حالة من الغوغائية والفوضى واللامنطق تهيمن على المشهد الفلسطيني بأكمله، ومجموعة من التناقضات الكبيرة تتشابك مع بعضها بعضا من دون أي مبررات منطقية معقولة، أما المقلق في هذه الحالة فهو أن تنتهي خلال الفترة المقبلة بتحولات استراتيجية لا تصب بنهاية المطاف في الصالح الفلسطيني العام.
المشهد الفلسطيني اليوم بالصورة التالية: السلطة الفلسطينية في رام الله تُرسل مساعدات طبية وشحنة أدوية الى الفقراء في فنزويلا، بينما تترك فقراءها في غزة وهم على مرمى حجر من الضفة، يتضورون جوعأً ويموتون بسبب نقص الأدوية والمواد الطبية. في المقابل تنتظر حركة حماس التي تحكم غزة مساعدات بقيمة 15 مليون دولار ستأتي قريباً من دولة خليجية، تعتبر أن حماس «منظمة إرهابية».. أما الوسيط فهو رجل ظل حتى الأمس القريب «خائناً وعميلا».
الفانتازيا الفلسطينية لا تتوقف عند المساعدات التي تضل الطريق وتعبر القارات والمحيطات، لكنها لا تعبر إلى غزة؛ وإنما تتوسع لتمتد إلى السياسة، فالرئيس عباس استقبل في رام الله ملك الأردن قبل أيام، بينما هرول ممثلون عن حركة حماس والفصائل في غزة الى القاهرة للقاء مسؤولين مصريين، وبات واضحاً أن عمَّان والقاهرة حلفاء في كل الملفات، إلا في الملف الفلسطيني، حيث لكل منهما رؤيته الخاصة، والفلسطينيون – للأسف- جاهزون للتعامل مع كل المتناقضات.
بالتمحيص أكثر في المشهد الفلسطيني نجد أن «حماس/ الداخل» تتحالف مع «فتح/ الخارج»، وأن كلا منهما يتجه لمزيد من الانقسام عن الحركة الأم، أما الرئيس محمود عباس فلا يبدو أنه – حتى الان على الأقل- قد أدرك المخاطر التي تواجه السلطة والمنظمة وحركة فتح في حال المضي قدما بالمصالحة، بين جناح في حركة حماس وجناح في حركة فتح، في حال تمترس الحلفاء الجدد داخل قطاع غزة وحصلوا على المباركة المصرية.
يدفع الفلسطينيون اليوم ثمن مناكفات داخلية ليس أكثر، فحركة حماس تزحف نحو دحلان انتقاماً من عباس ليس أكثر، والرئيس عباس يُرسل المساعدات الطبية إلى أبعد نقطة في الكرة الأرضية، نكاية بقطاع غزة ومن يحكمونه، ودحلان سيرسل 15 مليون دولار مساعدات للقطاع خلال أيام قليلة، نكاية في خصمه عباس أيضاً، ونكاية في خصومه داخل حركة حماس (حماس/الخارج) وحتى يُمكّن الحركة داخل القطاع من الاستغناء عن ظهرها وعُمقها في الخارج، بما في ذلك من هم في الضفة الغربية.
الوضع الفلسطيني معقد ويتجه لمزيد من التعقيد، والفلسطينيون البسطاء هم وحدهم الذين يدفعون ثمن هذه المناكفات التي تصلنا بعد عشر سنوات من الجمود السياسي والانقسام الداخلي، فيما يبدو أن الأمر المؤكد هو أن كل الفلسطينيين على اختلاف فصائلهم وحركاتهم وتوجهاتهم سيكونون الخاسر في النهاية، عندما يتم تقسيم المقسم وتقطيع المقطع ويتوزع هذا الشعب إلى بضع وسبعين فرقة، ولا أحد يستطيع أن يجمع بينهم.
نقول هذا الكلام وما زال في الوقت متسع لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من وحدة الشعب الفلسطيني، ولا تزال إمكانية تجنب النتائج الكارثية للحالة الراهنة متوافرة، وتجنب هذه النتائج يمكن أن يتم بإنهاء الانقسام الداخلي الفلسطيني فوراً، لا بمزيد من الانقسام والتفتيت، وإنهاء الانقسام الداخلي لا يمكن أن يتم إلا باقتناع حماس وفتح وقيادة السلطة وقيادة غزة بأن الجميع سيخسر من استمرار الوضع الراهن، وأن إنهاء الانقسام الداخلي هو الخروج من عنق الزجاجة الذي توجد فيه القضية الفلسطينية منذ 10 سنوات.
خلاصة القول هو إنَّ التطورات التي يشهدها الملف الفلسطيني لا يمكن في النهاية أن تؤدي الى تحقيق المصلحة العامة للشعب الفلسطيني، ولا حتى المصلحة الخاصة لفصائله وقواه السياسية، إذ ستؤول الأمور الى مزيد من الانقسام والتفتت، وهذا ما لا يمكن تجاوزه إلا بالمصالحة الشاملة التي تقلب طاولة الأحداث رأساً على عقب، وتحفظ للفلسطينيين الحد الأدنى من الوحدة المطلوبة لمواجهة التحديات التي تعصف بهم.
كاتب فلسطيني
محمد عايش