الشعر خطاب، بهذه العبارة التصنيفية التنظيمية يستهل خالد البلوشي كتابه «في القصيدة العمانية الحديثة». وهي دراسة علمية محكّمة صادرة عن مركز الخليل بن أحمد الفراهيدي للدراسات العربية في جامعة نزوى.
وعليه، لا يستثني الشعر العماني من ذلك التصنيف، حيث يقسمه قبل سبعينيات القرن الماضي إلى تيارين: أحدهما يساند الخطاب الديني، والثاني يساند الخطاب السياسي الرسمي، وذلك ضمن ما سمّاه بسياسة الجماعة، إلا أن القصيدة العمانية الحديثة، ويعني بها قصيدة النثر والتفعيلة، التي برزت بعد السبعينيات، فقد شرعت بالاتجاه من الإئتلاف إلى الاختلاف. وهذا الاختلاف برأيه «أتى أدنى إلى تجربة الإنسان فرداً منه إلى موقف ثابت مطّرد، أدنى إلى القلق منه إلى التحدي» حيث يربط كل تلك الانزياحات الأدبية بالتحولات السياسية في تاريخ عمان الحديث.
القصيدة العمانية (خارج التنظير والتوثيق) من منظور فاطمة الشيدي، التي يستشهد بها للتأكيد على غياب التنظير. في الوقت الذي يعدد فيه مجموعة من الدراسات ذات البعد الفني لمجموعة من الباحثين حول الصورة الشعرية، وظاهرة التناص والبنى الأسلوبية والحقول الدلالية، مقابل دراسات موضوعية تتعلق بالمرأة والأسطورة والبحر وأثر الفكر الديني، إلى جانب الدراسات العمومية داخل سياق التأريخ للأدب العماني. إلا أنه يؤكد على أن تلك الدراسات تتصف «بفقر التنظير وفقدان الصرامة المنهجية، فضلاً عن غلبة الطابع الشخصي الانطباعي» حيث يستشهد بمنظومة أخرى من الدراسات القائلة بتفاعل الشاعر العماني بمكانه، والاحتكاك بشعراء الحداثة العربية، والاطلاع على منجز الشعراء العالميين، مع إشارات صريحة إلى عزلة عمان النسبية. كما يظهر ذلك في دراسة الناقد العراقي ضياء خضير، الذي يستجلب سيّر الشعراء الذاتية وخبراتهم الحياتية لإلقاء الضوء على التجربة.
وبعد جولة في عدد من الدراسات الانطباعية والصحافية المتخفّفة من المنهج، أو تلك التنظيرية التي يغلب عليها الطابع الأكاديمي، التي تنم عن اختزالات مخلّة وإشكالات تنظيرية، يعود للتأكيد على غياب الدراسات المعنية بالقصيدة العمانية من منظور علاقتها بالخطاب السائد. وهذا هو المفصل الذي تعالجه أطروحته، حيث وقفت القصيدة العمانية من السائد – برأيه «موقف المختلف المعارض، لا موقف المؤتلف المعزّز، وأن هذا الاختلاف والتعارض لا يأتي مجسداً بتيار فكري ثابت مطرد، وإنما فيه قدر من الاضطراب والتردد، فالقصيدة الحديثة من جهة تتمرد على الخطاب الذكوري وتأبى التدجين وتحتفي بالنفي والموت، ومن جهة أخرى نراها مضطربة تتوق إلى ما يمثله ذلك الخطاب من يقين وطمأنينة».
على هذا الأساس جزأ دراسته إلى جزئين على هيئة فصول: الجزء الأول يحتوي على تمهيدين (نظري وتاريخي). أما الجزء الثاني فيتوزع على أربعة محاور: تمجيد الذاتي اليومي والتماهي مع المهمشين، والاحتفاء بالغياب والنفي والموت والاستنكاف من التدجين وخلق عالم بديل، والتمرد مصحوباً بالتذبذب والاضطراب، بالإضافة إلى خاتمة تلخيصية حول موقف القصيدة العمانية من السائد، ودعوة إلى تبني تيار ثقافي في النقد، حيث استشهد بنصوص مختارة لشعراء، لا لأنهم خير من يمثلون القصيدة العمانية الحديثة على المستوى الإبداعي، حسب منطوقه، ولكن بمقتضى منهج سياسي، بالمعنى الذي أسس له في مقدمته. فهو غير معني بالجوانب البلاغية والفنية. مع تأكيده الصريح على أن النصوص المنتقاة ليست أوعية ثابتة وقارّة، بل هي منفتحة على ديناميكية تفاعل بينه كقارئ وبينها كنصوص قابلة للتأويل من خلال مفاتيحها اللغوية والفنية.
في الفصل الأول يقدم توطئة نظرية للشعر كخطاب، اتكاءً على آراء لمجموعة من النقاد، لبلورة رؤية لعلاقة القصيدة العمانية الحديثة بالخطاب السائد. فيستشهد – مثلاً – بميشيل فوكو، القائل بأن «المعرفة ليست خارج علاقات القوة» ليؤكد على أن الشعر خطاب له آلياته وإجراءاته. كما أن الكفاءة الأدبية، من منظور جوناثن كولر، تعادل الدراية بالأعراف والتقاليد للقول الشعري. ويذهب إلى أن الخصائص اللغوية والشعرية لا توجد في النص، إنما في القارئ، حسب ستانلي فيش. وهذا القارئ ليس طليقاً، بل هو جزء من جماعة، وهي التي تخلق المعنى من خلال صور ذهنية حول العالم.
وبعد تطواف طويل في المقولات والآراء والمواقف يستخلص أن «الأدب يأتي إما متواطئاً مع الخطابات السائدة ومعززاً لها، وإما مخالفاً لها ومتحدياً إياها.
أما في التوطئة التاريخية للشعر العمودي، المتعلق بسياسة الائتلاف والاختلاف، فيميل إلى أن «جلّ الأدبيات العربية حول عمان تتناول الجانبين الديني والسياسي» حيث يلاحظ بروز ثيمتين في القصيدة العمودية: ثيمة مناصرة الجماعة السياسية الحاكمة، وثيمة مناصرة الجماعة. وفي هذا الإطار كان الفرد هو الضحية «الرأي عندي أن تجاهل الإنسان الفرد نتج من نسق ثقافي كان أكثر حرصاً على الجماعة منه على الفرد». وقد بدا ذلك واضحاً من خلال استعراض مجاميع شعرية تعمق هذا الاتجاه، من خلال استشهادات صريحة لينتقل إلى مجادلة القصيدة العمانية الحديثة على قاعدة الاختلاف والتعارض، حيث يراها «قوة سياسية» متمردة على الأبوي الذكوري، وممجدة للذاتي، ورافضة للسائد، ومحتفية بالغياب وعصية على التدجين.
وللتدليل على ما ذهب إليه استحضر مادة شعرية غزيرة، مكتنزة بالدلالات لهلال الحجري، وسماء عيسى، وزاهر الغافري، ومحمد الحارثي، وعبدالله حبيب، وحسن المطروشي، وعبدالله البلوشي، وعوض اللويهي، وفتحية الصقري، وإسحاق الخنجري، وسيف الرحبي، وأحمد الهاشمي، الذين يمثلون جانباً من عصر النهضة الحديثة، الذين يصنعون مجد الإنسان العادي. ويؤسسون لخطاب يقوم على محادثة الإنسان للإنسان. كما يقدمون العالم من منظور شخصي قوامه الإنسان أيضاً. بعيداً عن إكراهات المجتمع وقيوده وتصنيفاته، تحطيماً لكل الافتراضات التي تقولب الإنسان كأداة ثقافية في إطار ثقافي، وتمرداً على الرسمي والسائد، من خلال الوضعي واليومي والعادي والأرضي.
الخروج على السائد يتنصّص في أشكال وصور عدة يمكن تلخيصها في رفض النسق الثقافي القائم. وفي المحاولات الدؤوبة لخلق عالم «جديد تلتقي فيه الأضداد» انفلاتاً من قدسية الكتاب الديني ووصايا المؤسسة الاجتماعية، وضغوطات الخطابات الجمعية القبلية والقومية، فالذات الشعرية العمانية في هذا الإطار «تتوق إلى الفطري والطبيعي، لا إلى عالم أُدلِج ولا إلى خطاب قُنِن». وهي في حالة عناد ضد الأبوة التي تعادل السلطة. كما أنها ذات شاعرة تأبى الاهتداء بالخط السلوكي السّوي القويم الذي يمثل سياسة السائد، لأنها ذات داخلة في «جدلية البناء والهدم» ومنتجها «يؤكد استنكافه من أن يروّض حسب السائد، فهو إن نظر إلى نفسه من منظور الخطاب السائد رأى وحشاً غير قابل للترويض».
هكذا ينظر خالد البلوشي في دراسته الفطنة إلى الشعر العماني، الذي أتى – حسب قوله «في ظل خطاب اجتماعي». وقد ظل دوماً متقاطعاً ومتشابكاً مع الخطابات الأخرى، ولأن وعي القصيدة العمانية الحديثة انبنى على التعارض والاختلاف «جعل علاقتها بالمجمع عليه معقّدة». وهي سواء كانت متحدية أو مضطربة «تعدّ نقطة تحول في الخطاب الثقافي العماني. فهي منطلقها الفرد، شعوراً ورؤية، لا الفرد، ممثلا، للجماعة. وهي بذا تمثّل تحدياً لسياسة الجماعة المتمثلة في الإئتلاف والتعاضد، تعيد توزيع القوة، فتعطي الفرد حقًّا مسلوباً منه، حق أن يرسم ذاته بناءً على قواعدها. تمنحه الثقة أن تأويله من الحقّ حظّ تأويل الجماعة، لإعادة التوزيع هذه دلالة جدّ خطيرة في السياق العماني».
٭ كاتب سعودي
محمد العباس