تنظيم الدولة من منظار إيراني وخطر الهروب إلى أمام

حجم الخط
2

هنالك الكثير من القصص التي تم تداولها عن تنظيم الدولة.. لعل أبرزها قصة تنظيم يثير الرّعب في نفوس مُناوِئيه ويخلط الأوراق على الذين يحاولون تحليل كيف بدأ؟ وكيف نشأ؟ ومَن هي الجهات التي تقف خلف تأسيسه؟
اللواء المتقاعد حميد تقوي الذي كان يُعد الرجل الثاني في قيادة الظل في الحرس الثوري الإيراني، كتب مذكرة عن تنظيم الدولة بعد إحتلاله مدينة الموصل العراقية، واقترح حينها تأسيس جيش عراقي رديف، ما أصبح يُعرف بالحشد الشعبي، وذكر أن تنظيم الدولة هو رأس عراقي بعثي صدامي، وبدن وهابي.
تقوي أقنع القيادة الإيرانية أن عليها لدرء الأخطار عن الجمهورية الإسلامية، أن تواجه التنظيم في العراق، وربط هذه المواجهة بالتواجد العسكري الإيراني داخل الأراضي السورية، وأكد أن إستعادة الموصل من التنظيم ودحره، كفيل بإيجاد محور مواجهة إيراني سوري عراقي مدعوم من حزب الله، يغير المعادلات الاقليمية، ويمكن إيران من أن تجلس على الطاولة مع الكبار!.
 وبالفعل ..ذهب إلى العراق برفقة اللواء قاسم سليماني قائد فيلق القدس، ومعه كان اللواء حسين همداني الذي قتل في وقت سابق من الشهر الماضي في سوريا، وبدأ مع أبو مهدي المهندس وهادي العامري بتشكيل خلايا الحشد الشعبي، بعد إقناع المرجع الشيعي سيد علي السيستاني باصدار بيان «فتوى الدفاع» عن العراق بوجه غزو خارجي تمثل بدخول تنظيم الدولة الموصل وتكريت ومدن عراقية أخرى. وتكشف الدراسة التي وضعها حميد تقوي الذي قتل في كانون الاول/ديسمبر من العام الماضي على تخوم سامراء، أن تنظيم الدولة بخُلاصة مستعجلة ما عاد يضم الدولة الإسلامية في العراق وجبهة النصرة، كما أُعلن من قبل، منذ أن تبرّأ منه أيمن الظواهري، زعيم القاعدة، الذي اكتشف بعد فوات الأوان أنه بلع الطّعم وروّج في مرات سابقة للدولة الإسلامية على أنها ذراع من أذرع القاعدة في العراق، وفهم الظواهري بعد فترة أنها لا تنتمي أصلاً للقاعدة ولم تكن كذلك، حتى عندما كانت تتعاون مع تنظيم القاعدة في بلاد الرافدين بقيادة أبو مصعب الزرقاوي.
تنظيم الدولة أو ما أصبح يعرّف نفسه بدولة الخلافة الإسلامية، هو حسب ما يعتقد حميد تقوي وبالتالي قاسم سليماني «مخلوق لحزب البعث (أو لبعض أجنحته التي ما زالت ناشطة)، وهذا بغضّ النظر عن الجهات الإستخبارية التي تستفيد من هذه النوعية من التشكيلات وتقوم باختراقها وتوجيهها لتحقيق أهداف معيّنة، ثم تقوم بالتخلص منها لاحقا» وكأنك «يا بوزيد ما غَـزيت». تم الإعلان عن «الدولة الإسلامية في العراق» في تشرين الاول/أكتوبر 2006، وتحوّل في 9 نيسان/أبريل 2013 إلى مشروع يضم العراق والشام، تحت مسمى «الدولة الإسلامية في العراق والشام» (داعش)، وأخيراً أصبح مشروع خلافة إسلامية وصار إسمها «الدولة الإسلامية» في 29 حزيران/يونيو 2014، وهذه مفتوحة على الأرض.
ويذهب حميد تقوي إلى أن تنظيم الدولة أو «دولة الخلافة الإسلامية» أو «الدولة الإسلامية في العراق» ليس سوى تشكيلة من إنتاج حزب البعث ورجال المخابرات وضبّاط الحرس الجمهوري وفِـدائِيّي صدّام الذين قاموا بُعيْد الاحتلال الأنغلو – أمريكي للعراق، بمقاومة النظام الجديد الذي قام على أنقاض نظام قاده حزب البعث العراقي منذ عام 1968 وسيطر عليه صدّام بشكل عملي ونهائي منذ عام 1979 إلى حين سقوطه عام 2003.
قد تبدو هذه الرواية ضربا من الخيال أو من التنجيم، وقد يعسُر تصور ارتباط مثل هذه الجماعة بدول كبرى أو حتى إقليمية في المنطقة، لكن حميد تقوي يؤكد في الكتيب المحدود التداول، أن تنظيم الدولة لم تؤسّسه المملكة العربية السعودية، بل يبدو أنه  تأسّس لكي ينتقِم من كل الذين ساهموا أو شاركوا في إسقاط نظام صدّام في العراق، وهو يعتبر الشيعة والأكراد وكل الذين حضروا مؤتمر لندن في منتصف كانون الاول/ديسمبر 2002 قبل الضربة الكبرى وقبلوا بنظام المحاصصة الطائفية والعِرقية الذي وضع أسُسه السفير الأمريكي من أصل أفغاني زلماي خليل زادة، كفاراً ومرتدين. وفي السياق، وهذا الكلام ذكره تقوي في حزيران/يونيو 2014 يبدو أن تنظيم الدولة يعتبر المملكة العربية السعودية والكويت ومن بعدهما الإمارات (وطبعاً إيران) هدفها التالي للإنتقام منها، لأنها شاركت هي الأخرى وإن بدرجات متفاوتة في «الجريمة» أي إسقاط نظام صدام.
في المقابل، يُمكن القول أن مَن أسّس التنظيم عبر اختراقه ومعظم التنظيمات التي أطلقت تحت شعار «مقاومة الإحتلال»، عرف من أين تؤكل الكتف، وقام بإيجاد خلطة عجيبة تجمع «شرعيين» من يافعين وفتيان، وبعض رجال دّين «نصف كُم» ممّن يفتقر لأي أهلية علنية، سوى أنه يحمل غضبا على الشيعة والنظام الجديد في العراق، ولعل الكثير من هؤلاء من العراقيين، كان أعد لهذا اليوم ربما بالصّدفة، فهم خرّيجو مدرسة صدّام وتفرّعاتها المخابراتية والحزبية.

تحرك دولي وإقليمي

كان المخطط – حسب ما ذكره حميد تقوي- أن تحصل هذه الجماعة على دعم من السعوديين ومن معظم الذين تربَّوا في مدرسة محمد ابن عبد الوهاب وعموم السلفية، التي أنتجها فكر ابن تيمية، ورفعوا شعار قتال الرافضة والعلويين على خُطى الفتاوى المعروفة في تكفير الآخر، لكنهم يبدو أنهم كانوا يرمون فقط إلى الحصول على «شرعية» جهادية تتيح لهم خلافة تنظيم الزرقاوي (أي القاعدة) وقد حصل لهم ذلك فعلا، وحققوا ما أرادوا وتبنَّوا الدعوة إلى دولة الخلافة الإسلامية، بفكر التِقاطي جُمع من هنا وهناك، ما يبرِّر لهم سعْيهم إقامة «الدولة الإسلامية» على الأرض.
ويمضي تقوي إلى الاعتقاد أن  هذا المخطط (المفترض) انطلى فقط على السذج ومراهقي العلوم الدِّينية، أما المتعمِّقون فقد اكتشفوا بيسر أن تنظيم الدولة لا يمتّ بصلة لمدرسة محمد بن عبد الوهاب أو ابن تيمية ولا يمثل أي فرع من فروع السلفية الجهادية، لكنهم آثروا الصمت ما دام التنظيم يُحارب «الرّافضة» والآخرين الذين يصفهم بالكفر، على الرغم من أن «الدولة الإسلامية» تظهِر اعتناقها ذات المدّعيات العقدية وتبشيرها بنفس التعاليم الدّينية التي صاغها محمد بن عبد الوهاب، وتزيد على ذلك أنها تحمل في طيّاتها الوعْد المؤجّل منذ قرن ونيف، أي إقامة دولة الخلافة، وصنع ما أخفق في صنعه مشايخ الوهابية و»الإخوان» و»حركة جهيمان» و»مشايخ الصحوة» و»قاعدة الجهاد في جزيرة العرب» وغيرها من المحاولات الفردية والجماعية التي شهدتها المنطقة طيلة المرحلة السابقة.
في المقابل، يبدو أن الدول الكبرى وأجهزة الاستخبارات الدولية تعرف جيداً كيف نشأ تنظيم الدولة، كما أنها قادرة بلا ريب على رصد نشاطه المُذهل في العالم الإفتراضي حيث يحصل بواسطته على أعداد متزايدة من المتطوِّعين، وقد أسقطت دعايته فيه كلا من الموصل وتكريت وغيرها من مناطق استراتيجية هامة في العراق عن طريق استخدام أسلوب: «اضرب الجبان ضربة يطير من فزعها قلب الشجاع»، وعبر نشر أفلام فيديو مُمنهجة (الكثير منها مفبرك) عن القتل وقطع الرؤوس بوحشية، وتغلغلها في وسائل الإعلام، حتى الغربية منها، عبْر شبكة من النشطاء يُغذون المواقع والعديد من وسائل الإعلام بالصور والمعلومات مباشرة «من الميدان».
أخيرا، يختم حميد تقوي الذي قتل على يد تنظيم الدولة داخل الأراضي العراقية، بالقول «لن يتيسر القضاء على داعش (الذي يطمع في الحصول في مرحلة ما على بعض الدعم من قوى متنفذة دوليا وإقليميا لأسباب مختلفة)، ما لم يتحرّك الجميع على هذا الأساس ولن ينجحوا دون تنسيق دولي وإقليمي شامل، ودون الإقرار بأن معظم الجهات المتورِّطة في دعمه بحجّة الدفاع عن حقوق السُنة في العراق تتحمل قدرا لا بأس به من المسؤولية في ما آلت إليه الأوضاع».
غير أن الدبلوماسي السابق نصرت الله طاجيك وبعد نحو من عام ونصف من تلك الدراسة، ودون أن يخوض في تفاصيل التأسيس، كتب في صحيفة «شرق» القريبة من الحرس الثوري وعموم الأجهزة الأمنية، مؤيداً فكرة التحرك الاقليمي والدولي الجاد مشيرا إلى أن مخطط تنظيم الدولة بعد العمليات الأخيرة في باريس، يرمي إلى فتح جبهات أخرى خارج العراق وسوريا، لتكون محل مساومة تُمكن التنظيم من التفاوض عبر قنوات مختلفة، لتعديل ميزان القوى لصالحه.
 
عموميات

معظم التصريحات الإيرانية الرسمية عن تنظيم الدولة سواء من الزعماء السياسيين، أو من قادة الحرس الثوري والجيش والتعبئة والمسؤولين الأمنيين، لا تتحدث عن العمق وتكتفي بالعموميات، ويشير الكثير منها إلى أن إيران لا تملك حاضنة عقدية لهذا التنظيم، إلا في منطقة سيستان بلوشستان والحديث عن «جيش العدل» القريب من القاعدة ولا يمت لتنظيم الدولة بصلة، إلا أنه ينفذ عمليات مشابهة تستهدف الحرس الثوري ومراكز دينية شيعية، وقام العام الماضي بذبح جندي إيراني من قوات حرس الحدود بعد خطف خمسة جنود أضطر للافراج عن أربعة تحت ضغط القيادات السنية المعتدلة في الاقليم المضطرب.
وما عدا دراسة حميد تقوي التي أُسس على أساسها الحشد الشعبي أو على الأقل بعض تشكيلاته المقاتلة التي أصبحت نواة أنضمت لها تشكيلات كانت قائمة مثل «عصائب أهل الحق» و»منظمة بدر»، تظل التفسيرات الإيرانية حول تنظيم الدولة عائمة تحذر فقط  من «فخ الاستدراج» إلى حرب مفتوحة مع التنظيم من واقع أن التنظيم «إذا شعر بالخطر فبإمكانه أن ينقل الحرب إلى مناطق مختلفة من العالم، وبعض الدول في المنطقة ستكون أول ضحاياه… وعلينا أن نحذر من هروب داعش نحو الأمام!».
 

نجاح محمد علي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية