ونحن نقترب من المحطة النهائية من تناول فكرة «الوطن العربي الكبير» أو «الشرق العربي الجديد»؛ بحثا عن بديل لـ»الشرق الأوسط الكبير أو الجديد»؛ القائم على تغيير خرائط المنطقة العربية وتفتينها، واستكمال بناء الامبراطورية الصهيونية.. وبدا الاهتمام غريبا في ظروف عربية مأزومة ونازفة، وواقع إقليمي مشتعل ومنقسم على نفسه.. وغياب التفكير في بدائل وحلول ناجعة؛ بعيدا عن الوصفات المعلبة والخطط سابقة التجهيز؛ المثيرة للفتن والمؤججة للصراعات، والمعتمدة على “عسكرة” النشاط السياسي المعارض، وعلى القمع والدم والنار.
وهذا إعلان بالعجز عن التصدي للمشروع الصهيوني.. وقد اختارت السياسات العربية والإقليمية أن تتحول لروافد تصب في نهره.. ولا يمر نهار إلا وهناك موقف أو أكثر لإعلان المباركة والتأييد، وتوفير الإمكانيات اللازمة وتقديم المجهود السياسي والاقتصادي والعسكري لخدمته، ومن يتابع التطورات الأخيرة يجد أن تل أبيب أضحت عاصمة العرب الكبرى.. وتقف على أعتاب إعلان الانتصار النهائي على «القارة العربية»؛ الممتدة. ولاحظنا الفرق الشاسع بين الخطاب السياسي والإعلامي العربي والإقليمي، وبين آراء ورؤى تابعناها، وهي تبحث عن بديل وطني وقومي يُخرج المنطقة من مأزقها الراهن.
وهذا الخطاب السياسي والإعلامي في مجمله يزكي غير مبررات الضعف، ويشيع العجز وقلة الحيلة، ويزين التبعية، والاستجابة لما تمليه من التزامات وتبعات محددة سلفا ضد الوجود العربي ذاته.. وإذا ما استمر هذا الوضع فمن المتوقع أن يتحول باقي «القارة العربية» إلى أطلال وأشلاء، وفراغ مستباح يهيئها للفناء والخروج من التاريخ.. ونظرة على الحصاد المر، والحروب العبثية، واقتتال الأشقاء والجيران وأبناء الشعب الواحد.. فنجد أن قانون المليشيات وفرق القهر الشامل؛ حلت محل نظم ودول وحكومات؛ عمتها الفوضى وافتقدت توازن المصالح العامة والخاصة الضرورية للاستقرار..
ويكتوي العالم بنفس النار، ويشرب من نفس الكأس، ويدفع ثمنا لا يقل عما دفعه العرب وجوارهم الإقليمي، وهو نفس العالم المتهم بتبني المشروع وتخطيطه وتجنيد العاملين فيه وتمويلهم وإعدادهم وحشدهم. وفتح الطرق أمامهم، وتقديم التسهيلات اللازمة، واختراقات الصفوف الوطنية لحسابهم، وممارسة الضغط بـ»العسكرة» والقهر؛ لإفراغ المناطق المستهدفة من سكانها، وتبديد مواردها واستنزاف خيراتها وتهجير أهلها.. وأضحى عنوان المرحلة هو الموت المجاني!!.
ومع هذا الواقع الدامي فما لمسناه من تعقيبات وآراء ورؤى كان أكثره مختلفا وأغلبه متناقضا مع الخطاب السياسي والإعلامي العربي.. وهذا يدل على رغبة حقيقية في إيجاد بدائل تُخرج الناس «من الظلمات إلى النور».
وللمرة الثانية يزودنا المهندس كمال بيومي، وسبق وقدمناه للقارئ كواحد من بناة السد العالي؛ هو يزودنا بتفاصيل لتعزيز رأيه الأول، المنشور في السادس عشر من الشهر الماضي.. وفي رسالته خاطب كاتب هذه السطور بالقول: في سياق تماشيك مع مبدأ تبادل الآراء مهما إختلفت وإحترام الرأي الآخر مع تمسكك بمبدأ شامل تؤمن به وتحاول دائما تطويره مع ما يعترضه من مشاكل تتقاذفه كموج البحر فإنك في مقال 16 نيسان/إبريل 2016 في جريدة «القدس العربي» أوردت رأيا لي في الموضوع المصيري الذي تثيره تحت عنوان جديد «الوطن العربي الكبير» أو «الشرق العربي الجديد» في تحد لما يختاره الغرب لنا من أطر تخدم مصالحه وأطماعه في خيرات بلادنا بأبخس وأخس الوسائل. الهدف هو ما تؤمن به من ضرورة إحياء التضامن العربي؛ المؤدي إلى قوة عسكرية وإقتصادية وثقافية وعلمية وصحية وإجتماعية، عربية وشرق أوسطية، تقف لما يراد لها من الغرب من تخريب ثم إستسلام ثم تبعية في مصير متدن مستعبد».
وكان رأي المهندس بيومي هو: «هل البيضة أولا أم الدجاجة؟.. وتحديد الأولويات هي مشكلة حكامنا المزمنة. هل نتجه إلى لم الشمل وتقوية الرباط والتكامل العربي أولا، وبالتالي تجد مصر بعد ذلك الأساس الذي يساعدها علي حل مشاكلها من موقع القوة ومن ثم بناء الدولة المصرية”. ويواصل: “الواقع يقول ما ورد من أمثلة يدل على إستحالة ذلك في رأيي المتواضع
فـ «العراق واليمن وليبيا وسوريا بلاد مزقها الغرب، وفي رأيي أمامها 10 سنوات على الأقل للوقوف على أرجلها كدول وشعوب لها قوة ذاتية مؤثرة.. هل من الممكن لمصر الآن أن تركز على التضامن العربي مع هؤلاء؟ أم تركز على حل مشاكلها الكثيرة والعويصة؟!. هل نأخذ بالتضامن العربي أم نتركه ينضج على نار هادئة لعدة سنوات؛ نبني فيها مصر القوية الديموقراطية الإشتراكية العادلة الحرة ذات كرامة مصانة ومحترمة؛ مستفيدة من دروس الماضي، ومعتمدة في إدارة شؤونها على العلم والعدل. وبذلك تقف على أرجلها في قوة تساعد بالتالي في رفع مستوى الدول العربية الأخرى، التي تكون قد حلت مشاكلها ويمكنها الاشتراك في مشاريع التضامن العربي واحدة بعد أخرى».
ويرى المهندس بيومي أن مصر تواجه في سبيل بناء دولة قوية مشاكل كبرى ولها أولويات:
أولها.. الماء.. (وخلقنا من الماء كل شئ حي) صدق الله العظيم.. وهو الذي يحدد وبشكل قاطع قدرة مصر على تنفيذ أي مشروع طموح. والتركيز علي أفريقيا، وبعدها يأتي العرب. وأثناء حكم السادات ومبارك خلال الأربعين سنة الماضية؛ دُمرت الصلات القوية التي بناها الرئيس عبد الناصر مع الدول الأفريقية كافة. ويجب تقوية العلاقات بالدول الأفريقية المحيطة بأثيوبيا أولا؛ مثل إريتريا والسودان وكينيا وجيبوتي وتنزانيا وأوغندا، والتعاون في وقف ما تدبره أثيوبيا بتعاونها مع (إسرائيل) وأمريكا والغرب؛ لمنع مياه نهر النيل من أن تصل إلينا، أو على الأقل تقليلها؛ مع العلم أن الـ55 مليار متر مكعب من مياه النيل الحالية المخصصة لمصر لا تكاد تكفيها، والرئيس السيسي يريد إضافة مليون ونصف مليون فدان جديد إلى الرقعة الزراعية الحالية، من أين يأتي بالماء؟..
الأولوية الثانية حل مشكلة الزيادة السكانية المخيفة؛ 2 مليون مولود جديد (كل سنة) يحتاجون إلى طعام ومستشفيات ومدارس ووظائف ومساكن جديدة.. وميزانية.. والتصدي لتعطيل المتشددين الإسلاميين للحلول العلمية والعقلانية للمشاكل.. فضلا عن خدمات السكان الحاليين، الذين وصلوا إلى 90 مليون نسمة..
الأولوية الثالثة.. القضاء على الفساد المستشري.. وهذا يحتاج لعدة مقالات لشرحه؛ حيث أن الفساد متجذر ومُعطِّل لأي تقدم..
الأولوية الرابعة مشكلة الفقر المتجذر أيضا، وبدون حلها حلا شاملا إجتماعيا لن تكون هناك دولة قوية..
هذا قليل من كثير.. بشأن بناء دولة مصرية قوية.. وحل هذه المشاكل يحتاج ما بين خمس وعشر سنوات.. وبعدها يمكن البدء في بناء التضامن العربي القوي..
والحقيقة فإن كاتب السطور لم يدع بعد لتضامن عربي، ويسعى لتنشيط العقل من الخمول واكتشاف مواطن القوة الكامنة فيه.. بعيدا عن مبررات الضعف، التي يركن إليها المسؤولون والإعلاميون والخبراء «الاستراتيجيون»؛ المختارون (من بين أباطرة الأمن السابقين والحاليين.. الذين تخصصوا في إهانة الشعب و»شيطنته».. وكأنهم أوتوا الحكمة “ومن أوتي الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا”؛ أما حكمتهم، فتخرج من أفواهم شرا مستطيرا.. حولت الوطن إلى سجن كبير.. ولن أكرر ما قلت على ملاحظات المهندس بيومي السابقة.. انتظارا لتناول آخر تعقيب لأستاذ الأعصاب وطب العظام د. محمود عبد الغني.. وفيه يبدي ملاحظات مفصلة على رؤية المهندس عزت هلال، التي تناولناها في عدد السبت الماضي، وكانت عن «الكيان الوظيفي» للقوات المسلحة المصرية..
ومن جانبي سأطرح وجهة نظر حول هذ الفكرة المثارة وما تبعها من تعقيبات وأراء ورؤى!
٭ كاتب من مصر يقيم في لندن
محمد عبد الحكم دياب