الدوحة ـ «القدس العربي»: الأزمة الاقتصادية التي تعيشها دول المنطقة خصوصا الخليجية منها على ضوء تراجع أسعار النفط وتدني مداخيلها، حفزت صناع القرار إلى اتخاذ إجراءات عملية للحد من الهدر الذي تسجله جل الدول في مجال الطاقة لتحفيز السكان على ترشيد استهلاكهم لهذه الموارد خصوصا في المجتمعات التي يحظى أفرادها بمجانية استهلاك الماء والكهرباء.
وتزايد مؤخرا الاهتمام بمجال البيئة المستدامة بأبعاده الكلية على ضوء نتائج الدراسات الحديثة التي أشارت إلى ارتفاع معدلات استهلاك الأفراد للكهرباء والماء، وصنفت دول المنطقة على أنها من أكثر الدول استهلاكا للطاقة واحتلت مراتب متقدمة في هذا المجال.
دول المنطقة الأعلى استهلاكا للطاقة في العالم
وأشار صندوق النقد الدولي في تقدير أصدره مؤخرا إلى أن دعم الطاقة في المنطقة (دول الشرق الأوسط وشمال افريقيا) ككل تكلف ميزانيات الدول حوالي 273 مليار دولار في العام وهو ما يعادل 6.8 % من إجمالي الناتج المحلي للمنطقة، أو 22 % من الإيرادات الحكومية وهي تمثل 88 % من دعم الطاقة على المستوى العالمي.
وأمام هذا التحدي اللافت سارعت عدة دول إلى وضع خطط واستراتيجيات للحد من هذه المعضلة على ضوء نتائج دراسات عدة كشفت مكمن الخطر في هذا المجال.
ومؤخرا أشار المركز السعودي لكفاءة الطاقة إلى أن المملكة سجلت نسباً مرتفعة للغاية في استهلاك الطاقة الكهربائية، إذ إن متوسط استهلاك الفرد في المملكة يبلغ ضعف متوسط الاستهلاك العالمي. وأشارت الدراسات إلى أن كمية استهلاك الكهرباء في المملكة وصلت إلى 240.288 غيغا واط ساعة في العام، فيما وصل استهلاك الفرد إلى 8.23 ميغا واط ساعة. كما أن معدل الزيادة السنوية في استهلاك الطاقة يصل إلى 5 %.
والنسب نفسها تم تسجيلها في قطر التي أطلقت سلطاتها خطة لترشيد استهلاك الماء والكهرباء لارتفاع معدلات الهدر التي تم تسجيلها والتي صنفتها مع أكثر الدول استهلاكا إلى جانب الكويت والإمارات العربية المتحدة.
كما زاد استهلاك المياه في قطر بنسبة 70% خلال سبعة أعوام وفق دراسة نشرتها وزارة التخطيط التنموي والإحصاء القطرية تشمل الفترة الممتدة بين العامين 2006 و2013 مشيرة إلى أن استهلاك المياه زاد من 437 مليون متر مكعب إلى أكثر من 740 مليونا، في انعكاس للنمو السريع للبلاد.
وحسب الدراسة، كان استهلاك المياه «الحكومي» الأبرز على صعيد الزيادة، إذ ارتفع بنسبة 400% خلال الفترة المذكورة، أما استهلاك المياه في القطاع الصناعي فارتفع بأكثر من 200%.
والقطاعان الزراعي والسكني هما أكبر مستهلكين للمياه، إذ استهلك الأخير 245 مليون متر مكعب في 2013 مقابل 130 مليون متر مكعب في 2006.
وتشكل تحلية مياه البحر المصدر الرئيسي لمياه الشرب في قطر، في حين يعتمد على المياه الجوفية في الزراعة والري.
وأكد وزير التخطيط التنموي والإحصاء صالح النابت أن الحفاظ على مصادر المياه العذبة يعد من أولويات استراتيجية التنمية القطرية.
كما تشكل سلامة مصادر المياه إحدى النقاط الأساسية في «رؤية قطر الوطنية 2030» التي أطلقتها الحكومة عام 2008، وتشكل خريطة طريق واضحة لمستقبل قطر، وتمثل توجها لتطور البلاد الاقتصادي والاجتماعي والبشري والبيئي في العقود المقبلة.
المكيفات سبب رئيسي لهدر الطاقة
وأشار الخبراء الذين أشرفوا على هذه الدراسات إلى أن من بين الأسباب الرئيسية لهذه الظاهرة هو الاستخدام المفرط للمكيفات نتيجة العوامل المناخية ولكونها لم تكن ذات جودة عالية. وتحركت إدارات المواصفات والمقاييس في دول مجلس التعاون لتحدد بطاقة محددة للمنتجات التي يتم تسويقها محليا بفرض ضوابط صارمة على استيراد الأجهزة ذات الاستهلاك العالي للكهرباء والاعتماد على المكيفات المرشدة للطاقة.
ثورة في المجال العمراني
تدرك الدول التي تواجه هذه التحديات أن النهضة العمرانية التي تشهدها المنطقة وما رافقها من توسع في المنشآت الضخمة وزيادة أعداد السكان وتضاعفها ساهم في تسجيل هذه المعدلات المرتفعة لاستهلاك الطاقة ومع ما رافق هذه العوامل من ظروف طبيعية.
وفي سياق هذه التحولات التي يسعى صانع القرار لمواجهتها عقدت في الدوحة مؤخرا قمة التغير المناخي والبيئة المستدامة التي نظمتها «المنظمة الخليجية للبحث والتطوير» بالتعاون مع «اللجنة العليا للمشاريع والإرث» المعنية بمشاريع كأس العالم 2022 بمشاركة واسعة من خبراء ومتخصصين من الوكالات الدولية كـ»وكالة الطاقة الدولية» و»الأمم المتحدة» و»البنك الدولي» و»الاتحاد الأوروبي» وعدد كبير من المهتمين والمختصين من القطاعين الحكومي والخاص.
الحدث كان منصة مثلى للمشاركين لتبادل الخبرات ومناقشة الأفكار واستعراض آخر المستجدات في ما يخص القضايا المتعلقة بالتغير المناخي وتعزيز ممارسات الاستدامة في البيئة العمرانية.
التنمية المستدامة
وقال الدكتور يوسف الحر رئيس مجلس إدارة المنظمة في حديث لـ»القدس العربي» أن القضايا المتعلقة بالتنمية المستدامة أصبحت تشكل أحد التحديات الكبرى لدول المنطقة ودول العالم عموما لما يترتب عن الموضوع من تداعيات.
وأشار إلى أنه بالتزامن مع قمة الدوحة انعقد مؤتمر الأطراف للتغير المناخي في مراكش ليعكس التزام المنظمة وشركائها الاستراتيجيين بالمحافظة على البيئة وتعزيز ممارسات الاستدامة العمرانية لإيجاد مجتمعات ذات بصمة كربونية منخفضة وبيئة حياة صحية. وأضاف أن المنظمة الخليجية للبحوث تعمل على إجراء البحوث والدراسات لتقديم الحلول للمشاكل والتحديات التي تواجه القطاع العمراني مثل الحاجة إلى الحلول التقنية الحديثة في مجال توفير الطاقة والمواد الصديقة للبيئة. وتحدث في هذا الصدد عن الجهود التي تكاتفت مع اللجنة العليا للمشاريع والارث الجهة المشرفة على تنظيم كأس العالم لتحقيق رؤيتها الهادفة إلى تطوير تقنيات تبريد جديدة موفرة للطاقة. وكشف أن الجهود بدأت تؤتي ثمارها بالحصول على براءة اختراع لنظام مبتكر للتكييف يتجاوب مع الظروف المناخية والبيئية للمنطقة، حيث تشير النتائج الأولية إلى امكانية الحصول على توفير في استهلاك الطاقة في بعض الظروف إلى نسبة تفوق 50 %. وأضاف أن الأمر لم يقف عند هذا الحد بل وصل النظام لمرحلة النضج التقني الذي يتيح تصنيعه وتسويقه على المستوى التجاري وذلك بالتعاون مع أحد أكبر المصنعين لأجهزة التكييف في المنطقة.
مخططات عمرانية صديقة للبيئة
ومؤخرا بدأت عواصم خليجية تتجه إلى اعتماد مخططات عمرانية صديقة للبيئة حيث وضعت دفاتر شروط جديدة على المطورين العقاريين للالتزام بسياسات بيئية مستدامة تقوم على فلسفة استغلال الموارد البديلة للطاقة والاعتماد على الطبيعة خصوصا في مجال الضوء واستغلال الشمس المشرقة على مر أيام السنة بديلا عن المصابيح المهدرة.
وقال المهندس عيسى كلداري الرئيس التنفيذي لمدينة لوسيل إن الأخيرة الواقعة في شمال الامتداد العمراني لمدينة الدوحة تعتبر من أكبر التجمعات العمرانية المستدامة. واستشرفت باكراً معطيات اتفاقية باريس من حيث طموحاتها لخفض الانبعاثات الكربونية فعمدت على تطوير خطتها الاستراتيجية وفقا لمحاور عدة بدءاً من وضع اللوائح والقوانين، ومروراً بتهيئة البنى التحتية وتعزيز استخدام التكنولوجيا والتقنيات الحديثة، وانتهاء باتباع أفضل ممارسات التشغيل والإدارة.
وتستعد المنظمة الخليجية للبحوث في مجال الطاقة لتنظيم معرض green expo في شهر تشرين الثاني/نوفمبر والذي يعتبر منصة لعرض أحدث التقنيات الصديقة للبيئة والمواد الخضراء الموفرة للطاقة والحلول الذكية المستدامة.
ومن المتوقع أن يشارك في هذا المعرض المئات من الشركات المحلية الإقليمية والدولية للاستفادة من الفرص الاستثمارية والتجارية التي توفرها مشاريع البنية التحتية الضخمة في دولة قطر ودول المنطقة.
وتعكف المنظمة الخليجية للبحث والتطوير على إجراء البحوث العلمية في شراكات مع المنظمات المحلية والدولية، من المنظور الأكاديمي ومنظور البحوث التطبيقية، لتبادل المعرفة، وبناء شبكات لتعزيز البيئة العمرانية المستدامة. تشمل البرامج البحثية حفظ وكفاءة الطاقة، والطاقة المتجددة، والمواد، والمياه، وإعادة تدوير النفايات وتطوير قواعد بيانات المعلومات.
الشمس الخيار الأمثل
وأدركت عدد من الدول العربية أهمية امتلاكها لمصدر طاقة طبيعي غير ملوث للبيئة تتمتع به بشكل مطلق تأخرت في استغلاله بشكل أمثل وهو الشمس التي تشرق أيام السنة على أراضيها الشاسعة.
وتوقعت «الوكالة الدولية للطاقة المتجددة» في دراسة حديثة لها أن توفر دول المنطقة العربية 750 مليار دولار في حال استخدمت الطاقة المتجددة حتى عام 2030.
وقال الأمين العام للوكالة عدنان أمين في تصريح له إن تغيرا كبيرا حدث في ما يتعلق بتوجه دول الشرق الأوسط وشمال افريقيا نحو مصادر الطاقة المتجددة، خاصة خلال السنوات الثلاث الماضية.
وأشار إلى أن دول المنطقة العربية وضعت أهدافا للاعتماد على نسبة 5% إلى 15% من استهلاك الطاقة السنوي باستخدام الطاقة المتجددة حتى عام 2030.
وحسب أمين، فإن نسبة نمو قطاع الطاقة المتجددة حول العالم بلغت خلال العام الماضي نحو 17٪، مشيرا إلى توقعات نمو بنسبة 34٪ بحلول العام 2030.
ودعا إلى ضرورة الاهتمام بقطاع الطاقة المتجددة «نظرا لما يمر به الاقتصاد العالمي من أزمات» مشيرا إلى أن السيناريوهات المقبلة لصناعة النفط والبتروكيميائيات تعتمد على الطاقة المتجددة.
وأكد أن تكلفة إنتاج الطاقة المتجددة تراجعت في الفترة الماضية بنسبة 80٪ «ولا سيما في منطقة الشرق الأوسط، وأن تلك الطاقة أصبحت منافسا قويا للطاقة التقليدية».
يشار إلى أن العديد من الدول العربية – وأهمها السعودية- تقوم بدراسة التحول لإنتاج الكهرباء باستخدام الطاقة الشمسية بدلا من النفط لاستغلال أشعة الشمس لتوفير أكبر نسبة من الطاقة النظيفة.
وأفادت تقارير أن السعودية تتجه لخصخصة قطاع الكهرباء والتحول نحو الطاقة الشمسية والطاقة البديلة في المرحلة المقبلة، وذلك في إطار مساعيها للتقليل من استخدام الوقود الأحفوري في الإنتاج.
وطبقا لأمين، فإن قيمة الاستثمارات في مجال الطاقة المتجددة في العالم في 2014 بلغت نحو 270 مليار دولار، وارتفعت إلى 330 مليار دولار في 2015.
وقام المغرب بالاستثمار في مشاريع إنتاج الطاقة المتجددة على نطاق واسع منذ وقت بعيد وبدأت هذه الاستثمارات تبرز بشكل أوفر في الفترة الحالية، بعد تدشين المجمع العملاق نور1 للطاقة الشمسية الواقع قرب مدينة ورزازات. ويعتبر هذا المجمع أكبر مركب للطاقة الشمسية في العالم، ومن المتوقع أن تنتج محطة نور1 ما يكفي من الطاقة لأكثر من مليون بيت، مع قوة إضافية سيتم تصديرها إلى أوروبا وافريقيا في نهاية المطاف، وفقا للبنك الدولي.
توجه دولي نحو الطاقة الشمسية
وأعلنت الوكالة الدولية للطاقة المتجددة أن مجموع الوظائف في هذا القطاع بلغ حاليا 8.1 ملايين وظيفة، بنمو نسبته 5% عن العام الماضي، في نمط يعاكس انخفاض وظائف قطاعات الطاقة الأخرى.
وقالت الوكالة في تقرير حديث أن «أكثر من 8.1 مليون شخص عالميا هم حاليا موظفون في قطاع الطاقة المتجددة».
ونقل التقرير أن «النمو المتزايد في قطاع الطاقة المتجددة لافت لأنه يعاكس الأنماط الأخرى في قطاع الطاقة» في ظل التراجع الحاد في أسعار النفط عالميا.
وأضاف أن هذه الزيادة «مدفوعة بتناقص تكاليف الطاقة المتجددة وإطارات السياسات العامة التي باتت تسمح لهذه الطاقة بالنمو مع توقعات باستمرار هذا النمط مع تعزيز الجدوى التجارية للطاقة المتجددة ومضي الدول لتحقيق الأهداف المناخية التي اتفق عليها في باريس». وأوضح التقرير أن الجزء الأكبر من الموظفين في الطاقة المتجددة (2.8 مليون) يعملون في قطاع ألواح الطاقة الضوئية، بزيادة 11%.
وأعلنت الوكالة الدولية للطاقة المتجددة في نيسان/أبريل الماضي أن الطاقة المتجددة حققت نموا قياسيا عالميا في عام 2015 بلغ 8.3% ليرتفع إنتاجها إلى 1985 غيغاواطا.
سليمان حاج إبراهيم