تولستوي في صراع مع أبطال روايته «دم وخمر»

حجم الخط
1

في رواية «دم وخمر»، يفاجئنا الروائي الروسي ليو تولستوي، صاحب الرائعة الأدبية الشهيرة «آنّا كرنينا»، والرواية التاريخية «الحرب والسلم»، بأسلوبٍ جديد يختلف سياقاً وانسياباً عن الخطى التي سار فيها في كتاباته.
الرواية تحتقنُ بلعنة المال، المال الذي يضيع من أجله الكثيرون، يحرقون أنفاسهم من أجل الحصول عليه فيلطّخهم بعاره. وهي تضم قصتين، القصة الأولى تدور حول سيدة الضيعة التي يرتمي عند قدميها الناس من الفلاحين والرق، وأيضاً من الميسورين، لاستعطاف رضاها. ولكنها تؤثر باهتمامها رجلاً من الطبقة الوضيعة، ضالاً سكيراً عربيداً، يُجرّدُ من أي سمعة طيبة بين الناس، بسبب سلوكه السيئ، من شربٍ للخمر والسرقة والتخبّط في عالم الرذائل. فتغدق عليه الاهتمام والرعاية حتى تصلح من شأنه ويهجر عالم الغاوين إلى دنيا الإيمان، من أجل زوجته المسكينة وأولاده الصغار. وتسلّمه مبلغاً من المال ليحصّله لها من قريةٍ أخرى حتى يثبت لها أنه رجع عن طريق الضلال وشقّ طريق النور بأقدامٍ ثابتة راسخة.
لكن النقود تضيع منه في طريق عودته إلى القرية بسبب استغراقه في النوم وهو على صهوة جواده، فيقرّر شنق نفسه حتى لا يدميه سوءُ ظنّ السيدة بعد أن وثقت فيه، ولكن الحظ خانه أن يبرهن لها أنه سلك سلوكاً قويماً، وحتى لا يقرع الألم قلب زوجته ويشمت الناس به، ما يؤدي إلى كارثة إنسانية مريرة تحلّ بأفراد عائلته. فتجنّ زوجته ويموت رضيعه غرقاً بعد أن رمته أمه في الماء بصدمة مفاجئة بسبب الكارثة. وفي اليوم نفسه يأتي فلاح مهرولٌ يسعى نحو سيدة الضيعة ليبلغها بأنّه عثر على النقود الضائعة التي سقطت على غفلة من الرجل المسكين.
والقصة الثانية تدور حول كونت شهم كريم، وهي بمثابة وصفٍ للطبائع البشرية السائدة في القرن الثامن عشر أكثر منها قصة سرديّة.
في القصتين، حاول تولستوي أن يلج إلى أكمام الوصف، بأسلوبٍ مرمّز يتمرّغُ بالنقد المتواري وراء التحليل الإنساني والترغيب الحسي. ولكنّه فشل في التوغل في العمق الروائي الذي عهدناه منه، وتسربل قلمه في مطبّاتٍ جامحة من الشرود الذهني والشرود اللامقصود الذي يشبه الكتابة الهيروغليفية بصعوبته واشتداد الترميز فيه. بين التحايل على القارئ والتحايل على النفس، يضيع العملاق تولستوي في أزمةٍ مع أبطال روايته، الذين تتراوح إنسانيتهم بين العربدة والالتزام الأخلاقي، بين العشق واللامبالاة، حتى تضيع أفكاره في زحمة التوصيف.
الاحتباس اللفظي يتجلّى في كبت قلمه لرسالةٍ تجيشُ في خاطره، لم نفقه ماورائياتها لأنّ الشرح يبلغ الإيجاز في الجمل، وهو عادة ما كان يتجّنبه الروائي في رواياته الأخرى، إلا بما يخدم الحدث الدراماتيكي أو الإنساني أو حتى السيكولوجيا الإنسانية العميقة.
نجحَ تولستوي في أن يعيدنا إلى الماضي من غير صعوبة أو تكلّف، لأنّ العصر الذي كتب فيه الرواية قريبٌ جداً من العصر الذي عاش فيه أبطالها، ولكنه كان مشتّتاً عن التركيز في الصراع المشترك بين الاعتلال الإنساني الواحد في وجوه شخصيات الرواية.
لم يكن عصره عصر سرعة، ولكنّ العنصر الوحيد المشوّق في الرواية هو أنّه عرّف الأحداث بشكلٍ موجز، وفاق كتاب عصره آنذاك في غربلة هذا الأسلوب الحديث في الاختصار والضرب على الوتر السريع والهادف. تولستوي الذي برع في روايات العشق وروايات التاريخ، انحدر بشكلٍ ميلودرامي في روايته «دم وخمر»، التي لم تعرّف عن شخصيته وهويّته الحقيقية بقلمه المبدع، وربما يعود هذا الانزلاق إلى أن لكل عملاقٍ مطبّات تعترضه وتحرق القليل من أنفاسه ليعود ويصعد من جديد، ومن غير أي تعقيد.

٭ شاعرة لبنانية

تولستوي في صراع مع أبطال روايته «دم وخمر»

نسرين بلوط

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية