تونس ـ «القدس العربي»:إذا بسطت الشمس جناحيها وحطت رحالها فوق ذهب الرمال فاعلم انك في توزر. جنة الواحات التونسية، حيث حوالي ألف هكتار من واحات النخيل الغناء. هنا للترحال معنى آخر وللصحراء ألغاز وأسرار لا يدركها سوى عاشقوها. لذلك أصبحت توزر الوجهة الأولى للسياح الوافدين إلى تونس والمقصد للمشاهير من كل الأقطاب.
توزر هي إحدى أهم الواحات الأكثر شهرة في العالم، أطلق عليها الرومان قديما اسم مدينة الأحلام أو باب الجنة. تقع في الجنوب الغربي من تونس، على الحدود الجزائرية والحدود الشمالية الشرقية للصحراء التونسية ويحدها شرقا شط الجريد.
اكتشف فيها علماء الآثار أواني وأسلحة حجريّة تدل على وجود الإنسان في منطقة الجنوب الغربي لتونس وتعود إلى ما يزيد عن مئة وخمسين ألف سنة مضت في المثلّث الذي يربط بين مدن قابس وقفصة وتوزر حول شط الجريد. واكتشفوا أيضا آثارا تعود إلى ما يسمى «عصر المنتجين المربين» أي ما يزيد عن ستة آلاف سنة، مثل الرّسوم المنقوشة على الصّخور في الكهوف الموجودة في الجبال المحيطة مثل جبل المليحي قرب مدينة تمغزة الواقعة إداريا في ولاية توزر.
شاعر الخضراء
الشاعر التونسي حفناوي البرهومي هو من عشاق هذه الولاية، وله علاقة خاصة بها وبشاعرها الكبير الرمز أبي القاسم الشابي وهو أيضا من الزائرين الأوفياء لها في المواعيد الثقافية والمهرجانات التي تعج بها أجندة المدينة أو من غير مناسبة. يقول لـ «القدس العربي»: «لتوزر مكانة خاصة في البلاد التونسية، فهي مسقط رأس شاعر الخضراء أبي القاسم الشابي، وأبياته التاريخية محفورة على واجهات المؤسسات العمومية ومداخل المدينة». ويضيف :»تعرف المدينة بواحاتها الشاسعة ونخيلها الباسق الذي يعطي أكله بداية من شهر تشرين الاول/اكتوبر من كل سنة. إذ تشهد هذه المدينة عرسا وحركة لا مثيل لها، فهي عروس الجنوب الساحرة والخلابة».
ويوضح بالقول:»لتوزر فضاءات ثقافية وتاريخية وملاهي وغيرها، منها بالخصوص روضة أبي القاسم الشابي الموارى جثمانه فيها، وربوة الشابي المحاطة ببعض الآلات الموسيقية المجسدة والعملاقة المنتصبة فوق القمة. كذلك دار شريط التي تحتوي على متحف يروي مخزون وبعض موروث البلاد والجهة بصفة خاصة. أيضا مدينة «شاق واق» رشيقة البناء والهندسة، والتي ينتصب فيها مقهى على امتداد فضاء شاسع وتعرض المأكولات والمشروبات بأصنافها إلى جانب إقامة بعض الحفلات تحت خيمة عملاقة أعدت للغرض.
تراث شعبي وأكلات متعددة
تشتهر توزر، عروس الصحراء التونسية، بحسب الشاعر التونسي، ببعض المأكولات الخاصة بها منها «المطبقة، البركوكش، السفة، الدبارة، الهريسة». ويستهلك أهلها لحم الإبل الذي يسمونه «الحاشي» ويقبلون على شرب حليب الناقة و«نبيذ اللاغمي» المستخرج من النخيل. ويضيف البرهومي:»رصت مباني توزر بآجر خاص محلي الصنع يميز المدينة الصحراوية عن باقي المدن التونسية حتى يحمي أهلها من حر الشمس وبرد الشتاء في آن معا». «هذه توزر التي تعجب من لا يعجب بشيء يطيب فيها العيش وتحلو فيها الحياة بسلام» هكذا يصف محدثنا مدينة الشابي الشامخة في ربوع الصحراء التونسية الآسرة لزائريها من الداخل أو القادمين إليها من الخارج عبر مطارها الدولي. ويتابع :»لقد أسس ابن شباط، المهندس والقاضي، المنتصب تمثاله في مدخل الواحة، لتوزر برنامجا محكما في توزيع المياه عبر السواقي التي تسيل في نسق واتزان لتسقي النخيل وبعض المغروسات المحمية كأشجار الرمان والموز والتفاح والأعناب وغيرها».
الصناعات التقليدية
تعد توزر من المدن السياحية التونسية، إذ أن فيها العديد من الفنادق الفخمة والمطاعم والمقاهي وفضاءات الصناعات التقليدية. ويكفيك ان تجول في طرقاتها حتى تستهويك حرفية معروضاتها فتستدرجك لشراء بعض الهدايا المصنوعة من وبر الإبل وسعف النخيل.
وتشتهر الولاية الصحراوية بصناعة المنسوجات ذات الجودة العالية، ويعتبر المرقوم والكليم من أشهر أنواع السجاد في المنطقة. كما توجد منتوجات تقليدية أخرى تميز مدن الولاية وحتى المدن القريبة مثل قبلي أو دوز على غرار الجلود والملابس الصحراوية والحلي والمصاغات والسعف وغيرها من المنتوجات الصحراوية المميزة في توز ومحيطها.
وتنشط الرحلات السياحية في المدينة لزيارة الواحات المنتشرة في ربوع الولاية سواء تعلق الأمر بواحات جبلية أو صحراوية وذلك من خلال السيارات رباعية الدفع أو عن طريق استخدام الإبل. كما تشتهر المنطقة المحيطة بها بالرحلات السياحية التي تتم بالقطار الأحمر القديم الذي صنع في القرن التاسع عشر وكان مخصصا لملك البلاد الذي يسمى في تونس «الباي». ويشق هذا القطار الفيافي والقفار ويتلوى كثعبان بين الجبال الصخرية ويلج كهوفها في مشهد شبيه بالغرب الأمريكي وأفلام رعاة البقر.
مياه عذبة وسط صحراء قاحلة
تتميز توزر بمياهها العذبة رغم وقوعها على مشارف الصحراء التونسية التي هي جزء من الصحراء الكبرى الإفريقية، ففيها عيون تنبع من تحت الكثبان الرملية في بعض الأماكن ومن الصخور المنحوتة في أماكن أخرى، فتشكل هذه العيون المتدفقة جداول وأنهارا صغيرة وشلالات خصوصا في واحات تمغزة والشبيكة وكذا واحة ميداس المتاخمة للحدود التونسية الجزائرية.
وفي واحة «توزر» تحديدا، التي تتميز بكثافة نخيلها بشكل لافت، تتدفق المياه بكثافة من عيون في منطقة تسمى رأس العين تشكل جميعها نهرا صغيرا ينقسم إلى ثلاثة أودية تنقسم بدورها إلى ستة جداول تتوزع وتنتشر على كامل الواحة. وتوجد في النهر الأصلي آثار سدود تعود إلى زمن العلامة والمهندس ابن شباط الذي قسم المياه بطريقة وصفها البعض بـ»المعجزة». والغريب أن بعض الأماكن في السهول التونسية التي تشهد سنويا تساقطات مطرية معتبرة بدأت تعاني من نقص في المياه الجوفية فيما توزر الصحراوية البعيدة عن البحر لا تنقطع مياهها الباطنية عن التدفق بقوة، من خلال العيون، لتسقي الواحات التي توفر للبلاد إنتاجا معتبرا من التمور ذات الجودة العالية تتوجه في جانب منها نحو التصدير لتدر على البلاد أرباحا هامة من العملة الصعبة.
ويفسر البعض هذا المخزون الهام من المياه في توزر ومحيطها بوجود مائدة مائية ضخمة في تلك الربوع تعود إلى العصور الغابرة وقبل التغيرات المناخية التي شهدها كوكب الأرض، حيث كانت المنطقة تعرف نزول كميات هامة من الأمطار والثلوج وكانت تعج بالحياة البرية حول ما يسمى اليوم شط الجريد الذي كان بحيرة كبرى في تلك العهود التي سبقت ظهور الإنسان على وجه البسيطة، ولعل عظام الديناصورات والمتحجرات التي عثر علماء الجيولوجيا عليها في ربوع الجنوب التونسي تدعم هذا الرأي.
واحات غنّاء
وتحتوي المدينة على معالم ومواقع أثرية عديدة مثل رأس العين التي تضم هضابا أهمها «الكعبي» التي كان الشاعر أبو القاسم الشابي يحبذ الجلوس فيها ليخط أروع القصائد الرومانسية والوجدانية والملحمية. كما كان هذا المكان مستقرا لأهل الجريد (أهل توزر والمدن المحيطة بها) كناد للقاء وتبادل الأخبار والأفكار والسمر، باعتبار أن العمل في توزر موسمي زراعي ما يضطر السكان إلى قضاء فترة هامة من السنة في انتظار المحاصيل من التمور. وفي حديثه عن رأس العين قال العلامة إبن الشباط «زر توزر إن شئت رؤية جنة تجري فيها من تحتك الأنهار».
وفيها حديقة متميزة للحيوانات لا يمكن لزائر المدينة من التونسيين والعرب والأجانب أن لا يتجول في ربوعها ويقضي فيها أوقاتا ممتعة. وسبب تميزها هو اقتصارها على الحيونات الصحراوية دون غيرها مثل الجمال والنوق والغزلان والحبارة والفنك وغيرها، ما يعطي الإنطباع أن هذه الصحراء التي يعتقد أنها قاحلة تعج بالحياة.
متحف دار شريط
ويبقى متحف دار شريط من أهم ما أنجز في توزر في العصر الحديث، فهو مكان يختصر تاريخ تونس منذ النشأة وإلى يوم الناس من خلال مجسمات حقيقية لشخصيات وأبطال عرفتهم الخضراء عبر تاريخها الطويل مثل قادة قرطاج وكبارها والفاتحين المسلمين وقادة الحركة الوطنية وغيرهم. يسير المرء في مسلك طويل يضم قاعات، في كل قاعة حقبة تاريخية بديكوراتها وتزدحم فيها التماثيل مع وجود تسجيل لراو يتحدث عن تفاصيل تلك الحقبة الغابرة. كما توجد مدينة الأحلام، وهي مجسمات متحركة لشخصيات وديكورات قصص ألف ليلة وليلة، فيطالعك علاء الدين ومصباحه وبساطه الطائر والسندباد ورحلاته العجيبة وعلي بابا ولصوصه والبجع الأبيض الجميل ينساب في نهر اصطناعي بين جنبات المدينة سائرا صوب مدينة النحاس. وبالقرب من هذه المدينة الساحرة ليلا يوجد متحف العادات والتقاليد التونسية وفندق من فئة الخمس نجوم تابع للمركز السياحي وعدد من المقاهي والمطاعم.
روعة قاسم