تنورين اللبنانية: منحوتة الطبيعة وحاضنة شجر الأرز

حجم الخط
1

بيروت «القدس العربي»: تعتبر بلدة تنورين، الواقعة في جرود مدينة البترون والمطلة على امتداد الساحل اللبناني، لوحة طبيعية مذهلة لسلسلة من الجبال الخضراء المحفورة بخطوط الزمن البعيد. يقول المؤرخ الفرنسي فرنان بروديل إن تاريخ الجبال «غامض» وكذلك هو تاريخ جبال تنورين وأشجارها التي نمت عبر الآف السنين، على منحدرات عامودية تبدو وكأنها «تتحدى قانون الجاذبية». واسم تنورين، كطبيعتها، كناية عن تضاريسها الغامضة التي تشبه في شكلها، المحدّب والدائري، التنّور (ينبوع المياه الملتهبة الكامنة في جوف الأرض وجاش بشدّة من تنّور الخبز المعروف). ويقول البعض أن كلمة تنّور(ين) هي صيغة المثنى لقريتي تنّورين التحتا وتنّورين الفوقا.
تستحق الرحلة إلى تنورين العناء، ذلك أنها تتميز بمعالم طبيعية خلابة تتجلى في أنهارها وجرودها وصخورها وجبالها العاصية المحفورة كالمنحوتات إضافة إلى محميتها التي تعدّ من أكبر غابات الأرز في لبنان. وأكثر ما يميز بلدة تنورين، ثاني أكبر البلدات في لبنان، بواليعها (بالوع بلعا أو شلالات مغارة الجسور الثلاثة «اتارا جورجي») الذي فاز في المركز الأول في مسابقة أجمل 10 أماكن طبيعية في العالم على موقع «gags» في شهر أيلول/سبتمبر. كما تتميز البلدة البترونية بعدد لافت من مراكز العبادة التي أسست بين الحقبة الفينيقيّة والمسيحيّة. وفي جوف أحد الجبال، يضيئ من بعيد تمثال لمريم العذراء وضعه عجوز سبعيني يدعى العم طانيوس، يقول أنه ”يحرس درب المؤمنين ليلا». ويأمل العم طانيوس إلى تحويل مزاره إلى مركز للسياحة الدينية، وهو ما تعرف به تنورين، خاصة أنها تحتوي على حوالي 50 كنيسة.
وتنشط حركة السياحة في تنورين في فصلي الربيع والصيف حيث يتمتع الزائرون بالأنهار والشلالات والكهوف الطبيعية والأزهار التي تنبت على الارتفاعات مثل خزامى الجبل (نبات ضيق الأوراق) أو القابضة الشوكية (نبات ذو زهر قرنفلي أو أبيض). وبالرغم من ثروات البلدة الطبيعية والتراثية والتاريخية التي تجعلها واحدة من أهم الواجهات السياحية في لبنان، فإن سكانها يشتكون من إهمال الدولة ومشاكل في أبرز القطاعات التي تعتمد عليه وهو القطاع الزراعي، إضافة إلى أزمة كهرباء ومياه، هي التي تتميز بثروتها المائية الطبيعية. فقد استبدلت الدولة شبكة المياه الخمسينيّة بشبكة ”لم تصمد أنابيبها سنة واحدة” بحسب تصريحات صحافية لأهالي البلدة. وفي حين يقول البعض عن تنورين أنها ”عاصمة قضاء البترون السياسية” يشتكي عدد من سكان البلدة من حرمانهم من ميزانية الدولة فيما يخص البنى التحتية والقطاع الزراعي، والإهتمام بالطرق. وباتت هذه العوامل تؤثر بشكل كبير على النشاط السياحي فيها. ويقول نائب رئيس بلدية تنورين المحامي نعمة حرب أن ”البلدة تعاني من نقص انمائي كبير وتحتاج إلى الكثير من المشاريع.”

جغرافيتها

تميزت بلدة تنورين بجغرافيا فريدة من نوعها استمدت من تضاريس غاباتها ومحميتها الطبيعية مما جعل منها مقصدا للسياح وهواة المشي لمسافات طويلة في الطرق الصخرية والجبلية. وترتفع البلدة عن سطح البحر كمعدل وسطي 1450م. وتمتدّ على مساحة تقارب 92 كلم مربّع، من ”دومـــا إلى حدود اليمونة، ومن حدود العاقورة إلى حدود بشرّي وحدث الجبة، وتقع بين واديين وادي القديسين ووادي نهر إبراهيم، وبين أفقا وأرز الرّب.

شلالات باتارا جورجي

اكتشفت شلالات مغارة الجسور الثلاثة أو ما يعرف بـ «باتارا جورجي» عام 1952. ويقال أن هذه الشلالات، التي تقع في أعالي جرود البترون، تعود إلى الآف السنين وأنها من أجمل وأقدم الشلالات في العالم. وتعتبر من أهم المعالم الطبيعية التي تفتخر بها بلدة تنورين وتقع في كهف وتمر عبر ثلاث طبقات يتساقط من خلالها شلال على انخفاض 255 مترا خلال حفر كبيرة من صخور الحجر الجيري الجوراسي.

حائط روماني

تحتوي بلدة تنورين على آثار تعود إلى الحقب الفينيقية والرومانية واليونانية. وتتميز البلدة بحائط روماني يشــــكل الــيوم حدا فاصلا بين تنورين والعاقورة.
وتحوّلت في أواخر القرن الخامس ميلادي إلى بلدة مارونية، فكانت ملجأ للموارنة الهاربين من الظلم والاضطهاد. وأدى هذا التحول إلى إنتشار الكنائس والأديرة والمحابس فيها.
ومن أهم هذه الكنائس والمحابس: كنيسة السيدة، وكنيسة مار شليطا، ومحبسة مار يوحنا ومحبسة مار سركيس وباخوس.
وفي تنورين آثار كثيرة، ففي وطى حوب منحوتة قديمة تمثّل رجلا واقفا بين صغيرين. وتضم البلدة هيكلين يونانيين الأول في تنورين الفوقى والآخر في اللقلوق. وبنى الرومان في لبنان معابد كثيرة إلاّ ان ما تركوه في تنورين كان أثرين ليس بينهـــما معبد: الأول هو مرقب عيتمـــوت الذي يقــــول الخور أســـقف داغر عنه: «في غيمون، شمالي دير حوب، ســـور كبـــير يطوّق القمة، وفوق القمّـــة آثار مــرقــــب لم يزل قســـم من جدرانه قائماً، وركام الحصن المتهـــدّم يغطي سفح الجبل والحجارة منحوتة، وهناك عتبة عليها رسم بشريّ، وحجر عليه اسم ادريانوس قيصر. «الجمعية اللبنانية للإعلام السياحي».
وأقتصرت الآثار اليونانية في تنورين على أيقونات رسم الإلهة إيزيس حامية الملاحة. وتتميز صخور البلدة بنقوش تعود إلى القرن الثامن قبل الميلاد. ومن بين أهم المعالم الأثرية فيها، دير مار أنطونيوس في حوب، الذي يحتوي على بقايا معبد ورسـوم فينيقية. كما تعتبر الكنائس والأديرية الموجودة في البلدة من أهم معالمها السياحية والتراثية وذلك بسبب تحول البلدة إلى مارونية في أواخر القرن الخامس ميلادي. ومن هذه الكنائس دير مار أنطونيوس حوب (انتقل إليه رهبان من الرهبانية اللبنانية المارونية سنة 1785) وكنيسة مار شليطا (أثرية من الفترة الصليبية) وكنيسة مار سركيس، أثرية بيزنطية وكنيسة مار أنطونيوس الجديدة.

محمية الأرز

تعتبر محمية أرز تنورين من أهم المعالم السياحية بسبب امتدادها على غابات حدث الجبة البطريركية المارونية قنات نيحا وكفور العربة.
وتمثل المحمية، التي تبلغ مساحتها حوالي 620 هكتارا، واحدة من أكبر وأكثف غابات الأرز في لبنان إذ يقارب عدد أشجارها الستين ألفا، وهي تحتوي على 80٪ من أشجار الأرز و25 في المئة من غابات الأرز المتبقية في لبنان مما يجعلها «ذات أهمية على الصعيد الوطني».
وافتتحت سياحيا سنة 2005 ويزورها نحو 20000 سائح سنويا.
ويوجد في جوار المحمية عدد كبير من القرى الجبلية التقليدية منها، حدث الجبة، وقنات، ونيحا، وكفور العربي، والعاقورة، ووادي عين الراحة.

أهلها

يقدر عدد سكان البلدة بحوالي 40 ألف نسمة. وتختلف تنورين الفوقا عن تنورين التحتا من حيث عدد السكان والعلو، وتضم عددا من القرى الصغيرة التي تربطها سلسلة جبال وصخور. ومن هذه القرى حوب، وحريصا ، وشاتين، وبلعا، وقلاع البرج، ونبع الجديد، وعين الراحة.
ونقلا عن المخطوط المْعادي ومخطوط الأب بطرس مطر، فإن عدّة «عائلات كانت تسكن تنورين في القرن الثالث عشـر قـُبيل حملة المماليك على جبل لبنان. أبرز هذه العائلات: مطر، وغوش وشمعون وحريق وصدقه ولايا. وبين العامين 1268م و1306م اقتحم المماليك جبل لبنان بحملة تأديب في المنطقة، تشتّت تلك العائلات، منها ما قُتل ومنها ما هاجر ومنها ما اختبأ في الكهوف العديدة في ناحية تنورين. أما العائلات التي لم تنقرض من تلك المرحلة هي غوش ومطر ورعيدي، إذ أن الكثير من أحفادهم لا يزالون في نطاق تنّورين. أمّا باقي العائلات المتواجدة حاليّا في تنورين، فمعظمهم من سـلالة جرجس أبي قرقماز الثالث، الجدّ الفعلي لأكثر من 60٪ من أهل تنّورين.

مغارة الرهوة

تزخر البلدة بكمية كبيرة من المغاور والبواليع، التي أثارت اهتمام المنقبين الجوفيين فأجروا دراسات حولها.
وأهم مغاور وبواليع تنورين، بحسب الجمعية اللبنانية للإعلام السياحي هي:
ـ مغارة الرهوة وهي كبرى مغاور تنّورين، تعلو عن سطح البحر حوالي 2155 متراً، من مدخلها يخرج نبع (مصدره عمقها). يستعصي اجتياز المغارة على غير المحترفين، وصخورها ذات تعقدات متنوعة وجميلة.
ـ- مغارة اللقلوق أو مغارة مفيد تقع في منطقة تدعى «تمّ القبور» وعلى مدخل المغارة قوس طبيعي نصف دائري يعلو حوالي متر، يلي المدخل سرداب بطول 55 متراً يبدأ بارتفاع 20 متراً، لينتهي بارتفاع متر واحد. في نهاية السرداب قاعة بطول 15 متراً وعرض 15 متراً وعلو 10 امتار، وتنحدر المغارة من اولها إلى آخرها بزاوية 30 متراً وبطول 130 متراً وفي داخلها تعقدات وهوابط مزخرفة وجميلة
ـ مغارة نبع الشيخ، تبدأ بسرداب طوله 30 متراً وتليه مسافة بطول 25 متراً وعرض مترين ونصف المتر، وتحتوي كمثيلاتها على تعقيدات وصواعد وهوابط جميلة.

بالوع بعتارة

أهمّ البواليع وأضخمها، بالوع بعتارة الذي يبلغ عمقه 255 متراً ويقسم إلى أربعة أقسام، أولها (وهو الأعلى) 90 متراً، وهو عبارة عن 3 جسور مركبة. وتتوالى الأقسام الباقية مؤلفة برك ماء وسراديب وهوّات وقاعات.
وبالوع المحبسة عمقه 60 متراً (تابع لبالوع بعتارة)، سمي كذلك لأنه يشبه المحبسة وفيه سرداب وهوّتان ومقعران.
ويقع شمال بالوع بعتارة على مسافة حوالي 300 متر منه بالوع آخر يدعى بالوع جورة العبد، عمقه الاجمالي 244 متراً يتميز بسعته وكثرة تعقداته الكلسية وجمال المناظر في داخله. بالوع المغراق ذو الهوة الواسعة عمقه 55 متراً وله منحدر بطول 100 متر، وهوة صغيرة بعمق 25 متراً وسرداب بطول 70 متراً.
آخر البواليــع عــــين رومة التي كانت تدعى عين الرامة وهي مســتنقع يتجمع فيه الماء. وقد اعتبرت هذه العين عجائبية في وقت من الأوقات. وحقيقة الأمر ان هوّة صغيرة تجاور حوض ماء وتتصل به عبر فتحة صغيرة. فإذا ما استخرج منها الماء، ملأها مجدداً الحوض المجاور.

الزراعة

تميزت تنورين بالزراعة على مر السنين ذلك أنها تحتوي على أراض خصبة وبساتين كبيرة وتولي إهتماما كبيرا لدور المزارعين فيها. وعرفت بزراعة الفاكهة وتصديرها واشتهرت بأنواع التفاح فاعتمدت عليه كمورد أساسي وخصصت له عددا كبيرا من البساتين. (ففي تنورين أكثر من 300 ألف شجرة تفاح). إلا أن المزارعين يشكون من تراجع الموسم وتدني المحصول في الأعوام الماضية بسبب العواصف القوية وغياب التعويض المادي واهتمام الدولة.

تنورين اللبنانية: منحوتة الطبيعة وحاضنة شجر الأرز

ريما شري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية