تنظيم «الدولة» المستفيد الوحيد من فوضى سوريا وهزيمة المعارضة ستفاقم الطائفية

حجم الخط
0

لندن ـ «القدس العربي»: بعد خمسة أعوام تحولت سوريا إلى ساحة صراع دولية تتصارع فيها إرادات وتتقاتل على مستقبلها جماعات وفصائل وحكومات ومرتزقة من عشرات الدول التي جاءت للدفاع عن وكلائها المتحاربين في سوريا.
وتحول البلد إلى «شوربة» مسمومة تتغير فيها الرائحة والطعم والولاءات. وحتى لو نجح تطبيق اتفاق وقف إطلاق النار الذي وقع الجمعة الماضية في ميونيخ فلن يحل الأزمة خاصة أن العديد من الدول تقوم بزيادة دورها في الحرب وتصعد من مشاركتها. وأعلنت السعودية وقطر وتركيا عن زيادة دورها في القتال ضد النظام السوري.
ويرى روجر بويز المعلق في صحيفة «التايمز» أن الحرب العالمية الثالثة بسبب سوريا قد تأتي بدون إنذارات يعلن عنها ويتم تحديها. وعوضاً عن ذلك فقد تتطور الحرب بطريقة تدريجية حيث يحاول كل طرف حماية وكيله المحلي في سوريا ولهذا السبب وضعت تركيا أهمية على حماية ممر أعزاز، المنطقة التي تخدم كمعبر للإمدادات المقبلة من تركيا وتذهب إلى المقاتلين في شرق حلب.
ويتحدث الكاتب عن تداعيات محاصرة المعارضة في شرق حلب، أولها الموقف التركي حيث تراقب أنقرة الوضع بقلق، خاصة أن سياستها في المنطقة تتداعى بسبب الضربات التي تعرض لها المقاتلون السوريون المعارضون لنظام الرئيس بشار الأسد. ولو سيطر الأكراد السوريون على ممر أعزاز سيكونون في وضع جيد لإنشاء كيان معاد لتركيا على الحدود الشمالية السورية. وسيناريو كهذا قد يستدعي تدخلاً برياً تركياً لمنع حدوث هذا الأمر. وهو ما سيضع حلف الناتو أمام معضلة، فهل سيتدخل للدفاع عن دولة عضو فيه؟

بوتين ضد أردوغان

ويشير الكاتب هنا للعامل الثاني في معادلة حلب وهو الدور الروسي أو «بوتين ضد أردوغان»، فقد عززت موسكو من جهودها لمنع تركيا من تنفيذ سياستها في سوريا ولهذا قدمت أسلحة لخمسة آلاف مقاتل كردي وقام الطيران الروسي بضرب قافلة أسلحة كانت في طريقها للمعارضة السورية في حلب.
وفي حال سقط ممر أعزاز فستساعد روسيا النظام السوري كي يقطع الطريق على الممر الأخير المفتوح للمعارضة.
وسيقود عزل المعارضة إلى عملية تطهير عرقي يقوم بها النظام وروسيا للتركمان.
وستجد حكومة أحمد داوود أوغلو نفسها أمام مطالب شعبية لحماية إخوانهم حتى لو أدى ذلك لمواجهة مع روسيا. ولا يستبعد الكاتب وجود خطة روسية لجر تركيا نحو حرب مع أكراد سوريا. ولو حدث هذا فسيندفع الأكراد للإنضمام إلى التحالف الروسي- الإيراني- الأسد وحزب الله. مما سيحرم الغرب من حليف يوثق به ضد تنظيم «الدولة».
وستتحول المعادلة من تركيا ضد الأكراد إلى روسيا ضد الولايات المتحدة خاصة ان الأخيرة ستجد نفسها مجبرة على إرسال قوات برية. والورقة الأهم في الصراع الدائر في سوريا هي معادلة السعودية ضد إيران. ويعتقد الكاتب أن دخول السعودية للحرب وإرسالها مقاتلات عسكرية إلى قاعدة إنجرليك التركية يعتبر تطوراً مهماً. وبناء على المحاور المتصارعة في سوريا فنحن أمام ساحة تدور عليها حرب طائفية (شيعة ضد السنة) وحرب إقليمية (محور السعودية ضد إيران) وحرب دولية (روسيا ضد الناتو).

واقع جديد

ولهذا يرى مراسل صحيفة «الغارديان» مارتن شولوف أن الصراع في سوريا وصل إلى مرحلة حاسمة.
فالحرب الروسية في سوريا لم تستهدف الجهاديين في الرقة بقدر ما استهدفت المعارضين لنظام بشار الأسد.
أما الملمح الثاني وهو الأهم فهو ظهور الأكراد السوريين كلاعبين مهمين في الساحة السورية. فكما يقول شولوف، يقوم هؤلاء بتشكيل واقع جديد في شمال سوريا.
ففي الوقت الذي كان فيه حزب الله والمليشيات العراقية وجيش النظام السوري – الذين تقودهم إيران – يتقدمون نحو حلب اتخذ مقاتلو «حزب الاتحاد الديمقراطي» الكردي، وبغطاء روسي خطوات ثابتة وتقدموا نحو المناطق التي تجنبوها خلال الصراع.
وتقدمت «وحدات حماية الشعب»، الجناح المسلح للاتحاد الديمقراطي، نحو بلدتين سوريتين على الحدود التركية وحلب المحاصرة، بعد أن سيطروا على قاعدة «منغ» الجوية التي كانت تحت سيطرة المعارضة، ومنذ بداية الصراع كان مسلحو المعارضة ينظرون بحذر إلى قوات الحماية الشعبية التي سيطرت على مناطق كبيرة من النظام.
وكانت هذه المكاسب بمثابة جرس إنذار للثوار المشتتين ولتركيا التي تعهدت بأن لا تسمح للأكراد بالهيمنة على الحدود السورية. وكلما تقدم الأكراد، ازداد غضب الأتراك حيث تتهم أنقرة «الحماية الشعبية» مع «حزب العمال الكردستاني» بمحاولة إيجاد موطئ قدم لهما، من عفرين في الشمال الغربي إلى الحدود العراقية، في منطقة كانت عربية منذ عقود.
وتساعد المقاتلات الروسية مقاتلي الأكراد، إذ انها تقصف التنظيمات المعارضة المدعومة من تركيا. وترى روسيا أن تعزيز «الحماية الشعبية» يساعد «حزب العمال الكردستاني» في حملاته العسكرية والتي بدأت قبل أربعين عاماً، إذ ترفض تركيا مطالبهم بالحكم الذاتي، لا الاستقلال وتنظر أنقرة لمطامح الأكراد على أنها خطر أكبر من تنظيم «الدولة».
ويقول شولوف إن دعم الولايات المتحدة لقوات الحماية الشعبية في الحرب ضد تنظيم «الدولة» خلط أوراق الحرب.
فالمقاتلات الأمريكية في عام 2014 هي التي حمت مدينة كوباني من هجوم موسع لتنظيم «الدولة»، ومنذ ذلك الحين توثقت العلاقات بين الطرفين، على حساب تركيا، حليفة أمريكا وعضو تحالف «الناتو».

استفزاز تركيا

ويبدو أن معاداة تركيا للأكراد المدعومين روسيا ستؤدي إلى حرب ساخنة في المنطقة. وقد علمت موسكو كيف تستفز تركيا، لأن الأكراد نقطة ضعفها، ليظل خطر الخطوات القائمة في الجيب الصغير على الحدود السورية قائماً.
وأظهر القصف التركي على مواقع الأكراد أن الأسوأ قادم إذا استمر التقدم، في حين قصفت المقاتلات الروسية بلدة «إعزاز» الحدودية؛ المدخل الرئيس للاجئين وللدعم التركي.
ويرى شولوف أن تركيا تشعر بأنها تدخل مرحلة حاسمة وقد يؤدي حساب خاطئ فيها إلى صراع يملك الكثير ويتغذى من عوامل عدة. وترى صحيفة «فايننشال تايمز» نقلاً عن مسؤول أوروبي بارز قوله إن بوتين على ما يبدو يسعى لزعزعة استقرار تركيا رجب طيب أردوغان. وقال «بوتين غاضب على تركيا» مشيراً إلى أن «الوضع خطير للغاية».
ويقول مسؤول في حلف الناتو «يبدو لي أن روسيا تريد أن تعمل كما فعلت في دول البلطيق هي دفع الناتو للوقوف إلى جانب الدول الأعضاء فيه». وقالت الصحيفة إن المسؤولين الغربيين يشعرون بالقلق من تصرفات موسكو الذين يرون فيها محاولة إضعاف الناتو من خلال افتعال مواجهة عسكرية مع تركيا.

تنظيم «الدولة»

وإذا كان الأكراد هم المستفيد من القصف الروسي في الشمال فتنظيم «الدولة» هو المستفيد من الفوضى الحالية في سوريا.
وكما يناقش إيشان ثارور الذي يكتب في الشؤون الدولية في صحيفة «واشنطن بوست».
وقال إن الوضع في سوريا لم يبد هادئاً بعد الاتفاق على وقف إطلاق النار. فقد واصل المسؤولون الغربيون بمن فيهم وزير الخارجية الأمريكي جون كيري التأكيد على مطالب وقف الروس استهداف المدنيين والجماعات السورية «الشرعية» المعارضة للنظام السوري. وأشار الكاتب إلى القصف التركي لمواقع كردية في شمال سوريا.
وهو ما حول شمال سوريا خاصة حلب إلى ساحة حرب عالمية مصغرة كما وصفتها ليز سلاي في الصحيفة نفسها.
وكتب تشارلز ليستر من معهد بروكينغز، تغريدة قال فيها إن كل الاشكال العدائية تدور الآن في مناطق سوريا.
ويوصف الوضع الحالي بالدوامة التي جرت إليها عدداً من دول العالم حيث تحاول الولايات المتحدة كما يقول ثارور تنسيق الهجمات ضد تنظيم «الدولة». ويرى أن محاولة روسيا إضعاف القوى السورية المعتدلة لن ينفع إلا قوى الجهاديين خاصة تنظيم «الدولة».
وأشار إلى ما كتبه حسن حسن، الزميل الباحث في المعهد الدولي للشؤون الدولية (تشاتام هاوس) «ما فشل تنظيم «الدولة» بتحقيقه من خلال الأسلحة المتقدمة والزخم الذي يمكن تحقيقه عبر تغيير الخريطة العسكرية في حلب وشمال سوريا بشكل عام». ويرى حسن أن هزيمة المعارضة السورية على يد النظام والروس سيترك تداعيات خطيرة على الجهود المستقبلية لهزيمة تنظيم «الدولة». فتقدم قوات الأسد وبدعم من الميليشيات الإيرانية سيؤجج المشاعر الطائفية التي لن يستفيد منها سوى الجهاديين.
فالخطر هو الفراغ الذي ستتركه هزيمة المعارضة على يد النظام والقوى الأجنبية الداعمة له. فهذه ليست لديها الخبرة للاحتفاظ بالمناطق مما سيفتح الباب أمام تنظيم «الدولة» للدخول وملء الفراغ.
فاعتماد النظام على الميليشيات الأجنبية يظهر نقص الجنود لديه، كما أن ظهور هذه القوى في مناطق تسكن فيهاغالبية سنية سيكون هدية للتنظيمات الجهادية. وهذا الخوف ليس بدون مبرر، فقد أصدر الناشطون الشيعة أشرطة فيديو استخدمت خطاباً طائفياً: فقد ظهر شيخ شيعي في الشريط وهو يصرخ بشعارات معادية للسنة من على منبر مسجد سني في حلب. ولا توجد أدلة عن إمكانية هزيمة التنظيم وإخراجه بسهولة من المناطق حتى لو تعاونت القوى الدولية والنظام عليه. وكان تقرير أصدره قبل فترة مكتب الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون قد أظهر أن التنظيم لا يزال من أكثر التنظيمات الإرهابية ثراء، وجمع ما يقدره التقرير حوالي مليار دولار من نشاطات تجارية غير مشروعة.
ولم يتأثر وضعه العالمي فهناك 34 جماعة ومنظمة أقسمت الولاء له. ورغم ما يتعرض له من هجمات وحملات عسكرية يتوقع التقرير توسع صفوفه في عام 2016.
وكدليل على هذا ذكر موقع «لونغ وور جورنال» أن جماعات جهادية في الفلبين وأندونيسيا أعلنت عن ولائها للتنظيم في أشرطة فيديو بثتها وكالة أنباء الفرات.
وفي السياق نفسه يرى مايكل كلارك في صحيفة «الغارديان» أن فشل وقف إطلاق النار، سيجعل من مشكلة تنظيم «الدولة» أقل مشاكل الغرب. فالتدخل الروسي غير معالم اللعبة العسكرية بالنسبة للنظام السوري الذي حصل على أسلحة متقدمة ودعم ميليشيوي إيراني.
ويقول كلارك إن الوقت ينفد بالنسبة لحلفاء الثورة السوريين في الغرب. فالأجندة العسكرية يقوم التحالف الروسي- الإيراني- الأسد بتطبيقها في محاولة للعودة إلى سوريا القديمة قبل الثورة عام 2011. ويضيف أن الروس تعاملوا مع اتفاق ميونيخ كغطاء يمنحهم وقتاً- اسبوعاً أو اسبوعين – لسحق المعارضة السورية.
ويرى أن السماح لمحور روسيا – إيران بالإنتصار سيكون ثمنه باهظاً ويؤثر على الجهود لسحق تنظيم «الدولة». كما أن انتصار الأسد لن يؤدي إلى السلام في البلاد. ويعتقد أن تنظيم «الدولة» وإن خسر مناطق في العراق لا يزال يتمتع بقوته.
وحتى لو هزم أو تم احتواؤه بطريقة أو بأخرى فالحرب في سوريا تقدم وقائع جديدة وقاتمة. فالتنظيم ليس الأزمة بل هو عرض لها، أي الحرب الدائرة بين السنة والشيعة والمتمثل بشكل واضح بالصراع الدائر للهيمنة على المنطقة بين السعودية وإيران. كما أن تراجع باراك أوباما عن قيادته في منطقة الشرق الأوسط فتح المجال أمام روسيا للظهور كلاعب جديد، وهذا هو السبب الذي حولها لميدان حرب بالوكالة.

دول وميليشيات

وفي صحيفة «يو أس إي توداي» قدم أورين دوريل صورة عن الجماعات المشاركة في الحرب السورية.
فعلى جانب الحكومة هناك: ما تبقى من قوات الجيش السوري، قوات الدفاع الشعبي التي دربتها إيران، الميليشيات الشيعية من العراق وإيران وأفغانستان خاصة كتيبة «الفاطميون»، حزب الله اللبناني، منظمة بدر، عصائب الحق، كتائب حزب الله العراقي والحرس الثوري الإيراني. وهناك روسيا التي تدير قاعدة ميناء طرطوس والقاعدة الجوية في حميمم قرب اللاذقية.

القوات المعادية للنظام:

في الجانب المعادي للنظام هناك فصائل عدة بعضها لقي الدعم من الولايات المتحدة والمخابرات المركزية ـ سي آي إيه. وتدرب عدد من المقاتلين في غرفة عمليات عمان/الأردن وفي تركيا. وتلقت جماعات أخرى دعماً من قطر والسعودية وتركيا والأردن والإمارات العربية المتحدة. ويتراوح الدعم المقدم لفصائل المعارضة من دولة لأخرى. وعلى الحدود الجنوبية، قدمت إسرائيل بعض الدعم لفصائل معارضة واستقبلت جرحى في مستشفياتها وشنت غارات على قوافل سلاح لحزب الله وقتلت قياديين آخرهم سمير القنطار.

التحالف ضد تنظيم «الدولة»

ويضم التحالف عدداً من الدول بقيادة الولايات المتحدة وهي: أستراليا، البحرين، كندا، فرنسا، الأردن، السعودية، قطر، الإمارات العربية المتحدة، بريطانيا وتركيا.
ومع أن روسيا ليست جزءا من التحالف الدولي إلا أنها قامت بضرب مواقع لتنظيم «الدولة» في بعض المرات.

جماعات أخرى

وهي الجماعات الكردية مثل البيشمركه العراقيين الذين جاؤوا للقتال في بلدة عين العرب/كوباني، وهناك حزب الإتحاد الديقمراطي وقوات الحماية الشعبية التابعة له.
ولن تكتمل صورة الجماعات المقاتلة في سوريا بدون الحديث عن تنظيم «الدولة» نفسه والكتائب الأجنبية التي تقاتل إلى جانبه من أوروبا والقوقاز وتونس ومصر والسعودية. وكذا «جبهة النصرة» السورية الجهادية المرتبطة بتنظيم «القاعدة».

إبراهيم درويش

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية