توجد استراتيجية عليا لحماس للمصالحة

حجم الخط
0

لا يمكن التنبؤ بأن تفجير النفق في كيسوفيم، الذي قتل فيه ثمانية نشطاء من الجهاد الإسلامي وحماس، سيجر وراءه ردا من قبل المنظمتين، ولكن يمكن التقدير بأن ذلك سيكون اختبارا مهما ليحيى السنوار، قائد حماس في قطاع غزة، كي يمنع أو يستوعب بسرعة هذه الحادثة من أجل الحفاظ على الاستراتيجية التي تبنتها مؤخرا حماس برئاسته.
إن الضجة التي ترافق عائلة نتنياهو والقانون الفرنسي، خلقت ضبابا كثيفا، نجح في فصل ما يجري على بعد بضعة كيلومترات عن الخطاب العام الإسرائيلي، برغم الإمكانية الكامنة المخفية فيه، لإحداث تغيير دراماتيكي في الوضع الحالي.
إن التدهور الحاصل في اقتصاد حماس ومكانتها السياسية نتيجة الإغلاق المتواصل الذي فرضته إسرائيل وسياسة السيسي والخطوات العربية ضد قَطَر وخطوات محمود عباس الأخيرة التي أدت إلى قيام السنوار، مثل سلفه إسماعيل هنية قبل عملية الجرف الصامد، بالاقتراح على محمود عباس إدارة القطاع. هذه الخطوة تم اعتبارها خطوة للخلف، لكن حسب رأي السنوار، هي تقدم حماس خطوتين إلى الأمام ـ هذه الخطوة ستحررها من المسؤولية عن السكان في غزة وتمكنها من الخروج من حدودها الضيقة إلى الضفة الغربية وشرق القدس وإسرائيل ودول المنطقة. السنوار يعترف بما لا تعترف به أغلبية الوزراء في إسرائيل: م.ت.ف، برغم ضعفها، هي المنبر الأفضل من أجل الوصول إلى اختراق حقيقي.
من أجل ذلك فإن السنوار والقيادة الجديدة المحيطة به بقراءتهم الصحيحة لتوق الجمهور الفلسطيني إلى هذه المصالحة منذ أكثر من عقد، على استعداد للذهاب بعيدا من أجل تحقيقها. وأكثر دقة، القيادة المشتركة. حسام بدران، المسؤول عن ملف المصالحة مع فتح من قبل حماس، قال في المقابلة الأولى التي أجريت معه في صحيفة «الحياة» الصادرة في لندن، إن «قيادة حماس الجديدة التي تستند إلى أسرى محررين (صفقة شليط)، التي لم تشارك في الانقسام الفلسطيني الداخلي، هي التي قررت أن تنهي بكل ثمن هذا الانقسام». التوضيح الذي قام بنشره فيما بعد لا يلغي الانتقاد الموجه للقيادة السابقة برئاسة خالد مشعل، التي واجهت انتقادا من قبل فتح لأنها خدمت أجندة الإخوان المسلمين وقَطَر وتركيا الذين لم يرغبوا في المصالحة الفلسطينية الداخلية.
حتى في موضوع الذراع العسكرية لحماس، ذهب السنوار بعيدا وقال في هذا الشهر: «نحن شعب ما زلنا في مرحلة التحرر الوطني، ونحن لا نستطيع التنازل عن سلاحنا. فهذا السلاح يجب أن يكون تحت مظلة وطنية شاملة يشارك فيها الفلسطينيون جميعهم، وهذه المظلة هي م.ت.ف. سلاح كتائب عز الدين القسام هو ملك للشعب الفلسطيني». أي أن م.ت.ف هي التي تمثل الشعب الفلسطيني. لذلك يجب عليها ضم التنظيمات كلها. وعندما سيحدث ذلك فإن حماس ستتنازل لمصلحة م.ت.ف عن سلاحها، على فرض أن حماس هي التي ستقود م.ت.ف.
قيادة حماس لا تتأثر بذر الرماد في العيون من قبل نتنياهو وحكومته الذين أعلنوا أنهم لن يقوموا بإجراء المفاوضات مع السلطة الفلسطينية التي تضم حماس. أولا، لأن الحكومة الإسرائيلية تعرف الأمر الأساسي جدا الذي لا يعرفه الجمهور الإسرائيلي وهو أن حكومة إسرائيل لم تتفاوض في أي يوم مع السلطة الفلسطينية، بل مع م.ت.ف فقط ـ الممثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني، التي رفعت الجمعية العمومية في الأمم المتحدة مكانتها من منظمة إلى دولة مراقبة في 29 تشرين الثاني 2012. وليس من صلاحية السلطة الفلسطينية إجراء مفاوضات على الاتفاق الدائم، وهي تستطيع أن تحل نفسها غدا، لكن «فلسطين» ستستمر في الوجود دولة مراقبة، حيث رئيس م.ت.ف هو رئيسها.
ثانيا، قيادة حماس تعرف موقف حكومة نتنياهو، الذي يرفض حل الدولتين. نائب إسماعيل هنية، رئيس المكتب السياسي، صالح العاروري، وهو أسير محرر أيضا، أوضح هذا الأمر في الشهر الماضي: «الطريق السياسية فشلت ولم تحقق أي شيء، ولم تجلب للشعب إنهاء الاحتلال. ولكن إضافة إلى ذلك، حركة فتح وشركاؤنا في المصالحة يؤمنون بهذه الطريقة، ويعتقدون أن الانقسام يخدم نتنياهو في تدمير هذه الطريق. نحن في حماس، لأسبابنا الخاصة، نريد إعادة وحدة الشعب الفلسطيني وتعزيز موقفه ومكانته وقدرته على مواجهة المؤامرة الصهيونية. نحن شركاؤهم في الرغبة في توحيد الساحة الفلسطينية من أجل أن نجني من ذلك فائدة من النشاط السياسي لمصلحة شعبنا وقضيتنا. نحن وشركاؤنا سنمضي لتحقيق مصالح شعبنا من خلال نشاطات مقاومة ونشاطات سياسية».
هذا يعني أن حماس لن تتفاوض مع إسرائيل، لكنها لن تزعج م.ت.ف بقيامها بذلك. وإذا احتاج الأمر إلى التنازل من أجل ذلك فإن حماس ستتنازل، فقط من أجل إظهار أن الطريق السياسية قد فشلت من دون أية صلة بالانقسام الفلسطيني. عندها تستطيع المجيء بأيدي نظيفة للجمهور الفلسطيني وأن تقول «لقد حاولنا كل السبل» مع اسرائيل، لهذا على فتح وعلى طريقها السياسي أن تخلي الطريق لحماس والمقاومة المسلحة؛ عودة إلى ميثاق م.ت.ف الأصلي، قبل اتفاقات أوسلو، الذي قدس الكفاح المسلح.
المصريون الذين لا تتطابق مصالحهم تماما مع مصالح إسرائيل، يفضلون توحيد الصفوف في العالم العربي أمام التهديد التركي الإيراني للقومية العربية. عباس الذي يعرف الشَّرَك الذي تم إدخاله فيه عن طريق المصريين، بموافقة أمريكية، ويعرف موقف حكومة نتنياهو، يفعل كل ما في استطاعته من أجل التملص من هذا الشَّرَك ومن اتفاق المصالحة. بعد لقائه الملك عبد الله، ملك الأردن، في الأسبوع الماضي قال «في إطار الاتفاق في القاهرة، يجب أن تكون هناك سلطة واحدة، قانون واحد وسلاح واحد، بصورة لا تكون فيها مليشيات، لأن هذا نموذج غير ناجح. هذا هو القصد من المصالحة». أي أن دخول حماس إلى م.ت.ف سيكون مشروطا باحتواء الذراع العسكرية.
في الظروف الحالية، الاحتمالات ليست كبيرة لإكمال عملية المصالحة وإنجاز الاتفاق. حماس التي ستتوقف من هذا اليوم عن جباية الضرائب في المعابر، ستبقى غير قادرة على دفع رواتب موظفيها. وحتى لو تم إيجاد حل مالي مؤقت، فإن عدم الاستقرار سيكون كبيرا إلى درجة ستمنعها من الاستمرار في البقاء لفترة طويلة.
كل تصعيد بين حماس وإسرائيل يحظى بدعم الجمهور الفلسطيني، وضمن الجو القائم، فإن فشل المصالحة سيقع على مسؤولية محمود عباس، الذي لن يستطيع اتهام حماس، ولن يكون أمامه خيار آخر سوى الانضمام إلى موجة العنف بطرق مختلفة. إسرائيل يمكن أن تواجه جبهة فلسطينية موحدة تكون فيها حماس هي الموجهة.
احتلال غزة، حسب وجهة نظر وزير الدفاع ليبرمان، سيوسع فقط الجروح النازفة. فحماس ستحظى بسيطرة أكبر في الضفة الغربية وشرق القدس وحتى في أوساط جزء من عرب إسرائيل.
حكومة عقلانية في إسرائيل كانت ستحاول تبني نظرية الجودو، وأن تجر حماس إلى داخل م.ت.ف. وفي المقابل، استئناف المفاوضات الجدية والناجعة من أجل التوصل إلى التسوية الدائمة. محمود عباس سيحصل على الهيبة المطلوبة من أجل ضمان أن لا يفقد كرسيه ليحيى السنوار. وحماس ستضطر رغم أنفها إلى الاعتراف بكل القرارات سارية المفعول لـ م.ت.ف التي تفي بشروط الرباعية وعلى رأسها الاعتراف بإسرائيل. ولكن يبدو أن مؤامرات عائلة نتنياهو ملحة ومهمة أكثر بالنسبة لحكومة إسرائيل.

شاؤول اريئيلي
هآرتس ـ 1/11/2017

توجد استراتيجية عليا لحماس للمصالحة
تفجير النفق سيكون اختبارا مهما للسنوار
صحف عبرية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية