تناولت بالنقد الكثير من الأساطير المارونية والشيعية : المؤرخ اللبناني الياس قطّار: لانزال مغايرين للغرب رغم انفتاحنا

حجم الخط
1

بيروت ـ «القدس العربي»: للتأريخ حسناته على البشرية، فهو السبب في وصل الأجيال بالعالم المغرق في القدم. كذلك للتأريخ سيئاته حين يُختلق من قبل مؤرخين همهم التزوير لغايات سياسية وجغرافية واستيطانية كما هو حاصل في فلسطين.
نعيش منذ ما يقارب القرن في منطقة تغلي وتستولد الحروب. المبشرون بكيانات جديدة تُرسم على خرائط كثر. بدأ هذا التبشير مع الحرب الأهلية في لبنان، واشتد مع احتلال العراق وتواصل أزماته وحروبه، وربما هو يبلغ أوجه مع الحرب القائمة في سوريا. الأستاذ في الجامعة اللبنانية ورئيس قسم التاريخ سابقاً الياس قطّار الشغوف بالمادة التي تخصص بها، والذي أنتج عشرات الأبحاث والكتب رد على أسئلتنا في هذا المجال، وهنا نص الحوار:

■ متى خرج التأريخ عن كونه مادة أو معلومة إشكالية بين تيارات وأفكار بشرية متنوعة؟
□ ليس ممكناً الوصول إلى إجماع في التاريخ. هو ليس مادة علمية مثبتة، بل هو علم يرتكز على معطيات مستوحاة من مصادر، لكن لها قراءة. وكل إنسان له قراءته لتلك المصادر، تختلف القراءات بتنوع الثقافات، الميول، والمصالح، سواء كانت قومية، وطنية، محلية، إقليمية، مناطقية، دينية، طائفية، أو حتى مصلحة «ميغانومانيا» ما لدى شخص ما، يرغب بسرد أسطوري لمعاناته من مشكلة نفسية تنسحب على تحليله. في ثقافتنا القراءة والنشر، وكذلك الاجتهاد. وهذا الاخير ليس حقيقة بل تمرينا عقليا. الإشكالية ليست في التاريخ وحده، في الديانتين المسيحية والمسلمة، ليس من مبرر لكل تلك الفرق، بما أن النص واحد في القرآن والإنجيل. ومع ذلك القراءات مختلفة لكل من السُنة والشيعة، ولهما فرقهما المختلفة. ولدى المسيحيين فرق كثيرة من يعقوبية، نسطورية، ملكية، ومن ثم البروتستانت الذين توزعوا على أكثر من 300 فرقة. هذه الفرق تكونت حول نص ديني إلهي واحد، فكم بالحري أن لا يكون هذا التباين في الأمور الإنسانية؟
■ ألا يوظف العامل المادي برأيك مع كتّاب تاريخ لأهداف معينة؟
□ من يدفعون للكتابة باتجاه معين موجودون عبر التاريخ. المؤرخ الموجود ضمن أكثرية ما، سيسايرها في تأريخه، وقد يغالي في المسايرة بهدف الدفاع عن مصالح تلك الأكثرية. في المقابل ثمة مؤرخون موضوعيون ولا مصلحة لهم بالمسايرة. كذلك فهمنا وقراءتنا للنص، وهو فهم شخصي مرتبط بثقافتنا وشخصيتنا ونفسيتنا. لو شئنا الموضوعية فلن تكون كلية.
■ نجد في التأريخ من يناصر فئة ويناهض أخرى. هل هو تأثير السياسة والجغرافيا أم ماذا؟
□ للجغرافيا أثرها في تكويننا الثقافي، وتركيبنا الاجتماعي. المجتمع المتوسطي يختلف عن الأطلسي، عن البحر الهادئ أو الصيني. وهذا ينسحب على عقلياتنا، تقييمنا وفهمنا للأمور. لنتناول فهمنا للعلاقة بين الرجل والمرأة، فهي ليست بتأثير الدين فقط. للشرقيين مفهوم يختلف عن السائد في أوروبا. وهذا قائم عبر الزمان. ثمة نصوص من الحروب الصليبية، تظهر كيف يستهجن الشرقيون علاقة الرجل بالمرأة في أوروبا. ولا نزال مغايرين للغرب، رغم كل انفتاحنا. المجتمع يفرض نفسه على أي قراءة لأي حدث تاريخي.
■ من هو المخول كتابة هذا التاريخ أو ذاك؟ ومن يثبت دقة وموضوعية ما يُكتب؟
□ كثر يكتبون التاريخ. كاتب التاريخ يفرض عليه مستوى عال من الثقافة أولاً. ومن ثم مستوى عالٍ من المنهجية. لكتابة التاريخ معيار عالمي، وليس هناك معيار صيني، عربي، أمريكي أو أوروبي. بناء على المعيار الأوحد نقيس العمل التاريخي. يذكر أن هذا المعيار المنهجي يشمل المضمون، طريقة الكتابة واستعمال المصادر. تاريخ العالم أجمع فيه صراعات، وبعضها دموي. في المنهج الأوروبي ولدى وجود مادة صراعية تُعرض الوقائع كما هي ولا يتم تحميل المسؤولية لأحد. نحن الشرقيون نتعاطى مع المسائل الصراعية بشكل مختلف. قد تكون هناك مبررات لصراع ما. ومع ذلك لا يحق لنا تحميل هذا الفريق أو ذاك مسؤولية. من الصعب جداً أن نصل لخلاصة تحدد من هو المسؤول. كل حدث صراعي يشبه كرة الثلج. سواء كان ثورة شعبية أو حرباً عالمية فالصراع يبدأ صغيراً، ويتدحرج حيث تدخله الأسباب الاجتماعية، الاقتصادية، العقلية والنفسية. تتكتل جميعها وتنفجر. حينها يجرف الطوفان الجميع. كنموذج أذكر الحرب الأهلية الأمريكية بين الجنوب والشمال، لم تُحمل المسؤولية لأحد. يسرد التاريخ الأسباب، الوقائع ويركز على النتائج المدمرة. ويبقى عرضاً محايداً. المؤرخ يُدرك تماماً عدم قدرته على تحديد المسؤول.
■ إنطلاقاً من هذه المعادلة هل للبنانيين الوصول لتسوية بين الأفرقاء المختلفين وكتابة تاريخهم؟
□ لا شك بذلك. وهناك محاولات، كنت عضواً في كافة اللجان التي عملت لتوحيد منهج التاريخ. نحن مؤرخون متنوعو الطوائف والمذاهب الفكرية والسياسية، من الماركسية حتى أقصى اليمين. كافة اللجان التي تمّ تشكيلها توصلت إلى نتائج. إنما الراعي السياسي في لبنان لم يضع ما أقرّ على خط التفعيل. ثمة خوف. الكل ينظر إلى مادة التاريخ كمادة متفجرة. ما العائق بقول الحقائق كما هي بخصوص الحرب الأهلية التي اشتعلت سنة 1975، ومن دون تحميل المسؤولية لأحد. كمؤرخ أرى أن الأهم في كتابة الصراعات أن نُفهم الناس كلفتها. هي كلفة نفسية مدمرة، وكذلك اقتصادية واجتماعية. علّهم يرتدعون، أو يصبهم الوعي. هذا حلم ليس لنا بتره.
■ في مؤلفك «مؤرخون من لبنان» تناولت 18 مؤرخاً لفت انفتاح أغلبهم على المدى عبر البحر. ما هي مؤثرات المدى الجغرافي في كتابة التاريخ؟ وما هي مميزاته؟
□ نشرت دراسة في مجلة «العلوم الاجتماعية» تحت عنوان «لماذا يتقدم التاريخ في الغرب ويتخلف في الشرق». ما لاحظته في إشرافي على أطروحات الدكتوراه أن طلابي في لبنان أفقهم ضيق. يعملون وفق توجيهي. بينما من أتموا دراساتهم الجامعية والعليا في الغرب، يتميزون بأفق أكثر رحابة وبإنتاج أفضل. هو إنتاج أكثر عمقاً وقيمة. إن اردت كتابة الشعر يجب أن أقدم صورة أجمل من المعروف، لا أن أشبه المتنبي. فهو عظيم في زمانه. الانفتاح على الثقافة الشعرية في العالم أنتج لنا شعراء أمثال سعيد عقل، أنسي الحاج، شعراء العراق ونزار قباني. برع هؤلاء لخروجهم من التقليد والانفتاح على العالم. والأمر عينه في مادة التاريخ، إن لم يكن المؤرخ منفتحاً على التيارات الثقافية العالمية في هذه المواضيع كافة، فكيف له تقديم عمل قيِّم وبالمعيار العالمي.
■ هل لنا بتعريف مختصر عن مؤلفك الصادر بالفرنسية سنة 1993 بعنوان «الأرض المقدسة أو أرض الميعاد»؟
□ أحد الآباء الفرنسيسكان كان الطبيب الخاص للأمير فخر الدين وعلى مدى خمس سنوات، ورافقه إلى مخبئه السري في مغارة جزين. عندما وجد أن قضيته خاسرة، هرب من العثمانيين الذين طاردوا كل من له صلة بفخر الدين إلى فلسطين. عندما وصل هذا الطبيب إلى أوروبا نشر كتابه «الأرض المقدسة وأرض الميعاد». هو مؤلف عن فلسطين وكذلك لبنان. يصف الجماعات الموجودة على هذه الأرض بعاداتها، تقاليدها، لباسها وغذائها. حكى عن المكونات الدينية من إسلامية ومسيحية وتقاليدها. يشكل الكتاب مصدراً، وهو الأول الذي يرشدنا إلى لباس تلك الحقبة. القسم الأول من هذا الكتاب يتضمن وصفاً للأراضي المقدسة، تاريخها وجغرافيتها. هو كتاب على درجة من الأهمية في جانبه السوسيولوجي. نصه بالفرنسية القديمة، حولته إلى الحديثة، ونشرته بالفرنسية. شرحت كلماته ومعانيه، مع نقد تحليلي، واصبح كتاباً بصفات اليوم.
■ نعرف أن التاريخ يختلق لأهداف سياسية كما حصل في فلسطين. ثمة مؤرخون ومنهم يهود يقولون بقرب زوال الدولة الصهيونية. فهل من قراءة موضوعية في هذا الاتجاه؟
□ جاء اليهود جماعات إلى أرضنا المقدسة لتأويلهم بنهاية العالم، في المرة الأولى سنة 1840، وسكنوا نابلس. ومن ثمّ جاءتهم فرص على يد فرق بروتستانية كان ينضوي لأحدها بلفور، الذي أعطى الوعد المشؤوم. وهؤلاء كانوا يعتبرون سنة 2000 نهاية العالم، ولهذا ينبغي تجميع اليهود في فلسطين لتبشيرهم بالمسيح. فقد ينتهي العالم واليهود غير مؤمنين به. تلك الفرق البروتستانتية الموجودة في ألمانيا وإنكلترا تفكر باتجاه ديني، فيما استغل هيرتزل والحركة الصهيونية هذا الفرصة الذهبية.
■ في أي هدف اجتهدت لوضع جزء من الإنسوكلوبيديا المارونية؟
□ بعد أن لاحظت الغلو والمبالغة لدى الطوائف اللبنانية جميعها، قلت ينبغي ألا نستمر في هذه الأساطير. ففي كتابي «لبنان في القرون الوسطى» تناولت بالنقد الكثير من الأساطير المارونية والشيعية. يجب أن تعود الجماعات المكونة للبنان إلى حقيقتها التاريخية، وأن نخففها من كل مغالات وأساطير. ووضعها في إطارها الجغرافي المركب. فليس من جماعة في لبنان يمكنها الانعزال والعيش منفردة. هذا حلم مستحيل.
■ أليس هذا الغلو نتيجة القوة المستمدة من الطائفة وليس من المواطنة؟
□ لا أتهم أحدا بوطنيته. في أحيان لدى هؤلاء موقع في الطائفة يتركهم مسموعين أكثر من سواهم. تتنوع تلك المواقع بين سياسية، علمية أو غير ذلك. ليس لنا في لبنان أن نتابع الحياة وكأننا نعيش في جزيرة روبنسون كروزو. نشترك بالعادات. وأنتج التداخل بين الطوائف في لبنان بشراً مختلفين عن إخوانهم في الدين في أي بلد عربي.

زهرة مرعي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية