قد لا يتفق الكثيرون مع ما طرحه أدونيس الاسبوع الماضي في محاضرته على هامش معرض القاهرة الدولي للكتاب حين دعا إلى «القطيعة مع الموروث الثقافي المتراكم من مئات السنين واليقينيات التي يقوم عليها التراث العربي من خلال إحياء البحث والتساؤل والتفكير للوصول إلى ما يمكن أن نسميه حداثة». كما قد يختلف الكثيرون معه حين قال «الأطروحات والأفكار والقطائع التي حدثت بدءا من القرن الثاني الهجري (الثامن الميلادي) وبشكل خاص في بغداد أكثر جرأة وأكثر عمقا وأكثر جذرية من أطروحاتنا المعاصرة اليوم». ولكن المفكر السوري الحداثي لامس شيئا من مشكلة الفكر العربي والإسلامي بقوله هذا. فاذا كانت هناك جدية في التعاطي مع ظاهرة العنف المفرط والتطرف والإرهاب وهي الظواهر التي تربط ظلما بالإسلام، فلا بد من التوفر على قدر من الشجاعة غيرالمألوفة خصوصا لدى العلماء واصحاب القلم لطرح منظور آخر للدين الإسلامي وتاريخه واخلاقه وانسانيته. هذه الشجاعة ما تزال مفقودة برغم فداحة الاوضاع الراهنة في المنطقة. ومن اهم ظواهر غيابها حالة الانتقائية في المواقف ازاء ما يجري. يتضح هذا الصمت من ظواهر ثلاث: اولاها ان الصمت كان سيد الموقف في اغلب حالات العنف المفرط التي ارتكبت ليس على مدى فترة قصيرة بل منذ اكثر من عشرة اعوام، لان الموقف الرسمي العربي والغربي التزم الصمت، وفرض نفسه على مواقف العلماء والمفكرين والكتاب. ويعتبر مجاراة المواقف الرسمية، سواء بقرار واضح من اهل الفقه والفكر ام استجابة للظروف استسلاما من جهة وإخلالا بالمسؤولية من جهة اخرى. وقد ادى غياب الموقف المسؤول عن الساحة إلى تشجيع المتطرفين على تجنيد الشباب من كافة البلدان. فحين يكون هناك اكثر من ثلاثة آلاف من التونسيين ومثلهم من السعودية والاردن قد انخرطوا في تيار التطرف فان ذلك انعكاس للفراغ الفكري والايديولوجي والاخلاقي في الساحتين الإسلامية والعربية. ثانيها: نجاح قوى الثورة المضادة في طرح اكبر سلاح ضد تلك الثورات، وهو سلاح الطائفية الذي مزق الامة وساهم في انتشار ظاهرة التطرف وتهميش قوى الاعتدال وافشال مشاريع الاصلاح السياسي التي رفعت لواءها ثورات الربيع العربي في مثل هذه الايام قبل اربعة اعوام. وساهمت الطائفية في تعميق ظاهرة الانتقائية في المواقف. فما دام ضحايا العنف والتطرف والإرهاب محصورين باتباع دين او مذهب او عرق آخر لم يشعر العلماء او المفكرون بضرورة التصدي له. ثالثها: تداعي البعد الاخلاقي وتلاشي دوره في الحياة العامة، وغياب سمات «العالمية» و»الشمولية» و»الثبات» التي يفترض ان تشكل محور التفكير الإسلامي والفقهي. فاصبحت قيم «النسبية» و»الظرفية» و»المصلحة» مبررا للتخلي عن الموقف المبدئي، الامر الذي يتنافى مع طبيعة التشريع الإسلامي الذي يؤكده رسول الله بقوله «حلال محمد حلال إلى يوم القيامة». انه استسلام لثقافة ما بعد الحداثة التي هيمنت على الغرب في العقود الاخيرة، واصبحت توجه سياساته. ثالثها: ترجيح موروثات الثقافة الصحراوية المؤسسة على «الانتقام» و»الثأر» و»الاستئصال» على حساب قيم الشريعة ومنطق العدل وثقافة العفو والتعايش والاحترام المتبادل. وكان المرحوم الشيخ محمد الغزالي من اوائل الذين وقفوا ضد ما اسماه «فقه البداوة». رابعها: غياب الوعي عن طبقة واسعة من نشطاء الحقبة السابقة للثورات، الامر الذي دفع الكثيرين منها اما لمسايرة مشروع قوى الثورة المضادة او السكوت على اطروحاتها، برغم ان تلك الطروحات انطلقت بهدف واضح: ضرب الثورات العربية ومنع التغيير والحفاظ على الوضع الراهن وتهميش قضية فلسطين التي كانت مصدر الوعي والالهام لاجيال متعاقبة ونبعا ثوريا تجاوز في حدوده الجغرافية منطقة الشرق الاوسط.
وهنا يمكن طرح سؤال مهم: من المسؤول عما جرى للطيار الاردني الاسبوع الماضي؟ من اين جاء هذا العنف والسادية والافراط في الانتقام؟ وهل انطلق مرتكبو الجريمة من اهوائهم وغرائزهم فحسب ام ان لهم منظورا دينيا مؤسسا على تراث مشترك مع بقية المسلمين؟ هنا يصبح التطرق للاجابة على هذا السؤال شائكا. ففي عالم ما يزال يتحسس من البحث العلمي والنقد الذاتي يصعب التوصل لنتائج واقعية سواء لعوامل النجاح ام اسباب الفشل. ومن هنا شعر الكثيرون بالصدمة حين برر الداعشيون جريمتهم بفتاوى لبعض العلماء المعتبرين لدى جمهور المسلمين، كالامام ابن تيمية. ليس المهم هنا ما اذا كان استنادهم للفتوى المزعومة صحيحا ام خاطئا، بل المهم ان يكون هناك استيعاب لحقائق عديدة: اولها ان لدى المسلمين تراثا ثقافية وفقهيا وتاريخيا هائلا ربما لم يتوفر لغيرهم من اتباع الديانات الاخرى، وذلك يعود لطبيعة الإسلام وما فرضه على اتباعه من اهتمام بالعلم، والحيوية التي اضفاها على المجتمعات التي دخلها. ثانيها: ان هذا الكم المعرفي الهائل اختلط فيه الغث بالسمين، وذلك يتطلب تمحيصا دقيقا واستعدادا لرفض ما هو من الموضوعات والدسائس والافتراءات. ثالثها: اعادة الحيوية للعقل كمصدر للعقيدة اولا والتشريع ثانيا والتمحيص المنطقي ثالثا، وتفعيل دوره في حياة المسلمين. وهنا قد يحدث تصادم بين من يدعو للعقلنة ومن يصر على اعتبار السلف واحدا من مصادر التشريع، فيمنع المساس به ويرفض علم «الجرح والتعديل» وما ارتبط بعلم الرجال في الفقه الإسلامي، كوسائل للتعرف على السنة النبوية الصحيحة. فقد انطلق فقهاء المسلمين، على تعدد انتماءاتهم، في ما طرحوه بهدف توثيق سنة رسول الله عليه افضل الصلاة والسلام. كان لدى هؤلاء ايمان بان تلك السنة مقدسة وتحتل المرتبة الثانية من مصادر التشريع بعد القرآن الكريم. هذا يعني ازالة القداسة المطلقة عن امور عديدة: اولها التاريخ الذي تكتبه عادة الاطراف القوية خصوصا ذوي السلطان. ثانيها: الاستمرار في الالتزام بمستلزمات علم الرجال ومبادىء الجرح والتعديل لفحص الحديث النبوي الشريف وازالة ما علق به من اجتهادات شخصية او وضع او افتراء. فما اكثر «الإسرائيليات» الموضوعة ضمن السنة الشريفة من قبل الوضاعين والمفترين بهدف تشويه الإسلام وحرف مساره. ثالثها: اعادة الاعتبار للعقل في عملية التحقيق المطلوبة. وقد يقتضي ذلك الفصل بين الاجتهاد والفتوى من جهة وعلم الحديث وما يتطلبه من تنقية وتحقيق من جهة اخرى. كما تقتضي الامانة العلمية والدينية اعادة قراءة النص التاريخي بلغة العصر مع الحفاظ على روح الشرع ومقاصد الشريعة، وعدم المساس بمبدأ «حلال محمد حلال إلى يوم القيامة».
ليس الهدف هنا طرح مشروع جديد للفقه الإسلامي، او محاولة لترجيح مدرسة فقهية على اخرى، او النيل من مناهج الفقه والاجتهاد او التقليل من كتب التاريخ والحديث، فبدونها لا يمكن التعرف على الدين بشكل موثق. فعلى اقل تقدير فان ذلك الموروث الديني يمثل نقطة انطلاق لاعادة صياغة ذلك الموروث بدون شوائب ما امكن. انها دعوة لاحياء روح الاجتهاد واعادة العقل لدوره في تسهيل مهمة التشريع والفتيا، بعيدا عن التعصب الديني او المذهبي او الانتماء لهذه المدرسة او تلك. ولكي يمكن تحرير العقل المسلم من تراكمات تاريخية ادت لابتعاد تدريجي عن روح النص الديني وخلقت تقديسا غير مبرر لامور كثيرة، فمن الضرورة بمكان ان يعاد قراءة ما طرحه مرتكبو جريمة قتل الطيار الاردني، معاذ الكساسبة التي هزت ضمائر البشر. فالتحدي الذي تمثله داعش ليس سياسيا او امنيا فحسب، بل ان له ابعادا دينية وأخلاقية هي الاساس في تجنيد شباب الامة لممارسة اعمال العنف والقتل الجماعي. مطلوب اعادة نقد المواقف والسياسات ذات الصلة بامور عديدة: اولها قضية فلسطين واعادة التوافق العربي والإسلامي والانساني لاعادتها إلى محور الاهتمام. ثانيها: مشروع التغيير الديمقراطي في المنطقة ودور مناوئي ذلك المشروع في تأسيس المشروع الداعشي وتمويله وترويجه، ثالثها: الموروث الديني والثقافي ودوره في تمكين قوى الثورة المضادة من تجنيد قطاعات شبابية واسعة واستدراجها لمشروع يهدف لاعادة توجيه الدفة بعيدا عن مبادىء تحرير الارض وحرية البشر.
رابعها: اعادة تفعيل دور المؤسسة الدينية بما يتيح لها ملء الفراغ العقيدي والفكري الذي ساهم في تعميق اليأس في اوساط الشباب وتسهيل استدراجهم نحو التطرف والعنف.
ان من السذاجة بمكان الاعتقاد بامكان احتواء الظاهرة المذكورة بالعنف المضاد الذي تمارسه الاجهزة العسكرية والأمنية، بل ان تجربة الاعوام الاخيرة وتجربة ما سمي «الحرب ضد الإرهاب» التي استمرت اثني عشر عاما، تؤكدان ان تلك السياسة ساهمت في توسيع دائرة العنف والتطرف والإرهاب ولم تقض عليها. من هنا اصبح مطلوبا اعادة قراءة ما طرحه الداعشيون من تبريرات فقهية وتاريخية لتبرير ما فعلوه، بموازاة اساليب التصدي العسكري والأمني ضدهم. وفي سبيل تحقيق ذلك تجدر الاشارة إلى اسلوبين للتعاطي مع الموروث التاريخي والفقهي: الاول ما فعله الداعشيون باسقاط الحوادث التاريخية التي طرحوها على الواقع الراهن، والثاني الانطلاق من الواقع الراهن لاعادة توجيه الوقائع التاريخية لكي تتماهى مع هذا الواقع. وكلا التوجهين لا يحقق غرض المراجعة المطلوبة. ان تقديس التاريخ والغاء العقل والتشبث بالعصبية للقبيلة او المدرسة الفقهية، وقبل ذلك وبعده، استعداد البعض للتنازل عن انسانيته التي انيطت بها كرامته، من اهم معوقات مشاريع الاصلاح السياسي خصوصا في ضوء التجاذب بين الدين والسياسة، كما هو الواقع اليوم.
٭ كاتب وصحفي بحريني يقيم في لندن
د. سعيد الشهابي