بيروت – «القدس العربي»: دعا النادي الفلسطيني في الجامعة الاميركية في بيروت الشاعر الفلسطيني تميم البرغوتي للقاء بعنوان «الشعر والارتباك» علّه بذلك ينهي ارتباكه حيال اللغة والاختيارات الصعبة من معينها. هو ختام بعناية المسك لشهر مقاومة الاستعمار والفصل العنصري الاسرائيلي نظمه النادي، فهل فكّ فيه ارتباك شاعر الشباب مع الشعر، أم أدخله الشباب ـ الطلاب في دوامة حوار أخذ حيزاً واسعاً فيما خص الحرب في سوريا والموقف الاخلاقي منها.
كان للبرغوتي أن يصل القاعة قبيل الموعد بقليل وقد امتلأت المقاعد، ولم تعد الممرات تتسع لموطئ قدم، واضيفت مقاعد من الخارج لكبار السن. طلاب وآخرون من خارج سرب الدراسة، بينهم حضور نسائي لافت لم تقف اناقتهم عائقاً دون افتراش الأرض. جاؤوا بحب للقاء من أخذهم برحلة شفافة إلى القدس فتعرفوا إليها، وتنسموا رائحة أزقتها، وعشقوها دون أن يروها. جاؤوا إلى ذاك الشاعر النابض بحكايات الجدّات المؤتمنات على استدامة حكايا الوطن السليب. البرغوتي الإنسان والشاعر والعربي المجروح من تخاذل أهل الارض وتنازلهم عنها للعدو بدأ بقصيدة «الدولة». قدّم درساً نموذجياً في مفهوم الأنانية والتضامن انطلاقاً من مثل «الغزلان والضباع». قراءة أفضت به للختام «هذا الكلام حقيقة علمية يا أهلنا.. الضبع أضعف من فرائسنا وأجبن منها بكثير». ثم أبحر في قصيدة «فرح» محللاً معللاً في حالات الاكتئاب والهموم، كأنه يغوص في رحلة من العلاج النفسي إنما من خلال الشعر. وكتب النصر للفرح في نهاية القصيدة. وما أن تلفظ البرغوتي بكلمة «ستي ولم يكمل أم عطا حتى ضجت القاعة بالتصفيق. جميعهم كما هو ظاهر يناهض «السونو» الذي «ينبذ العنف ويعلن التزامه الكامل بالاتفاقية».
تنقل تميم بين العامية الفلسطينية، والعامية المصرية في تفاصيل المواقف البشرية ومشاعرها حيال القضايا التي يعبر عنها. وهكذا كانت رحلته بليغة ومسهبة مع قصيدة «الخط» وهي بالعامية المصرية، والتي خلُصت للقول «الخط عمرو ما يتغير». ثم كانت «القدس» التي يلقيها البرغوتي كاعذب قصيدة حب لوطن ممنوع.
وبدأ الكلام بسين وجيم بعد أن قال تميم الذي مارس مهنة التعليم الجامعي للحضور «زيارة الجامعة ليست إسماع، بل سماع وهذا ما أعتبره تكريماً لي». وفي خيار العنوان قال «المنطقة برمتها في حال من الارتباك الدموي… من نحبهم نجد صعوبة في استمرار الحب لهم.. المنطقة برمتها ليس فيها من سلمت يداه من الدم.. الضحايا فقط هم الابرياء.. الشعر في حد ذاته حيرة وارتباك.. صعوبة في الاختيار من بين مئات الكلمات صيغة تقنعك وتُقنع سامعك في ما تريد قوله.. درجة الحيرة في قصيدة النثر أصعب». وكرّت سبحة الاسئلة دون محرمات.
منها على سبيل المثال لماذا تعجز الجيوش النظامية العربية عن تحرير فلسطين؟ قرأ في بنية الدول العربية وبيروقراطياتها المركزة وانظمة الاستبداد التي من شأنها انتاج العدم، لذا ليس لها أن تحارب اسرائيل، في حين أن لا حدود أمام المقاومات الشعبية. وقال بأن الانظمة تجيد الإيقاع بين الناس سواء كانت ذات نسق استعماري أو استبدادي فهما في جبهة واحدة. وحذر الحضور من مساندة أي مستبد.
وكان تميم البرغوتي في توقع مسبق من أن الحرب في سوريا ستأخذ حيزاً بارزاً من الحوار. وهذا ما حدث. لهذا استبق الاسئلة بالقول أنه على وضوح تام بموقفه منذ بدأت الأزمة السورية، وملخصها «مع المقاومة وضد الاستبداد. كل رصاصة في قلب متظاهر هي رصاصة في ظهر مقاوم. الاستبداد هو الذي خلق الفوضى.»
وبالسؤال المباشر جداً عن موقفه من مشاركة حزب الله في تلك الحرب دخل في تحليل يقلل من أهمية قرارات الجامعة العربية ومنظمة المؤتمر الاسلامي بتصنيف الحزب ارهابياً. وقال أن هذا التصنيف لن يلغي مقاومة عمرها 30 سنة حررت أرضها وحاربت إسرائيل. لكنه قال بأنه لن يكون صادقاً بأنه باقٍ على الحب نفسه لمقاومة حاصرت أناساً في سوريا وبعضهم مات جوعاً، ولم يصدر عنها بيان نفي.
وفي تكرار السؤال بصيغة أخرى عن حزب الله وسوريا قال البرغوتي: من اهدى ابنه لبلده يختلف تماماً عمن اهدى بلده لابنه. وأضاف: لقد خسر العرب في حرب الأيام الستة سنة 1967 بحدود 15 ألف شهيد، حتى الآن سقط في سوريا 300 ألف شهيد. إذا بقاء بشار أهم من بقاء القدس ب20 مرة. في هذه المرحلة الصفاء الاخلاقي موجود فقط لدى الضحايا. أعطوني طرفاً عربياً واحداً لم يكذب أو لم يرتكب جريمة. وختم اللقاء بقصيدة «يا هيبة العرش الخلي من الملوك»، وبالكثير من الحب والترحيب.
زهرة مرعي