توقيع رواية «معبد أنامل الحرير» للمصري إبراهيم فرغلي

حجم الخط
0

القاهرة ـ «القدس العربي» محمد عبد الرحيم: «الأصل هو المنع، والاستثناء الإباحة، كان صارماً متشدداً يرى في كل خروج عما يعتبره صحيح الأخلاق انحلالاً ودعوة لوقوع العباد في أسر الرذيلة.. كل نص أدبي أو فني أو كتاب مجرّم حتى تثبت براءته». الرواية.
أصبح العالم الموسوم بالعربي يعيش عصره الظلامي بامتياز، مصادرة الكتب، حبس أصحابها، القضاء على كل فكر مختلف مع السُلطة، سياسية كانت أم اجتماعية، فكان لابد من البحث عن مهرب ولو بالحيلة، يتمثل في خلق عالم يليق بكل الحالمين بحياة حقيقية مختلفة. عالم آخر يليق بالكتب والكتابة والفنانين والشعراء والعشاق، عالم ينتظر اللحظة المناسبة ليخرج إلى النور، ويبدد كل هذا الظلام. ولا يهم مَن يكون الكاتب أو المؤلف، الأهم هو النص المكتوب، حياته التي ستبقى مهما طال صاحبه من عنف أو تعذيب، وصولاً إلى موته المادي، الذي يتحول هنا إلى الموت المجازي. هذه الأفكار وغيرها تتناولها رواية «معبد أنامل الحرير»، الصادرة مؤخراً للروائي المصري إبراهيم فرغلي. وقد أقيمت في مكتبة ديوان في الزمالك ندوة نقدية بمناسبة توقيع الرواية. أدار الندوة الشاعر والناقد سيد محمود، وشارك فيها كل من الناقد ووزير الثقافة الأسبق شاكر عبد الحميد، والكاتب والناقد محمود عبد الشكور. وسنحاول في إيجاز عرض الآراء التي ناقشت الرواية وصاحبها.

النصوص وحيواتها

بداية أشار الشاعر سيد محمود إلى أن هذه الرواية تمثل العالم الروائي عند إبراهيم فرغلي، وتؤكد ملامح هذا العالم وما يشغل الكاتب، فهي تتماس مع روايته السابقة «أبناء الجبلاوي»، التي تقوم على فكرة اختفاء روايات نجيب محفوظ من المكتبات، لكن شخصيات محفوظ نفسها تهجر الكتب وتتحول إلى شخصيات حقيقية على أرض الواقع، وهنا يتحول النص إلى حياة، بغض النظر عن مؤلف هذه النصوص. الأمر نفسه في رواية «معبد أنامل الحرير»، حيث يتحول المخطوط إلى سارد أصيل في النص، يتحدث عن صاحبه الذي قفز إلى البحر للفرار من قاتله ــ اختفى المؤلف أيضاً ــ وأصبح النص يعيش حياته ويتحدث عمن حوله من الشخوص والأماكن. الأمر المؤكد الآخر هو السلطة والرقابة، والدور القمعي الذي تتم ممارسته في عملية مُمنهجة، وقد أصبح الواقع يفوق الخيال في هذه الشأن، من حبس الكُتّاب ومصادرة أعمالهم.

الاحتفاء بالسرد

ومن جانبه أشار الناقد محمود عبد الشكور إلى أن فرغلي في الرواية يقدم تحية إلى فن السرد، فهو الأبقى رغم رحيل أو اختفاء صاحبه/السارد. يموت الراوي وتبقى الرواية. هذه الفكرة تتأكد من خلال استعارة وتضمين عدة نصوص من التراث، وهي تبدو الآن من المُحرّمات، يتضمنها النص الأساس، هذه الاقتباسات تؤكد على بقاء هذه النصوص، رغم رحيل مؤلفها. فلا وجود لسلطة تستطيع أن تمنع النص من أن يحيا ويعيش، وهو بالتالي يناقش فكرة الحرية التي تغيب عنا اليوم، منع الكتب وحبس أصحابها، يذكّر بما حدث في رواية «451 فهرنهايت»، التي تحولت إلى فيلم سينمائي من إخراج فرانسوا تريفو، هذه الفاشية التي نعيشها، والتي جعلت الروائي يخلق عالماً تحت الأرض يعيش أصحابه في الظلام، رغم كونهم يحملون مشاعل التنوير. فالحرية هي الأساس لكل فعل حي، أقصاه الكتابة، وحرية المرأة جزء لا يتجزأ في أعمال إبراهيم فرغلي، وهو ما يتأكد من خلال المشهد الختامي في الرواية، حيث تخرج النساء وقد تم تدوين الكتب فوق أجسادهن. وفي الأخير يرى عبد الشكور أن «معبد أنامل الحرير» تعد من أهم الروايات الصادرة مؤخراً.

فعل الكتابة الشبحي

الرأي الأخير قدمه شاكر عبد الحميد في دراسة عنونها بـ «غوغل إرث وشبحية الكتابة) حيث بدأت صفحات الرواية الأولى بقدرة غوغل على رؤية جميع الأماكن على الكرة الأرضية، إلا أنه لا يستطيع أن يرى ما في أعماق أهل الأرض، حالة الترصد هذه لا يمكنها أن تكتمل، أو تصبح بصورة مُطلقة، وهو مفتتح يليق بحالة الرواية وأحداثها في ما بعد. هذه الأعماق والنفوس الإنسانية لا يمكن سبرها، متاهات النفس، أحلامها وكوابيسها، والعلاقات الإنسانية، وكذلك الشكل المادي للأماكن، حيث السراديب والأنفاق. هذه العوالم السردية هي في ذاتها متاهة كبيرة.
كذلك يرى عبد الحميد أن الكتابة هنا ليست في محل رد الفعل، أو انعكاسا لما يراه كاتبها، بل دوماً في حالة فعل، فهي بدورها تكتب نفسها وتراقب كاتبها، وتتحدث عنه وعن حياته، تشهد أفعالاً وحوادث قتل، وعلاقات حب.
هناك عدة روايات في العمل.. رواية المخطوط، حياة صاحب المخطوط، رواية عن السفينة التي تشهد الأحداث، ورواية أخيرة هي التي كتبها المؤلف، أي منهم يمثل الحقيقة! فلا يقين هنا سوى يقين الكتابة، لذلك فالكاتب بالأساس لا يكتب من فراغ، ولا يوجد عمل فني من العدم، فدائماً الحالة الفنية هي حالة تناص مزمن، شبح الكتابات الأخرى وعوالمها يظهر في كل عمل، سواء وعى الكاتب بذلك أم لم.
يُذكر أن «معبد أنامل الحرير» كانت ضمن القائمة الطويلة لجائزة البوكر العربية في دورتها الأخيرة، كما لاقت أعمال إبراهيم فرغلي التقدير النقدي، نذكر منها.. «ابتسامات القديسين»، «كهف الفراشات»، «جنية في قارورة»، إضافة إلى مجموعاته القصصية.. «أشباح الحواس»، «شامات الحسن»، و«باتجاه المآقي».

توقيع رواية «معبد أنامل الحرير» للمصري إبراهيم فرغلي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية