لندن ـ «القدس العربي»: يبدأ العاهل السعودي سلمان بن عبدالعزيز اليوم زيارة للولايات المتحدة هي الأولى منذ توليه السلطة بداية هذا العام، بعد وفاة أخيه الملك عبدالله بن عبدالعزيز.
وتتزامن الزيارة مع حصول الرئيس الأمريكي باراك أوباما على «الكوتا» اللازمة له لتمرير الملف النووي الذي عارضته السعودية لأنه يعني تقاربا أمريكيا مع إيران على حساب الحلفاء التقليديين لواشنطن في منطقة الخليج.
ومع أن الرياض سلمت بالاتفاقية إلا أنها أكدت على أهمية تطبيق نظام التفتيش الصارم للمنشآت النووية الإيرانية وإعادة برنامج العقوبات على إيران حال أخلت بأي من شروط الاتفاق. ولم تعد الرياض تخشى الملف النووي قدر خشيتها من إيران الخارجة من الحصار وحصولها على 150 مليار دولار كانت مجمدة، حيث ستكون في وضع جيد لمواصلة مغامراتها في المنطقة ودعم الأنظمة والجماعات الوكيلة عنها في العراق وسوريا ولبنان واليمن.
وعليه فالزيارة الملكية للعاهل السعودي ستركز على ملفات تتعلق بأمن الخليج، وقوة الدفاع المشتركة وصفقات أسلحة والحصول على تطمينات من الإدارة الأمريكية لمواجهة ما تراه الرياض «زعرنات» في المنطقة.
ضمانات جديدة
وذكر موقع «المونيتور» قبل أيام أن الملك سلمان يرغب في الحصول على ضمانات ودعم في الحرب التي تخوضها السعودية في اليمن. وتريد الرياض دورا أمريكيا أكبر من مجرد الدعم اللوجيستي والأمني للتحالف الذي تقوده السعودية ضد الحوثيين، إضافة لضمانات من واشنطن بشأن الملف النووي نفسه.
وكان المتحدث باسم البيت الأبيض جوش إرنيست قد لخص بلغة عادية ملف اللقاء بين الرئيس والملك، حيث أكد أنه سيشمل بحث العلاقات الثنائية وتعزيز الشراكة بين البلدين والتعاون في مجال الأمن ومكافحة الإرهاب وموضوعي سوريا واليمن والدور الإيراني فيهما.
ولاحظ تقرير «المونيتور» أن السعودية رغم تحفظها على الاتفاق النووي إلا أنها توصلت لنتيجة مفادها تمرير الكونغرس له والموافقة عليه ولا يوجد أمامها أي خيار.
وهذا لا يعني قبول الرياض بالأمر الواقع بل أكدت أن دعمها للاتفاق النووي مشروط، مما يعني محاولة الملك سلمان الحصول على تأكيدات جديدة تتعلق بما ستحصل عليه إيران من تنازلات بشأن تفتيش منشآتها العسكرية.
ومن هنا فالمحادثات بين الزعيمين ستركز على ملفات أكثر أهمية للرياض مثل زيادة الدعم العسكري لدول الخليج وتوسيع ما تم بحثه في أيار/مايو في كامب ديفيد بين أوباما وقادة دول مجلس التعاون الخليجي الذي تغيب عنه الملك سلمان ولم يحضره سوى أميري قطر والكويت.
وكان الهدف من قمة كامب ديفيد تلك تطمين دول الخليج من الاتفاق النووي وسط ما اعتبرته هذه الدول تخليا عنها وتقاربا مع عدوها إيران. ويعتقد المحلل في شؤون الخليج في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات ديفيد واينبيرغ أن لقاء أوباما- سلمان هو بمثابة فرصة لتصحيح مسار العلاقات بين البلدين وسط أجواء قلق متبادلة».
وأضاف أن «الاجتماع يتم في وقت تحاول فيه أمريكا تطمين دول الخليج بشأن الاتفاق النووي والتركيز على أجندة كامب ديفيد والتي أكدت على دعم أمني أمريكي لها».
وقد تلقى جهود السعودية للحصول على معدات عسكرية متفوقة مثل مقاتلات أف-15 معارضة في الكونغرس الحريص على عدم المس بالتفوق النوعي لإسرائيل في المنطقة.
ويرى بريم كومار المسؤول السابق في مجلس الأمن القومي أن الزيارة ستكون بمثابة فحص لمدى ما يرغب البيت الأبيض باستثماره من جهود في الكونغرس نيابة عن السعوديين الذين يريدون شراء تكنولوجيا متفوقة.
وأضاف كومار أن السعوديين راغبون بمعرفة موقف الإدارة الأمريكية من إنشاء قوة رد سريع تابعة لمجلس التعاون الخليجي، والتي أبدت كل من عمان وقطر تحفظات عليها لخشيتهما من سيطرة السعودية عليها.
وقال كومار «فيما يتعلق بالتطمينات الواسعة لمجلس التعاون الخليجي، فإن السعوديين مهتمون بالاستماع لما يمكن للولايات المتحدة تقديمه لدعم قوة الرد السريع التابعة لمجلس التعاون والقوة العربية المشتركة إن خرجت للعلن».
الموقف من سياسة الحزم
وأهم من كل هذا فما يريد العاهل السعودي معرفته هو الموقف الأمريكي من سياسته الحازمة في المنطقة، خاصة في اليمن وسوريا.
ونقل الموقع عن فهد ناظر، المحلل السابق في السفارة السعودية في واشنطن، قوله إن الملف النووي بالنسبة للرياض هو طويل الأمد وبالتالي يحاول السعوديون علنا التوسط في قضايا المنطقة وتخلوا عن مدخلهم التقليدي، وهي إدارة السياسة الخارجية من خلف الأبواب المغلقة. ويريد السعوديون دورا أمريكيا في اليمن.
وذكرت صحيفة «لوس أنجليس تايمز» أن البنتاغون زاد من عدد المستشارين على الأرض ويقومون بتقديم الدعم للسعوديين في الحرب ضد الحوثيين.
وهناك في السعودية من يرى في النجاحات اليمنية نموذجا قابلا للتطبيق في سوريا. فقد تقدمت السعودية بخطتها لسوريا والتي تقوم على وقف دعم الجماعات السنية هناك حال سحب «حزب الله» وكيل إيران في لبنان مقاتليه من سوريا.
ويرى كومار أن هناك عددا من القضايا القوية على قائمة المطالب السعودية «أولا، زيادة الدعم للمعارضة السورية بشكل أو بآخر. وفتح ممرات آمنة وزيادة الضغوط المباشرة على الأسد بطريقة لا تؤثر على المبادرات الدبلوماسية».
ورغم الوفد الكبير الذي سيرافق الملك في زيارته الأولى لواشنطن والمكون من أمراء ووزراء ورجال أعمال، إلا أن اللقاء بين الرئيس والملك سيكون قصيرا بحسب سايمون هندرسون، مدير برنامج الخليج والطاقة في معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى.
وقال إن الملك سيصل إلى واشنطن من المغرب التي قضى فيها إجازته الصيفية بعد قطع إجازته في فرنسا، نظرا للاحتجاجات على شاليه يملكه يقع على البحر. وأضاف أن نص اللقاء سيكون مكتوبا نظرا لتقدم عمر الملك.
ولي ولي العهد
ولا يستبعد الكاتب أن تكون الشخصية المؤثرة الأمير محمد بن سلمان، وزير الدفاع ورئيس الديوان الملكي وولي ولي العهد، حاضرة للقاء فيما سيظل الوريث للملك، ولي العهد الأمير محمد بن نايف في السعودية.
واهتم هندرسون بولي ولي العهد الذي يظل الأقرب لوالده ويعتبر مهندسا لحرب اليمن وقام بأدوار دبلوماسية مهمة حيث زار مصر وروسيا والأردن.
وأشار الكاتب هنا لموقف الملك والأمير الشاب من الإسلام السياسي، خاصة «الإخوان المسلمين» الذين صنفوا في عهد الملك عبداللة كجماعة إرهابية، لكن العاهل الجديد الراغب بتقريب وجهات النظر بين دول العالم العربي يفرق بين ما هو متطرف وأقل تطرفا. ويرى هندرسون أن الائتلاف في اليمن والدور الجديد في سوريا هما جزء من جهود مواجهة إيران.
وعليه فلا تزال الرياض قلقة من الاتفاق النووي معها وترى في دفاع أوباما عنه «ساذجا». ويشير الكاتب لمؤتمر الاستثمار الذي يتزامن مع زيارة الملك.
وعليه فحضور الأمير محمد له بصفته رئيسا لـ»مجلس الشؤون الاقتصادية والتنمية» يعطيه دورا مهما في هذا السياق. ورغم قوة العلاقات الاقتصادية بين البلدين إلا أن هناك قلق من تأثر المملكة من انخفاض أسعار النفط المستمر والذي يعزى لزيادة السعودية انتاجها، وهي استراتيجية تهدف للحفاظ على حصتها في السوق والتأثير على شركات النفط الأمريكية المنتج من الصخر الزيتي.
ويقرأ هندرسون في الزيارة ترفيعا جديدا للأمير محمد والذي يحرص على عدم تجاوز والده إلا أن وجوده إلى جانب الملك سيعود بالنفع عليه.
وهو ما جعل الكاتب يتوقع خلافته لوالده في النهاية بدلا من ولي العهد الأمير محمد بن نايف.
ويعتقد الكاتب أن الزيارة تشكل فرصة أخرى للمسؤولين الأمريكيين لتطوير علاقتهم مع الأمير محمد بن سلمان، الذين التقوه في قمة كامب ديفيد بغض النظر عن الخلافات بين البلدين في قضايا النفط والأمن الإقليمي والتي سيحاول البيان الختامي الصادر عن زيارة العاهل تجاوزها. لكن الصحافة خاصة ترى في الاتفاق النووي فرصة تاريخية لا ترغب في تجاوز الخلافات.
فالمعلق المعروف في صحيفة «نيويورك تايمز» توماس فريدمان كتب تحت عنوان «صديقتنا للأبد الراديكالية الإسلامية.. السعودية» وعلق فيه على مقال نشرته صحيفة «واشنطن بوست» عن رسالة أرسلها 200 جنرال وأدميرال متقاعد في الجيش الأمريكي إلى الكونغرس محذرين فيها من تداعيات الاتفاق النووي على الأمن القومي الأمريكي.
خطأ في التوصيف
ويقول إن الرسالة احتوت على نقاشات مشروعة مع وضد الاتفاقية، لكن نقاشا ظهر في الرسالة كان خطيرا وغير صحيح ويتعلق بالتهديدات الحقيقية على أمريكا والنابعة من الشرق الأوسط.
وكان فريدمان يشير لما قاله الجنرال توماس ماكينري، النائب السابق لقائد القوات الأمريكية في أوروبا، والذي كتب عن الاتفاقية «ما لا أحبه في هذه (الاتفاقية) هو أن القادة الكبار للراديكالية الإسلامية في العالم هم الإيرانيون، فهم تجار الراديكالية الإسلامية في كل أنحاء الشرق الأوسط وفي كل أنحاء العالم وسنساعدهم على امتلاك الأسلحة النووية». ويخطئ فريدمان الجنرال بالقول إن لقب «باعة الراديكالية الإسلامية» لا يمت للإيرانيين لأنه هو صفة «حليفتنا المعتبرة السعودية».
وكمدافع عن الاتفاقية النووية يقدم تحليله الخاص حول علاقة إيران بالإرهاب بناء على ما يقول إنه تجربته المعاينة للتصرفات الإيرانية «فقد غطيت الهجوم الانتحاري عام 1983 على ثكنات المارينز في بيروت والذي يعتقد أنه من عمل مخلب القط الإيراني «حزب الله».
فالإرهاب الإيراني ضد الولايات المتحدة كان في طبيعته جيوسياسيا: الحرب بوسائل مختلفة لإخراج الولايات المتحدة من المنطقة حتى تتسيده إيران وليس نحن».
وبرر فريدمان دعمه للاتفاق النووي بقوله إنه «يخفض فرص امتلاك إيران للقنبلة النووية لخمسة عشر عاما ويخلق الفرصة لتحول النظام الإيراني المتشدد إلى الاعتدال وذلك عبر دمجه ببقية العالم».
ومن هنا يذكر بهجمات إيلول/سبتمبر 2001 والتي شارك فيها 15 سعوديا من بين 19 انتحاري معلقا أنه لم يكن «مدمرا لاستقرار واعتدال العالم العربي والإسلامي بشكل عام أكثر من مليارات ومليارات الدولارات التي استثمرتها السعودية منذ سبعينات القرن الماضي من أجل محو التعددية في الإسلام – الصوفية والمعتدلين السنة والشيعة – وفرض نسخة سلفية وهابية طهورية معادية للحداثة والمرأة والغرب نشرتها المؤسسة الدينية السعودية».
وعليه ليس مصادفة أن ينضم الآلاف من السعوديين لـ»تنظيم الدولة الإسلامية». ولم يكن مصادفة أيضا قيام الجمعيات الخيرية في الخليج العربي بالتبرع للتنظيم. والسبب كما يقول فريدمان «لأن هذه الجماعات السنية الجهادية خرجت من الوهابية وهي التي تقوم السعودية بحقنها في المساجد والمدارس من المغرب إلى باكستان وأندونيسيا».
المدمن لا يقول الحقيقة
ويقول فريدمان إن الولايات المتحدة امتنعت عن وصم السعوديين بهذه التهمة «لأننا أدمنا على نفطهم. والمدمنون لا يقولون الحقيقة لمن يروجون لها».
وينقل هنا عن حسين حقاني، السفير الباكستاني السابق في واشنطن والباحث حاليا بمعهد هيوستون قوله «دعنا نتجنب المبالغة عندما نصف عدوا أو عدوا محتملا بأنه المصدر العظيم لعدم الاستقرار».
وأشار أن هذا الحديث بمثابة «تبسيط»، فمع أن إيران كانت مصدرا للإرهاب بدعمها لجماعات مثل «حزب الله» إلا أن العديد من حلفاء الولايات المتحدة كانوا مصدرا للإرهاب من خلال دعمهم للأيديولوجية الوهابية والتي دمرت التعددية التي ظهرت في الإسلام منذ القرن الرابع عشر والتي تتراوح من الجماعة البكتاشية في ألبانيا التي تؤمن بالتعايش مع بقية الأديان إلى الصوفية والشيعة.
ويرى حقاني ان العقود الأخيرة شهدت محاولات لتأكيد طريق واحد في فهم الدين والزعم بأن «هناك طريقا واحدا وشرعيا إلى الله» مما يعني استبعاد وقتل بقية الطرق.
وهذا فهم خطير في نظر السفير السابق ونبع من السعودية وتبنته دول أخرى مثل السعودية. وأشار فريدمان إلى تقارير صحافية عن الدور السعودي في دعم المنظمات الإسلامية المتعاطفة معها. وما كشفه موقع ويكيليكس عن برقيات أرسلتها سفارات السعودية حول العالم والتي كشفت عن محاولات السعودية إضعاف ومواجهة إيران.
وذكر الكاتب بمذكرة كتبتها هيلاري كلينتون عندما كانت وزيرة للخارجية الأمريكية وحذرت فيها من الدور الذي تلعبه السعودية باعتبارها «المصدر الرئيسي والأهم لتمويل الجماعات السنية الإرهابية حول العالم».
وقالت إن محاولات إقناع المسؤولين السعوديين التعامل مع هذه النشاطات كأولوية استراتيجية كانت بمثابة التحدي الكبير».
ويختم فريدمان مقالته بالقول «تحالفت السعودية مع الأمريكيين في عدد من القضايا وهناك معتدلون ممن يمقتون السلطات الدينية، لكن الحقيقة باقية وهي أن تصدير السعودية للإسلام الطهوري الوهابي كان من أسوأ ما حدث للتعددية العربية والإسلامية في القرن الماضي» وفي الوقت الذي تعتبر فيه طموحات إيران حقيقية ويجب تحديد خطرها، ولكن لا تشتري الكلام التافه الذي يقول إنها المصدر الوحيد لعدم الاستقرار في المنطقة».
وكان فريدمان أول من نظم مقابلة مع أوباما بعد إعلان الاتفاق النووي وطرح الرئيس الأمريكية فكرة دعم دول الخليج ومساعدتها على حماية نفسها.
وفي تلك المقابلة انتقد أوباما الدول هذه وذكرها بأن الخطر لا ينبع من إيران فقط ولكن من الداخل حيث يؤدي قمع الحريات وغياب الفرص والوظائف والديمقراطية لتهيئة الظروف المناسبة لزيادة التشدد وإيمان الشباب بأفكار المتطرفين من «تنظيم الدولة الإسلامية» و»القاعدة.»
qal
إبراهيم درويش