«القدس العربي»:تقدمت قوات جيش النظام مصحوبة بمليشيا فوج مغاوير البحر بصعوبة بالغة باتجاه مدينة تدمر الأثرية في عمق البادية السورية. وسيطرت على مايعرف بمدينة التمثيل شمال غرب المدينة والتي تبعد نحو تسعة كيلومترات عن مركز المدينة. كذلك سيطرت على القصر القطري غرب المدينة باتجاه مدينة حمص.
ويحاول النظام احكام سيطرته على جبل الطار المطل على سهل المدينة وآثارها من الجهة الشمالية الغربية. وتشن قوات النظام السوري والمليشيات التابعة لها هجوما على المدينة من محورين فقط هما الشمالي (جبل الطار) والمحور الجنوبي الغربي (منطقة العوينة ووادي القبور).
ويركز النظام عملياته العسكرية في المنطقة على محاور صغيرة من أجل الإطباق الناري عليها ومن ثم تتقدم قوات المشاة والمدرعات بحذر شديد، ويخشى من عمليات استدراج وخدع يشتهر بها تنظيم «الدولة الإسلامية»، حيث أخلى مناطق كبيرة ليسمح لقوات النظام بالانتشار والشعور بالنصر، ومن ثم يقوم بهجوم معاكس خاطف وسريع، تستعيد بعده السيطرة على النقاط التي انسحب منها، وتكبد قوات النظام عشرات القتلى.
الى ذلك، شن الطيران الحربي عشرات الغارات الجوية على المدينة وعلى طريق تدمر- السخنة الذي يصل دير الزور بتدمر ويعتبر طريق الإمداد الرئيس للتنظيم الى تدمر. وكان التنظيم قد أخلى كل المدنيين من المدينة قبل أسبوع، ما ينذر بمعارك ضارية سيخوضها هناك، والتي تعتبر مؤشرا كبيرا على تشبثه بالمدينة على غير عادته بالتمسك بالمناطق التي يسيطر عليها. وعمليه اخراج المدنيين تعني عسكرياً أن التنظيم قام بتفخيخ المدينة بشكل كبيرة وجهز عدد كبيراً من انتحارييه وآلياته المفخخة.
هذا وأكدت تنسيقية الثورة السورية في مدينة تدمر أن «القدرات العسكرية الروسية من الناحية اللوجستية والإدارية مشاركة بشكل شبه كامل في المعركة من ناحية الاسناد الجوي والقصف المدفعي، إضافة إلى أنهم وضعوا عربات لقطع وللتشويش على الإتصالات الفضائية عن المدينة بالقرب من منطقة المثلث. وأشار عضو التنسيقية، ناصر الثائر، في حديث إلى «القدس العربي» أن «النظام ينشر فيديوهات غير صحيحة ويحاول الترويج لدخول مدينة تدمر».
معنوياً، يحاول النظام ومن خلفه روسيا احراز نصر على التنظيم لتكريس فكرة الحرب على الإرهاب التي لا تكف روسيا عن الحديث عنها، وقصف كل فصائل المعارضة بذريعته. واعتبر الثائر أن روسيا والنظام يحاولان القول إنهما الوحيدان القادران على مواجهة تنظيم «الدولة» وهزيمتها، بعد أن سلموا المدينة للتنظيم مسبقاً ليظهروا للعالم أن البديل عن النظام أسوأ منه.
ومن جهته، تنظيم «الدولة الإسلامية» نفى عبر وكالته غير الرسمية «أعماق» أن تكون قوات النظام قد سيطرت على المدينة، وأكدت الوكالة أن المعارك تجري خارج المدينة في محيط جبل الطار ومنطقة العوينات.
وتتركز الأهمية الإستراتيجية لتدمر كونها تتوسط الخريطة السورية، فهي تمثل عقدة مواصلات كبيرة وتربط أغلب المناطق السورية ببعضها في شرق سوريا وتعد بوابة البادية السورية والطريق الوحيد الذي يربط دمشق وحمص في محافظتي دير الزور والحسكة. ومن تدمر يمر الطريق الوحيد الذي يصل المليشيات العراقية التي تقاتل الى جانب النظام مع العراق.
وتتمتع تدمر بخزان نفطي كبير حيث تتركز في محيطها عدة حقول للنفط والغاز ومناجم الفوسفات (حقول التوينان وجزل وشاعر وجحار)، وتجدر الإشارة إلى أن هذه الحقول ليست تحت سيطرة النظام، لكن تقدمه نحو مدينة تدمر سوف يجعل تنظيم «الدولة الإسلامية» يعاني في الحفاظ على تلك الحقول.
وصرح الناشط محمد حسن الحمصي، المهتم بالآثار في المدينة، أن «القصف الجوي يهدد سلامة المدينة الأثرية»، واعتبر الحمصي أن «النظام غير آبه بسلامة المدينة الأثرية مطلقاً، بعد أن سلمها دون مقاومة تذكر للتنظيم في أيار (مايو) الماضي».
وقال الحمصي في حديثه مع «القدس العربي»: «على الأمم المتحدة واليونسكو أن تتدخلا فوراً قبل أن يهدم القصف الجوي ما تبقى من المدينة».
وفي سياق المعارك، نعت مليشيا فوج مغاوير البحر نحو 25 من مقاتليها قضوا في عملية انتحارية لأحد عناصر تنظيم «الدولة»، ليرتفع مجموع عدد القتلى بعد ذلك الى 74 قتيلاً.
ويبدو أن كلفة السيطرة على تدمر ستكون باهظة بالنسبة لقوات النظام، وستكون مكلفة أيضا على تنظيم «الدولة الإسلامية» إن حاول التمسك بها.
منهل باريش