصري العصر الذهبي في تاريخ الفراعنة. ويقول إن التمائم الحجرية هذه كانت تستخدم من قبل أصحاب الإمكانيات حيث كانت تثبت في الخواتم الذهبية أو تودع في قبورهم من قبل ذويهم بعد وفاتهم. ويؤكد أن التحف الفسيفسائية في صفورية من أجمل الأعمال الفسيفسائية في البلاد والعالم ويقول إن أجزاء كبيرة منها نجت وبقيت منذ 1500 عام. وتقع صفورية في الجليل بين المدن التاريخية طبريا وعكا واحتلها الرومان عام 63 قبل الميلاد وما لبثت أن تحولت لمركز إداري للحكم الروماني في الجليل. ومن ضمن المعالم الأثرية النادرة في صفورية أرضية بيت كبير مرصوفة بالفسيفساء من الحقبة الرومانية وفيها رسومات جميلة تصف الاحتفالات الخاصة بإله الخمر، ديونيسيوس. ووسط الجزء الشمالي من الأرضية الفسيفسائية يطل وجه إمرأة ابتسامتها غامضة لقبت على يد الباحثين والأثريين بـ «موناليزا الجليل» فهي كالموناليزا الإيطالية ترمقك بنظرتها من أينما نظرت لها. وفي موقع مجاور اكتشفت أعمال فنية من الفسيفساء تصف احتفالات الناس بارتفاع منسوب نهر النيل وفيها تظهر مدينة الإسكندرية ومنارتها الأسطورية، أحدى عجائب العالم السبع القديمة.
وتعكس هذه اللوحات الفنية، في رأي الباحثين، علاقات التعاون بين فلسطين ومصر في الفترة البيزنطية ويرجحون أنها بنيت على يد فنانين من مصر. وتمتاز البلدة القائمة على موقع أثري بوفرة عيونها وبخصوبة أراضيها وبشبكة طرقاتها المعبدة بالحجارة الجيرية الصلبة.
وبمحاذاة الشارع المركزي وسط صفورية تبدو آثار حوانيت كانت جزءا من السوق ويمكن ملاحظة آثار عجلات العربات في ألواح حجارة الشارع نتيجة تكرار مرورها مدة طويلة. واكتشفت في المكان أنفاق لتزويد المدينة البيزنطية بالمياه تنبع من جبل الناصرة وهي بطول 260 مترا وارتفاع عشرة أمتار حفرت في الصخر تحت الأرض وتمت طلاوتها بغلاف من الطين. وتشمل المدينة الأثرية مسرحا رومانيا يتسع لـ 4500 مقعد حجري يشرف على سهل البطوف ويعتبره الباحثون دليلا على مدى ازدهار المدينة، وعلى مقربة منها آثار كنيسة وحمامات وبقايا بيوت وبرك للطهارة. وهناك أيضا قلعة إسلامية مكونة من طابقين تقوم على أسس قلعة صليبية، بناها حاكم الجليل ظاهر العمر الزيداني في القرن الثامن عشر. واستخدمت في بنائها حجارة منحوتة بعضها يحوي نقوشا فنية ومدافن صخرية من الفترة الرومانية ومدخل القلعة واسع يزينه بناء قوسي. ويشير أطرش لاستمرار اكتشاف ملامح مدينة عمرها أربعة آلاف سنة من بداية العهد الكنعاني، تمتد على مساحة 80 دونما. ويوضح أن الموجودات الأثرية التي يتم اكتشافها اليوم في تنقيبات بجوار العين التاريخية تظهر انتقال الإنسان من الأدوات الحجرية (الصوانية ) للأواني الفخارية التي ساهمت بتطوره وبدء ازدهار الناحية العمرانية. ويضيف «وجدنا تماثيل صغيرة، صحونا، أدوات وجرارا فخارية وأدوات زينة وأدوات دينية خاصة بتقديم القرابين وغيرها من الآثار التي تدلل على ازدهار الحياة في المكان».
ويضيف، أن سر ازدهار صفورية عبر العصور المبكرة يكمن في وفرة ينابيعها وآبارها بجانب الظهير الزراعي والمراعي ومساحات الصيد كالغابات الكثيفة المحيطة بها. ويتابع»الماء سر الحياة فالقدس التاريخية مثلا نواتها سلوان المتميزة بعيون مائها». ويشير الباحث إلى أن صفورية وقعت في يد المسلمين بعدما فتحها شرحبيل بن حسناء عام 13 هجري. ويوضح أن البلدة لم تحتل مكانة بارزة في التاريخ الإسلامي مقارنة بمواقع فلسطينية أخرى، إلا في فترة المماليك حيث شهدت ازدهارا كمركز إستراتيجي على منتصف الطريق بين عكا وطبريا.
وفي الفترة الصليبية استخدمت صفورية كمدينة وقلعة حصينة انطلق الصليبيون منها نحو معركة حطين المجاورة عام 1187 حيث هزمهم صلاح الدين الأيوبي وحرّر القدس من احتلالهم. ويقول أطرش إن الحفريات المستمرة كشفت عن حدوات خيل جديدة إلى جانب الأسهم الخارقة للجلد في منطقة عين صفورية التي انطلق منها الصليبيون نحو حطين البعيدة نحو 20 كيلومترا شرقا عشية المعركة الفاصلة مع الأيوبيين.
وديع عواودة