انّ المآسي التي حلّت بالشرق الأوسط هذا الصيف ستغيّر تماما مكانة هذه المنطقة في النظام العالمي ، و ذلك باعادة توزيع الأوراق على الجهات الفاعلة في المنطقة.
فان نجاحات تنظيم «داعش» و قيام «الخلافة» بين سوريا و العراق سيؤدي حتما الى اعادة اعتبار الحكومات الغربية، و على رأسها الولايات المتحدة، لمواقفها في شأن قضايا الشرق الأوسط.
فأوّل نتيجة لظهور «الدّولة الاسلامية» هي نوع من مرونة جديدة لدى الرأي العام الغربي فيما يخص القضية السورية و نظام بشار الأسد، اذ بدأ بعض المحللين و السياسيين هنا في فرنسا بالادلاء باقتراحات لم يكن يتصورها أحد قبل سنة بالضبط، حين أراد الرئيس الفرنسي فرانسوا أولاند القيام بتدخل عسكري ضدّ بشار الأسد.
هذه الاقتراحات تتمثل في فكرة تحالف مع القوات الحكومية السورية، في اطار تحالف أوسع يضمّ ايران، للقضاء نهائيا على «داعش» العدوّ المشترك.
و العلامات الأولى لهذا التغيّر في الخطاب الديبلوماسي بدأت تظهر الأسبوع الماضي، حين أعرب وزير الخارجية الفرنسي لوران فابيوس عن أمله أن تتحرك ايران و كافة دول المنطقة ضدّ تنظيم «الدولة الاسلامية» الارهابي، اضافةً الى ذلك تصريحات رئيس هيئة الأركان الأمريكي، مارتن دامبسي، الخميس الماضي الذي أصرّ على ضرورة مرافقة العمل المسلح ضدّ «داعش» بجهود ديبلوماسية في المنطقة.
هذه الجهود ستكون حتما اتجاه عدّة بلدان، أوّلا ايران التي تلعب دورا فعالا في المنطقة والتي يمكن أن تزن بكل ثقلها على الشّيعة في العراق و على نظام حليفها بشار الأسد.
ذلك لهدف تجنيد الشيعة على الأرض لدعم ضربات جوية أمريكية محتملة، خاصة و ان سوريا أبدت، على لسان وزير الخارجية وليد المعلم، استعدادها لتعاون اقليمي و دولي لمكافحة الارهاب.
بالطبع، هذه «الصفقة الدبلوماسية» لن تتحقق الاّ بمقابل قبول عودة (ولو تدريجيا) ايران الى المحافل الدولية، و بمقابل أيضا اعادة اعتبار الولايات المتحدة و فرنسا لموقفهما اتجاه نظام الأسد.
ومن جهة أخرى، أصعب الجهود الدبلوماسية هي التي تقام اتجاه المملكة السعودية التي تساند السنّة في العراق وسوريا.
فحسب مارتن دامبسي، يجب على كلّ الدول المجاورة اقناع السنّة على أنه لا يوجد أيّ مستقبل مع تنظيم أبو بكر البغدادي، وهذه المهمة ستعود حتما على قطر من خلال النفوذ الذي تتمتع به في أوساط الاخوان، و على السعودية من خلال نفوذها في الأوساط السلفية. وذلك لهدف تهميش «الدولة الاسلامية» على أراضيها و خلق تحالف سنّي شيعي لمحاربتها. وصعوبة المهمة تتمثل في الحفاظ على شيئٍ من التوازن بين الجهود المطلوبة من المملكة، و التنازلات الغربية لصالح ايران و الأسد.
فبالرغم من خطورة الوضع على جميع دول المنطقة، مهما كانت اختلافاتها الدينية والعرقية، فمن الصعب ( وللأسف ) تصوّر كلّ هذه البلدان حول طاولة واحدة، في محاولةٍ لايجاد حلٍّ لمصيبةٍ «داعشية» شوّهت صورة الاسلام بوحشيتها، وفتحت أبواب جهنّم على كلّ المنطقة.
علي بسام الحاكم