1 . هذه بعض التوضيحات لمن ما يزال يفسر الوقائع باعتماد العوامل الخارجية وحدها، كي لا أقول في ضوء مقولة «المؤامرة»، عامة. وبعض الأجوبة عن الأسئلة التي يطرحها عبد الصمد بلكبير، خاصة، لاسيما وأنه باتت الآن تظهر بين الفينة والأخرى تحليلات «جديدة» تؤكد أن مخططات خارجية وراء أحداث الربيع العربي.
2 .من الدروس الأولى التي تعلمناها، ونحن يافعون، درس «في التناقض» الذي يكشف بالمنطق وبالواقع الملموس، أن العوامل الموضوعية ـ الخارجية مؤثرة، لكن الحسم لا يكون إلا للعوامل الذاتية ـ الداخلية. والمثال الذي يمكن أن تدركه كل الأذهان، هو البيضة والفرخ. فإذا كان العامل الخارجي هو الحرارة، فإن الدرجة «إياها»، لا يمكن أن تحول الحجرة إلى فرخ.
3. لا أحد يمكنه أن يقول بأن الاستعمار انتهى. لذلك أرى أن مصطلح «ما بعد الاستعمار» تعبير تلطيفي، لأنه يريد إنهاء حقبة، ظلت وصمة عار في جبين الدول «الديمقراطية». فليس هذا «الما بعد» سوى استعمار جديد، لأن العوامل الخارجية نفسها، مثل المناخ، متغيرة حسب فصول تطور التاريخ.
4 . كذلك العوامل الذاتية، تخضع للمنطق ذاته، فالفرخ ليخرج من قشرة البيض، يحتاج إلى اكتمال زمان التفاعل. الشعب العربي، انهارت أمامه كل الأساطير التي ظل يعلق عليها آمال تغيير واقعه الاجتماعي. وكان الحرق الذاتي النقطة التي أفاضت الكأس.
5. صور الحرق امتدت أزيد من أربعة عقود: قمع ممنهج وتواطؤ مع الاستعمار الجديد، وفساد… فكانت الهجرة في قوارب الموت، احتراقا. وكان تناول المخدرات حرقا للذات، وكان التحزم بالمتفجرات حرقا للذات والآخر. وما تزال الحرائق الموضوعية والذاتية قابلة للاشتعال. أليست البراميل المتفجرة، نظير الأحزمة الناسفة؟ لا فرق بين الاحتراق الذاتي، احتجاجا، ولا الانتحار البطيء، أو العاجل، سوى رفض للواقع وهروب منه، بحثا عن فردوس: بعضهم يراه في «المفقود»، وبوابته الأندلس، وآخر، في «الغبار المتصاعد «، وثالث، في الرحيل إلى العالم الآخر.
6. توالي صور الحرق انتهت إلى الطريق المسدود، فقال الشباب، ومن ورائه الشعب: «كفى». نريد «فيزا وباسبور»، ولكن، إلى هنا. وكانت البداية احتجاجات بسيطة، منفعلة، وغاضبة، وشعارات متواضعة. وكان الرد عنيفا. وتدحرجت كرة النار. هذا ببساطة هو الربيع العربي.
7. الإعلام، الفيسبوك،،، عوامل مساعدة، وليست حاسمة. لماذا لم يغير الإعلام ولا الدعم ما يجري في سوريا، وقد مر على ما وقع في درعا ثلاث سنوات، والحرق «الموضوعي» لا يني يهجر الشعب السوري، ويقتله يوميا، ويدمر بنياته؟ هنا يمكننا استحضار العامل الخارجي ـ الاستعماري، كعامل مساعد لديمومة هذا الواقع. والقصد: التدمير الذاتي. التقارير، والتصريحات، والتفسير الاقتصادوي: من الخوصصة إلى المجانية،،، علامات ظلت مستخدمة منذ الاستعمار، وستظل مستمرة، كعوامل لتجميد أي تحول في المنطقة. وهذا قانون الصراع.
8. في غياب مجتمع سياسي ناضج، ومجتمع مدني مسؤول، لأن الصيرورة الداخلية أفرغتهما من أي محتوى اجتماعي نشيط، وفعال، كان الإسلام السياسي الذي حافظ على وجوده هو البديل الذاتي. فتساوت رغبة العوامل الخارجية، ظاهريا، والداخلية، باطنيا، في تحقيق مطالب الربيع العربي، وكانت الانتخابات الفيصل الداخلي.
9. لكن التحول الذي حصل مع الربيع العربي، استغلته كل الأطراف المتصارعة لفائدتها، فظهرت الطائفية، والمذهبية، والنزعات الانفصالية، ومورس الإقصاء نفسه الذي كان يتم تحت ذريعة الوحدة والأمن والاستقرار. هذا هو العطب الذاتي.
10. خرج الفرخ من البيضة، وبدل أن يتنفس هواء نقيا، يسمح له بضمان حبة قمح، انتفض من أجلها، بات مطاردا من الجميع داخليا، وذاتيا، وهو لا يقوى على الحراك، والكل يريد أن يتخذه له غنيمة، وبالمنطق السابق إياه. فكان أن وجدها العامل الخارجي فرصة سانحة، فتدخل تارة، وتفرج أخرى، وظل يتفرج، رغم استعمال الأسلحة الكيماوية… لكنه الآن سيتحالف، وبسرعة، مع عدوه النووي، ويبعث بوارجه مجددا، إلى الخليج العربي. فأين الخارجي والداخلي، في هذه الصيرورة؟ إن العطب ذاتي، يُمكِّن النسر الموضوعي والأسد الذاتي معا، بالانقضاض على الفرخ، المرتعش للحياة، في التوقيت الذي يشاء. إنها تقوقىء. «وما حدها تقاقي، وهي تزيد في البيض»؟… ولكننا لا نفهم لغة «القوقأة»، أو لا نريد تعلمها، سيان. إن تفسير الظواهر بالعوامل الخارجية، ليس سوى تبرئة للذات، وإعلان خضوعها لـ«قدر» خارجي لا راد له؟
سعيد يقطين