بغداد ـ «القدس العربي»:شهد العراق هذه الأيام تعميق مظاهر تنامي النفوذ الإيراني داخله وأيضا في المنطقة في أعقاب توقيع الاتفاق النووي الإيراني الغربي وتمثل هذا في وصول وزير خارجية إيران محمد ظريف إلى النجف مباشرة بعد جولة في الخليج العربي أعلن خلالها أن إيران ثابتة في سياستها وإن على الدول العربية وليس إيران تغيير سياستها في المنطقة وتعاملها مع طهران. وهو ما يعكس رسالة تهديد واضحة إلى الدول العربية بحتمية السكوت عن المشروع الإيراني الاقليمي في ظل التواطؤ الأمريكي الغربي مع طهران.
وجاء في هذا السياق تعيين ممثل جديد للمرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي في العراق هو السيد مجتبى الحسيني الشيرازي، في إجراء عده المراقبون شكلا من أشكال تعزيز نفوذ «الثورة الإيرانية» في المشهد العراقي.
ومن ناحية أخرى، عبر السيد مقتدى الصدر عن رفضه تشكيل أجهزة أمنية ضمن تشكيلات الحشد الشعبي وكرر إصراره على ان يكون الحشد في ظل الحكومة مع التأكيد على ان تنقيته من العناصر الدخيلة والمسيئة لا يعني العمل بمعزل عن الأجهزة الأمنية الحكومية المختصة، وهو ما تسعى له العديد من قيادات الميليشيات المنضوية في الحشد الشعبي التي تهدف إلى تشكيل كيان مشابه لحزب الله في لبنان، أي دولة داخل الدولة ويأتمر بأوامر خاصة تتماشى مع الدور الاقليمي المطلوب.
وفي الإطار الأمني، تواصلت الحملة التي تقودها القوات العراقية لطرد تنظيم «الدولة» من مدن الأنبار، وسط تقدم بطيء وخسائر ليست هينة. وأظهرت المعارك صعوبة المواجهة وضرورة عدم الاستهانة بقدرات العدو ومواجهته بخطط غير تقليدية بعيدة عن تعدد مصادر القيادة. وقد توجه وزير الدفاع إلى موسكو للحصول على مزيد من الأسلحة الضرورية لإدامة زخم المعركة ضد التنظيم المتطرف.
وبرز على الساحة العراقية مؤشر أمني آخر هو بدء غارات الطائرات التركية على مواقع في العراق تعود لحزب العمال التركي الكردستاني الذي يتخذ من شمال العراق مقرا له، في تصعيد للتدخل التركي في الأزمة الأمنية في المنطقة. واعتبرت الحكومة والبرلمان وبعض القوى السياسية العراق هذه الغارات انتهاكا للسيادة التي يبدو ان العراق أصبح معتادا عليها منذ الاحتلال الأمريكي عام 2003.
وتصاعدت هذا الأسبوع، الحملة الطائفية المستعرة في ديالى من خلال كشف النائب رعد الدهلكي عن قيام الميليشيات التي تفرض سيادتها على المحافظة، بخطف أكثر من 50 من مكون واحد خلال 48 ساعة، مع استمرار قصف بعض القرى وتهجير سكانها. ومع اعتراف قادة الميليشيات، ومنهم هادي العامري ومحافظ ديالى مثنى التميمي القيادي في منظمة بدر، بوجود تحركات وأعمال عنف بحجة الانتقام لمجزرة بني سعد التي راح ضحيتها مئات الأبرياء في تفجير كبير يراد له ان يكون الشرارة لإعادة الفتنة الطائفية في المحافظة المجاورة لإيران، إذ تبدو الحملة واضحة الأهداف في ظل الإعلان رسميا عن خلو المحافظة تماما من تنظيم «الدولة» وسيطرة الميليشيات ضمن الحشد على كل شؤونها والتي تسير بتصميم لتنفيذ برنامجها وسط صمت الحكومة المركزية.
اقتصاديا تتواصل مظاهر عمق الأزمة في العراق في هذه المرحلة، حيث حصلت موافقة البنك الدولي على منح العراق قرضا عاجلا بمقدار 1،24مليار دولار لمساعدته في متطلبات مواجهة تنظيم «الدولة». كما انه وقع اتفاقا مع الأمم المتحدة والولايات المتحدة تحصل بموجبه حكومة حيدر العبادي على مساعدات مالية لتأهيل المناطق المحررة من تنظيم الدولة الإرهابي ولتسهيل عودة النازحين إليها.
واستمرت التظاهرات في العديد من المدن العراقية والعاصمة، احتجاجا على نقص تجهيز الطاقة الكهربائية وسط ارتفاع غير مسبوق لدرجات الحرارة أجبر الحكومة على منح عطلة أربعة أيام لموظفيها للبقاء في البيوت. كما أظهرت استضافة وزير الكهرباء في مجلس النواب عجز الحكومة عن تلافي هذه المشكلة في القريب العاجل رغم الأموال الضخمة المخصصة لهذا القطاع طوال السنوات الماضية وذلك بسبب سوء الإدارة للوزارة والفساد المستشري فيها لتبرز حالة واضحة للنتائج السلبية لاتباع سياسة المحاصصة البغيضة إلى تعتمد توزيع الوزارات على أنها مكافأة للأحزاب والقوى وليس من أجل خدمة المجتمع.
وخرجت في العاصمة العراقية تظاهرات حاشدة لعمال السكك الحديدية، لجأت إلى اسلوب فريد في الاحتجاج على تأخير صرف الرواتب من خلال وضع القطارات وسط الشوارع الهامة في بغداد وقطع حركة النقل في المدينة لساعات طويلة أجبرت القوات الأمنية على التدخل لايقاف تجميد حركة المركبات والمواطنين واعتقال بعض العمال المضربين، وانتهت بتوجيه وزير النقل باقر الزبيدي الأمر لصرف الرواتب المتأخرة مع تقديم الاعتذار لسكان العاصمة عن هذا التأخير والعرقلة لحركتهم ومصالحهم.
وبدوره اعترف وزير العمل والشؤون الاجتماعية محمد شياع السوداني بأن نسبة الفقر في العراق ازدادت في الآونة الأخيرة ووصلت إلى 35٪ من عدد السكان، أي حوالي سبعة ملايين فرد. وهي نسبة لا يستهان بها وتعكس واقعا مؤلما في بلد يوصف أن في أرضه ثاني أكبر مخزون من النفط في العالم إضافة إلى الكثير من الخيرات.
مصطفى العبيدي