اعلان البيت الابيض أمس القائل بأن الولايات المتحدة تعرف نوايا نظام الاسد باستخدام السلاح الكيميائي من جديد، وتحذيرها بأنها سترد بقوة إذا تم ذلك، يعكس خطوة استثنائية، لكنها ليست سابقة. اتبعت إسرائيل طريقة مشابهة بين الاعوام 2000 ـ 2006 عندما وصلتها معلومات عن نية حزب الله تنفيذ عمليات على الحدود، خاصة في منطقة هار دوف. وفي بعض الحالات استجاب حزب الله للتحذيرات المسبقة وجمد خططه.
في هذه الحالات فإن ما يوجد على الجدول هو الصلة بين خطورة العمل الذي يتم التخطيط له (وفرصة منع ذلك من خلال تحذير كهذا) وبين طبيعة المصدر الاستخباري الذي نقل المعلومة. من الواضح أن نشر النبأ يعرض الأمريكيين لخطر معرفة الاسد بمصدر المعلومات وتعريضه للخطر، سواء كان عميل بشري أو معلومات تم جمعها من خلال السايبر أو التنصت على خطوط الهاتف. نأمل أن يكون الأمريكيون قد أخذوا كل الاعتبارات مسبقا، وأن الحديث لا يدور عن زلة لسان متكررة للرئيس ترامب لروسيا في منتصف ايار، والتي في اعقابها حدث ضرر في جمع المعلومات عن داعش (حسب تقارير كثيرة، مصدر المعلومات في تلك الحالة كان إسرائيل).
قرار الادارة العودة إلى التهديد بالهجوم العقابي يستحق التقدير، بعد أن تقرر في نيسان اطلاق صواريخ على قاعدة سلاح الجو التابعة للنظام في حمص ردا على الهجوم الكيميائي في ادلب. وفي الحالتين ترامب على استعداد لاتباع خط اكثر نجاعة تجاه الاسد مقارنة مع التهديدات الفارغة لسلفه براك اوباما.
وبعد اعلان البيت الابيض اضافت سفيرة الولايات المتحدة في الأمم المتحدة، نيكي هايلي، نغمة تهديد لروسيا وإيران، اللتان تدعمان الاسد.
ولكن فيما يتعلق سياسة الادارة الأمريكية الجديدة، ما زالت هناك فجوة بين التهديد والافعال وبين الخطوات التكتيكية وبين السياسة الاستراتيجية في الشرق الاوسط. صحيح أن ترامب يبدو اكثر تصميما من اوباما، إلا أن جزء من هذا الامر يبدو ببساطة اتباع سياسة معاكسة لسياسة سلفه من اجل تأكيد الفرق بينهما. فعليا، بعد خمسة اشهر من أداء الرئيس ليمين القسم، يبدو أنه لا توجد لدى الأمريكيين سياسة واضحة في الشرق الاوسط.
عدا عن الحاجة إلى الظهور بأنهم متشددون ويعطون أولوية كبيرة للحرب ضد داعش، ليس من الواضح ما الذي يريد الأمريكيون تحقيقه في سوريا وفي كل المنطقة. تهديد الاسد جاء في ذروة احداث دراماتيكية في جميع ارجاء سوريا: الحصار المتصاعد على الرقة، عاصمة الخلافة الإسلامية داعش، الصراع بين المليشيات السنية التي يدعمها الأمريكيون وبين المليشيات الشيعية التابعة لنظام الاسد وإيران، من اجل السيطرة على المناطق الواسعة التي تركها داعش في دير الزور، الاحداث الجوية بين الولايات المتحدة وبين النظام وإيران في شرق سوريا، وجهود الاسد لاسترجاع مناطق واسعة في جنوب الدولة قرب الحدود الاردنية.
في جميع هذه الساحات يبدو أن ترامب لم يبلور بعد سياسة أو اهداف، رغم أنه يبدو وكأنه منح حرية التصرف لقادة القوات الأمريكية في الميدان (خاصة سلاح الجو، المستشارون والقوات الخاصة). إسرائيل ايضا تجد صعوبة في فهم ما الذي يريده النظام ـ في وزارة الدفاع والاجهزة الأمنية يدور نقاش حول ما الافضل الذي يجب أن يحدث: التصميم الأمريكي الاشد ضد إيران وروسيا سيؤدي إلى كبح جهدهما، أم أن هناك خطر للمواجهة المباشرة بين القوى العظمى، الامر الذي سيؤثر على ما يحدث هنا؟.
المشكلة ليست فقط أن الادارة الأمريكية لم تقم بملء جزء كبير من الوظائف في وزارة الخارجية والبنتاغون، التي تختص ببلورة السياسة الخارجية، بل أن إسرائيل ايضا تجد صعوبة في ترتيب طرق الاتصال من اجل مناقشة الشؤون الاستراتيجية مع ترامب ومساعديه. منصب رئيس الامن القومي لم يتم ملؤه في إسرائيل بشكل دائم منذ عامين، أي منذ استقالة الجنرال يعقوب عميدرور، وايضا في القنوات الاخرى، مستوى التنسيق ليس جيدا مثلما كان.
رئيس معهد بحوث الامن القومي في جامعة تل ابيب، الجنرال عاموس يادلين قال لصحيفة «هآرتس» إن مصالح الولايات المتحدة ومصالح إسرائيل في سوريا متشابهة تقريبا، لكن هناك حاجة إلى تعزيز التواصل بين الدولتين من اجل الاتفاق على نظرة مشتركة بخصوص الوضع هناك، الذي يزداد تعقيدا في مجالات كثيرة.
على خلفية ما يحدث في مناطق اخرى في سوريا،فإن الاحداث الاخيرة في هضبة الجولان تعبر عن ساحة ثانوية، هامشية تقريبا. في نهاية الاسبوع زادت المعارك بين نظام الاسد وبين متمردين سنة، ومن ضمنهم جبهة النصرة التابعة للقاعدة. وقد أدت زيادة التوتر إلى وصول النار غير المقصودة، التي اطلقتها قوات النظام، إلى داخل اراضي إسرائيل. وكان رد إسرائيل شديدا ورافقته تهديدات فظة، لكن فعليا لا تجد إسرائيل أي سبب لزيادة تدخلها فيما يحدث هناك، أو اتخاذ خطوات تتجاوز القصف العقابي، في حالة سقوط قذائق سورية في الاراضي الإسرائيلية.
هآرتس 28/6/2017