لندن ـ «القدس العربي: احتل موضوع المدنيين مساحة واسعة من النقاش السياسي والعام بعد سقوط أعداد كبيرة منهم بسبب الغارات الأمريكية على العراق وسوريا واليمن. ومن هنا قوبلت تصريحات وزير الخارجية ريكس تيلرسون بأن بلاده عازمة على بناء «محاور مؤقتة للاستقرار» في سوريا بالشك.
وعلقت لورين وولف، الصحافية ومديرة منظمة «نساء تحت الحصار» في مقال نشره موقع مجلة «فورين بوليسي» جاء فيه أن التاريخ الماضي يثبت عدم نجاح خطة تيلرسون لحماية المدنيين والتي تحدث عنها في زيارته لتركيا. وتحدثت هنا تحديدًا عن مذبحة سريبرينتشا في شرق البوسنة عام 1995 وفرار مدنيين من الذبح إلى تلة تطل على المدينة. وكانت منهم فاطمة دوتباسيتش كليمتش حيث قالت «عندما كنا نمشي في الجبال لم نكن نعرف الميت من الحي أو ماذا حدث للناس».
وكانت تتحدث إلى منظمة خيرية بريطانية اسمها «تذكروا سبرينتشا» حيث تذكرت «الموتى كانوا في كل مكان، أشلاء والدماء على البنايات وحولنا في الشوارع ـ في كل مكان».
وفي الوادي تحت كان هناك 8.000 رجل وطفل بوسني مسلم يذبحون. ورغم استثناء النساء والأطفال الصغار من الموت إلا أنهن تعرضن للاغتصاب. وكان كل هذا يحدث تحت نظر قوات الحماية التابعة للأمم المتحدة في منطقة أطلق عليها «آمنة». وكانت سريبرينتشا واحدة من ست مناطق أنشئت في البوسنة عام 1993.
سخرية
ومنذ بداية حرب البلقان وصف المراقبون المناطق بأنها ستكون معسكرات اعتقال للاجئين يسهل تجويع من فيها عندما يمنع نقل المواد الغذائية إليهم.
ونقلت صحيفة «نيويورك تايمز» في حينه عن ضابط أمريكي كان يعمل في وحدات الأمم المتحدة أن فكرة المناطق الآمنة جيدة إلا أن دور القوات التابعة للأمم المتحدة المحدد بالرقابة فقط يجعلها «أسطورة».
وفي حالة سريبرينتشا لم تكن هناك سوى قوة هولندية مزودة بأسلحة خفيفة ولم يتجاوز عددها عن 400 جندي، ولهذا لم يكن لديها ما تعمله لوقف المذبحة. وكان الأمين العام في حينه بطرس بطرس غالي قد طلب قوة من 37.000 جندي لحماية المناطق الآمنة وبدلا من ذلك تبنت المنظمة الأممية «خيارًا خفيفًا» وقوة من 7.600 جندي.
ولم تكن هذه المناطق الآمنة هي الأولى فقد أنشئت «محاور آمنة» و»مناطق محمية» و»ممرات إنسانية» أو «ملاجئ آمنة» حيث تعددت الأسماء والهدف واحد، فقد كانت هناك مناطق لحماية المدنيين في العراق عام 1991 وفي رواندا 1994 ودول أخرى.
مناطق ترامب
واليوم نواجه الفكرة التي تقترحها إدارة دونالد ترامب وتتحرك بقوة لتحقيقها في سوريا. ففي كانون الثاني/يناير قال ترامب أنه سيقوم بالتأكيد بإنشاء مناطق آمنة في سوريا. وفسرت تصريحاته على أنها محاولة لمنع اللاجئين السوريين من القدوم للولايات المتحدة. وفي 22 آذار/مارس قال تيلرسون إن بلاده ستزيد من جهود بناء «محاور مؤقتة للاستقرار».
وعلق كريس بويان، المتحدث باسم المفوضية السامية للاجئين التابعة للأمم المتحدة أن الوضع على الأرض هش بشكل كبير و»من الصعب رؤية كيف سيتم تطبيق حل المناطق الآمنة» خاصة بعد تدمير كل البنى التي تقدم الخدمات ـ الماء والصحة والدواء والطعام. وقال إن الوضع على الأرض «مائع» ويمكن أن يتغير «بطرفة عين».
وتقول وولف إن سوريا هي المكان الذي تنتهك فيه قوانين الحرب حيث استهدفت قوافل الصليب الأحمر والمستشفيات والصحافيين «ومن الصعب رؤية كيف يمكن إنشاء مناطق محمية للاجئين في داخل البلد». وفي حالة رفض الحكومة السورية السماح بهذه المناطق فيجب أن يصادق عليها مجلس الأمن.
وفي كل قرار يتعلق بسوريا كانت روسيا والصين ترفضان تمريره. وكان أنطونيو غوتيريس، المفوض السامي للاجئين سابقاً (الأمين العام الحالي للأمم المتحدة) قد قال في أيلول/سبتمبر 2015 إن «تعقيد الوضع في سوريا يجعل من الصعوبة إقامة مناطق آمنة».
ويعلق بيل فريليك، مدير برنامج حقوق اللاجئين في منظمة هيومان رايتس ووتش «يبدو أن هناك أحلاماً سحرية»، فترامب حسب فريليك لم يعط الفكرة الكثير من النظر»وكما هو الحال في كل تصريحاته فقد ترك الأمر لجنرالاته البحث عن طرق لتطبيق فكرة متسرعة». وتعجب فريليك من الوصف الذي قدمه تيلرسون للمناطق الآمنة، فماذا تعني مناطق مؤقتة للإستقرار، حيث ستكون أقل أمناً. ولماذا اختار وزير الخارجية «الاستقرار» بدلاً من «الحماية».
والجواب هو أن تحقيق الاستقرار لا يتضمن توفير الطعام والماء. ويتذكر فريليك تجربة المنطقة الآمنة في شمال العراق. فهي وإن وفرت الحماية للاجئين إلا أنها منعتهم من مغادرة مناطقهم.
وبهذه المثابة كانت فاشلة. وكان على الجبهة في البوسنة حيث كانت القوات الهولندية موجودة لحماية عمال الإغاثة الإنسانية وإيصال المساعدات «وعندما حانت الحقيقة وقفوا جانباً وسمحوا بقتل الناس، ولهذا فأنت بحاجة لقواعد اشتباك قوية».
في رواندا
وحدث الشيء نفسه في مذابح رواندا التي امتدت على ثلاثة أشهر من عام 1994. فقد دفع الفرنسيون باتجاه خلق مناطق آمنة في وسط المذابح.
وعرفت بـ «عملية الفيروز» وتم تحديث خمس مناطق جنوب البلاد التي اعتبرت منطقة آمنة. إلا أن تحقيقاً في عام 2007 كشف عن استمرار عصابات الهوتو بالعمل وبحرية في هذا الجزء من البلاد.
واعترف قائد العملية الفرنسي جين ـ كلود لافوركيد بأن المنطقة الآمنة كانت من أجل حماية الحكومة التي كان يقودها الهوتو بشكل يحرم «الجبهة الوطنية الرواندية» من النصر ويعطي الشرعية الدولية لحكام رواندا. وكانت فرصة لفرنسا كي تساعد أعضاء في النظام كي يفروا.
وفي حالة رواندا منحت المناطق الآمنة للروانديين الطعام والملجأ وليس الحماية. ومنذ ذلك الوقت تم إنشاء مناطق آمنة في سريلانكا عام 2009 حيث علق 50.000 مدني كانوا تحت القصف وقنابل الهاون.
وفي عام شباط/فبراير 2014 قام الإتحاد الأوروبي بعملية عسكرية «لخلق مناخ الأمن والسلامة بمنطقة بانغي» عاصمة جمهورية أفريقيا الوسطى ولكنها لم توقف العنف. وقبل كل هذه تم إنشاء مناطق آمنة في فيتنام وأطلق عليها «قرى آمنة» وحسب تعليق فريليك «كان علينا تدمير القرية لحمايتها». وفي النهاية يتفق الخبراء على أن المناطق الآمنة لا تنجح في توفير الحماية للاجئين وتمنعهم من الهرب. كما أن فكرة المنطقة الآمنة تظل محل تساؤل ضمن القانون الدولي للدعم الإنساني.
ويعلق فريليك «وفكرة أنك آمن في هذا المكان وليس آمناً في مكان آخر لا تتوافق مع تعريف القانون الدولي للدعم الإنساني». والطريقة الوحيدة لحماية العالقين في محاور الحرب هو جلب السلام لها كما تقول وولف.
في مرمى النار
ومن حق المدنيين أيضاً أن لا يكونوا هدفاً للأطراف المتصارعة كما حدث في المعركة على غربي الموصل. ففي الوقت الذي تؤكد فيه وزارة الدفاع «البنتاغون» أن لا تغير حصل على قواعد الإشتباك، خاصة في الغارات ضد تنظيم «الدولة» في العراق وسوريا وأن الضحايا المدنيين وقعوا بسبب زيادة وتيرة الحرب في غربي الموصل التي يعتقد أنها من أشد جبهات القتال منذ الحرب العالمية الثانية.
إلا أن سقوط أعداد كبيرة من المدنيين في المدينة يثير مخاوف من أن مدخل ترامب لمكافحة الإرهاب يعرض حياة الكثير من المدنيين للخطر ويقود في النهاية الناس إلى صف الإرهاب.
وأشارت صحيفة «نيويورك تايمز» في افتتاحيتها إلى مخاطر الغارات على منطقة مكتظة بالسكان مثل غرب الموصل حيث يحاول الجيش العراقي وبمساعدة من المستشارين الأمريكيين والغارات الجوية هزيمة 2.000 من مقاتلي التنظيم.
وعلقت الصحيفة على سقوط العشرات في غارة على صف من المباني في 17 آذار (مارس) الحالي والتي تسببت بأكبر خسارة منذ بدء الحملة الدولية على تنظيم «الدولة» عام 2014. وأشارت لهجوم تم على ريف حلب وقتل فيه 60 شخصاً، حيث كانت مناسبة دينية تعقد فيه ساعة الغارة، كما قال مواطنون.
وتعلق الصحيفة «في الوقت الذي بدأ فيه سقوط المدنيين في عهد باراك أوباما إلا أنه ازداد مع وصول ترامب وتفوق على عدد المدنيين الذين سقطوا بسبب الغارات الروسية ونظام بشار الأسد. وحسب المنظمة غير الربحية «إيروورز» فقد سقط على الأقل 1.353 مدنياً في العراق بسبب الغارات التي قامت بها دول التحالف بزعامة الولايات المتحدة. وتحدثت الصحيفة عما قاله ترامب أثناء الحملة الإنتخابية حيث تعهد بقتل الإرهابيين وعائلاتهم. وقال إنه سيعيد العمل بالتعذيب مع أنه ممنوع حسب القانون الأمريكي.
وزعم بطريقة لا تصدق أن لديه خطة جاهزة لهزيمة تنظيم «الدولة». بل وزعم أنه يعرف عن تنظيم «الدولة» أكثر مما يعرفه الجنرالات.
وقد أثار الموقف المتهور هذا المخاوف فيما إن كان قد أزال الضوابط المفروضة على طريقة شن الغارات الأمريكية مع أن مسؤولين قالوا إن تغيراً لم يحصل بقدر ما تم منح صلاحيات للقادة الميدانيين لإطلاق غارات جوية بدون انتظار مصادقة القادة من أصحاب الرتب الأعلى. كما منح جيمس ماتيس، وزير الدفاع والجنرالات العسكريين الصلاحية باعتبار ثلاث مناطق في اليمن «مناطق نشاط عدواني».
وأبقى ترامب على التغييرات التي بدأت في عهد أوباما بشأن استدعاء الغارات الجوية في العراق وسوريا. واعتبر الخبراء العسكريون هذا تحولاً معقولاً نظراً لتصعيد الحرب ضد تنظيم «الدولة» ووجود مستشارين عسكريين إلى جانب القوات العراقية في الموصل. ورغم أنه من الصعب تجنب الضحايا المدنيين خاصة في مدن مكتظة مثل الموصل التي يعيش فيها حوالي نصف مليون نسمة.
وفي منطقة طلبت الحكومة العراقية من سكانها التزام بيوتهم ويستخدم التنظيم المدنيين فيها دروعاً بشرية إلا أنه من الضروري مضاعفة الولايات المتحدة والمتحالفين معها الجهود لحماية المدنيين والتزامهم بالبروتوكولات التي تدعو للتقليل من الضحايا.
وعلى واشنطن التحقيق في الحادث ونشر نتائجه وتعويض العائلات المتضررة منه. وبعيداً عن كل هذا «فلا توجد أدلة عن وجود خطة لدى الرئيس كي تعزز استقرار العراق وسوريا فيما بعد الحرب.
فانتصار عسكري يخلف وراءه طريقاً دموياً من القتلى المدنيين ويفشل في معالجة التوترات السياسية التي سمحت بظهور الإرهابيين سيكون نصراً قصير الأمد».
مشكلة الألغام
وفي الوقت الذي يخسر فيه التنظيم مناطقه فإنه يخلف وراءه حقولاً من الألغام تستدعي جهوداً مستمرة لتنظيف العراق وسوريا. واهتمت مجلة «إيكونومست» بالموضوع. وأشارت في البداية إلى مشاهد الاحتفال التي شهدتها شوارع مدينة منبج بعد طرد الجهاديين منها في آب/أغسطس 2016 حيث حلق الرجال لحاهم وخلعت النساء النقاب بل ودخنت نساء سجائر وهي أفعال كان السكان يعاقب عليها. وما تبع الاحتفال كان أسوأ.
ولخصه المقاتل السابق علي حسين العمري «قتل أول انفجار جارنا وزوجة أخيه عندما دخلا البيت» و»بعد ثلاثة أيام انفجر لغم وقتل ابن عمي، وقطعت أطراف ابنته البالغة من العمر 11 عاماً.
وبعد اسبوع انفجر لغم مزرع في شجرة زيتون أدى لقطع رجل جارنا». وتعلق المجلة أن مساحة الأراضي التي يسيطر عليها التنظيم تتقلص لكنه لا يزال قادراً على القتل والتشويه حتى في المناطق التي خرج منها. فبعد 10 أيام من تراجعه من منبج انفجر لغم أدى لمقتل 29 شخـصاً.
والقصة لا تختلف عن مناطق طرد منها الجهاديون في العراق وسوريا. فمع انسحابهم يقومون بزرع مفخخات في المساجد والمدارس والمستشفيات. كما زرعوا مساحات واسعة من الأراضي بالقنابل المصنعة بطريقة بدائية. وتعلق المجلة قائلة إن «المناطق التي كان يحتلها تنظيم «الدولة» تعتبر المنطقة الأكثر التي تنتشر فيها الألغام على وجه الأرض. وسيكلف تنظيفها الملايين من الدولارات ويحتاج لعقود من الزمان».
ويجد المدنيون الذين يريدون العودة لحياتهم الطبيعية في القرى التي كانت تحت سيطرة التنظيم بيوتهم وحقولهم وشوارع مليئة بالقنابل. وقام الجهاديون بزرع كل مكان بمتفجرات قابلة لتفجير بناية كاملة. فقد فخخ الجهاديون أرغفة الخبز والثلاجات والكناسات الكهربائية وأجهزة الكمبيوتر بالمتفجرات. وعثر خبراء تفكيك الألغام على دمى للأطفال مزدوة بأجهزة استشعار وأضواء تنفجر عندما يتم تشغيلها.
وعثروا على متفجرات أقل تفوقاً مثل القنابل اليدوية وغير ذلك. ومن الأشياء التي يصعب عليها ومنع تحفيزها متفجرات الأسلاك المغطاة بالتراب أو تم توزيعها على الشوارع وغطيت بحجارة. وتم تفخيخ جثث الأموات كي تنفجر.
ونقلت المجلة عن سعيد عيدو من المعهد السوري للعدالة قوله «كيف يمكن تحذير الناس؟ وكيف يمكن الطلب منهم عدم الذهاب للمدارس والمستشفيات أو عدم التقاط الأحجار أو المشي عليها».
وتقول المجلة إن البيوت المفخخة هي جزء من المشكلة، فمن أجل الدفاع عن نفسه قام التنظيم ببناء حزام من البيوت المفخخة في القرى والبلدات. ففي قرية واحدة من محافظة الموصل أزال فريق الإستشارات من أجل الألغام وهي مؤسسة طوعية بريطانية 1.000 لغم منذ تشرين الأول/أكتوبر ولم يتم تنظيف القرية والمناطق المحيطة بها من الألغام.
ويقدر الخبراء أن تنظيم «الدولة» قام بزرع أكثر من 100.000 لغم في كل من العراق وسوريا وهي أكبر ترسانة مرت على الخبراء.
زرع الألغام
وفي حروب القرن العشرين اعتمدت الأطراف المتصارعة على زرع الألغام بشكل تسبب في مقتل عشرات الألوف.
وفي نهاية القرن كانت الألغام تقتل سنوياً حوالي 26.000 شخص في مناطق النزاعات. وانخفض العدد بشكل كبير بعدما بدء العمل بمعاهدة أوتاوا عام 1999 والتي حرمت استخدامها. إلا أن تنظيم «الدولة» أعاد العجلة للوراء، فمع زيادة أعداد الضحايا تقل النفقات لتمويل حملات نزع الألغام.
ولم تعد زراعة الألغام سراً يعرفه صناع المتفجرات بل صار بالإمكان انتاجها بشكل واسع. وحسب الوثائق التي اطلعت عليها منظمة أبحاث التسلح والتي تقوم بمتابعة تصنيع الأسلحة بشكل غير قانوني فقد حصل مقاتلو التنظيم على «تعليمات متقدمة» حول تصنيع المتفجرات. وتصفها المنظمة بالقول «ليس دورات قصيرة بل دروس عملية ، كما هو واضح من الأبحاث التي قدمها تلاميذ تنظيم الدولة».
وبعيداً عن الجيل الجديد من صناع المتفجرات والألغام فإن إرث تنظيم «الدولة» القاتل سيستمر لعقود مقبلة، مدفوناً تحت الأرض وينتظر الأقدام غير المحظوظة. وفي سوريا وتحديداً الذخيرة الضخمة التي رماها النظام والجماعات الداعمة له على المناطق المدنية.
ويعتقد الخبراء أن عملية تنظيف سوريا من القنابل والمتفجرات والألغام التي لم تنفجر ستحتاج إلى 30 عاماً. وستظل المتفجرات المتخلفة من الحرب عائقاً أمام التعافي الإقتصادي وإعادة الأمة وعودة اللاجئين.
إبراهيم درويش