صبية ثلاثة لم يتخطوا بعد ربيعهم الثامن عشر أوقفوا على المنفذ الحدودي في رأس جدير جنوب تونس عصر الجمعة الماضي، لما حاولوا العبور إلى التراب الليبي. الصبية قدموا من ريف القيروان وسط البلاد، وهي المحافظة التي تسجل فيها أعلى نسب الفقر وحالات الانتحار. وحسبما ذكرته الصحف المحلية، فقد اعترفوا بعد التحقيقات الأمنية معهم بأنهم كانوا يخططون للتحول إلى سوريا والالتحاق بإحدى الجماعات المقاتلة هناك. أما ما سهل الوصول إليهم فهو إبلاغ عوائلهم عن اختفائهم وإصدار السلطات منشور تفتيش عنهم قبل يوم واحد من هروبهم. ولم يكن غريبا ولا مستبعدا ألا يثير الخبر أي اهتمام أو تعليق بعد أن تصدرت تونس قائمة الدول المصدرة للمقاتلين، وبعد أن صار جل اهتمام الحكومة منصبا في الكشف عن مخابئ السلاح المهرب وملاحقة الصاعدين والنازلين من جبال الغرب وتأمين الحدود، وتحولت عمليات منع الشباب من السفر إلى ليبيا أو حتى تركيا إلى أمر روتيني يكاد يحصل بشكل شبه يومي.
فقد سبق لوزير الداخلية لطفي بن جدوان أن صرح في ندوة حول «الإرهاب والشباب» عقدت بالعاصمة تونس منتصف يناير الماضي بأنه «تم منع أكثر من تسعة آلاف شاب تونسي من السفر إلى سوريا»، قبل أن يضيف في التصريح ذاته أيضا، بأن الممنوعين من السفر» لم تتم متابعتهم لا من الدولة ولا من المجتمع المدني»، محذرا في الأخير مما وصفه «مخاطر تأثير فكرهم التكفيري التدميري على البيئة المحيطة بهم».
وباستثناء ما تتناقله بعض المصادر الاعلامية الغربية بين الحين والآخر من أن هناك نحو ثلاثة آلاف تونسي يقاتلون في صفوف تنظيم الدولة، فلا أحد تقريبا يملك معلومات دقيقة وتفصيلية حول الأعداد وشبكات التسفير والدوافع الحقيقية من وراء الهروب الفردي والجماعي المتزايد للتونسيين بالتحديد، نحو المحارق السورية، لكن المؤكد هو أن معظمهم من الشباب اليافع الذي لم يجد وقتا أو فرصا لمعرفة الدين، ولم يملك بعد المناعة الفكرية أو الروحية اللازمة لصد الهجمات الإلكترونية لبعض المواقع المشبوهة على شبكة الإنترنت. لقد صار غيابهم مشكلة تشغل بال أهاليهم، وعودتهم ورطة تؤرق حكومتهم وليس هناك حتى الآن لا رؤية ولا تصور لوقف النزيف أو الحد منه، ولا خطة أيضا للتعامل مع الأعداد القليلة التي اختارت أن تضع حدا لمغامرتها وتعود طوعا أو كرها إلى البلد. هم أحجارعلى رقعة الشطرنج في الشام ووقود لمعركة استراتيجية وحضارية لا يعلمون الكثير من اسرارها وخفاياها ولا الغايات والأهداف القريبة والبعيدة التي ترسم لها من وراء البحار، وهم ايضا أوراق للضغط والمناورة في الداخل وسلاح ردع ورعب يستخدمه الكبار والصغار لتبرير المواقف ومحاججة الخصوم. لقد كانوا يصورونهم في السابق على أنهم ثمرة محرمة للتدين، أما الان فقد خرج وزير التربية في الحكومة الجديدة ليعلن في اجتماع بإحدى لجان البرلمان أن «الدواعش أي المقاتلين في صفوف تنظيم الدولة لا يتخرجون من المساجد، بل من المدارس». لقد انتقل الجدل داخل تونس من شرعية انتمائهم إلى البلد من عدمها، إلى البحث عن طرق سالكة وسريعة للحد من نسلهم، قد تكون استنساخا مصغرا لمشروع التنظيم العائلي الذي اطلقه الزعيم الراحل بورقيبة في مطلع الستينات للحد من النمو السكاني، بعد أن وصل الجميع إلى حقيقة لا مفر من انكارها، وهي الاستحالة الفعلية لإبادتهم جماعيا والتخلص منهم بشكل تام ونهائي.
أما الصعوبة التي تواجه المشرفين على فكرة الحد من نسل من يوصفون بالإرهابيين أو التكفيريين، فهي معرفية بالاساس وتعيد للاذهان تجربة قاسية ومريرة عاشتها تونس زمن الاستبداد، وعرفت بتجفيف المنابع، أي إقامة حواجز اسمنتية عازلة بين الشباب والدين، على اعتبار انه المتسبب الوحيد في تشددهم وخروجهم عن ضوابط الدولة والمجتمع. ما انتجته تلك التجربة هي أجيال مقطعة الاوصال عاشت انفصاما أخلاقيا حادا وحالات تمزق وانفلات قادتها، إما إلى هجر الدين بما يحويه من قيم وضوابط أخلاقية، أو هجر الواقع والهروب منه للوقوع في شراك جماعات التشدد والتعصب. أفاقت تونس بعدها بسنوات لتجد أن المشكل لم يعد في الدين، بل في انتشار اليأس الذي جر الجميع إلى نهايات دموية مريعة. ولأنه لا يعترف لا بجنس ولا بسن فإن نيرانه طالت الصبية والشيوخ على السواء.
لم تعد المشاهد الهوليوودية لقطع الرؤوس أو حرق الأحياء والتنكيل بالجثث، التي يقوم بها شباب جاهل ومخدر، تختلف في كثير من الأحيان عن مشاهد أخرى يظهر فيها شيوخ مشهورون بلغوا مراتب علمية رفيعة وهم بصدد تخريب المعتقدات والمس بها، تحت ذريعة التجديد والاجتهاد أو التخلص من كل القيود والانتماءات الوطنية والقومية ورميها جانبا تعبيرا عن الاحساس بالظلم وفقدان العدالة. فما الفرق بين الجنون الذي يعصف بالصغار والجنون الذي يظهر على الكبار، حين يطل استاذ جامعي تسعيني يفخر بأن له اكثر من عشرين مؤلفا، على التونسيين ليقول لهم بان الخمر والبغاء ليسا محرمين في الإسلام. ويكتب استاذ جامعي آخر شغل منصب المدير العام للتلفزيون في عهد الرئيس المخلوع بن علي وتعلقت به تتبعات قضائية، على صفحته الخاصة على أحد مواقع التواصل الاجتماعي، «إن صح رفع التحجير عن السفر عن آل بن علي وآ ل شيبوب وأنا ممنوع من السفر فسأجرد نفسي من كل ما يمت لتونس والعروبة والاسلام بصلة… وقد أطلب اللجوء السياسي إلى اسرائيل وهنيئا لكم بثورتكم وبقضائكم ومجلسكم واحزابكم ودنياكم». لماذا نلوم فتية لم يتجاوزوا بعد ربيعهم الثامن عشر على تهورهم وانفلاتهم، ونجد المبررات والذرائع لكهول وشيوخ بلغوا التسعين ولم يدركوا شيئا عظيما نادرا اسمه الحكمة وضبط النفس؟
لقد صرح الشيخ عبد الفتاح مورو نائب رئيس حركة النهضة لاذاعة «موزاييك» الخاصة تعليقا على كلام الاستاذ الطالبي حول الخمر بانه «لا يوافقه في رأيه، ولكن سنه وماضيه يفترضان حمايته من أن يكون ألعوبة». وقال آخرون إن ما دونه الاستاذ شلبي على صفحته الشخصية، على أحد مواقع التواصل الاجتماعي ليس سوى تعبير عن حالة الغضب لطول محاكمته التي مضى عليها أزيد من اربعة اعوام. لكن هل وجد أحد اعذارا أو مبررات للصبية الذين غادروا ريف القيروان وخططوا للوصول إلى الشام؟ وهل انتبه آخرون إلى رحلات محظورة اخرى تنطلق من تونس نحوالكيان الاسرائيلي مثلا؟
ففي الوقت الذي يهتم فيه الاعلام المحلي والدولي بالمقاتلين الوافدين على العراق والشام من كل حدب وصوب، ويصورهم كأعداء لا لاوطانهم فحسب، بل للبشرية جمعاء يتناسى الكل عن قصد أو جهل أن هناك عدوا آخر لا يزال متربصا بالامة ومحتلا لجزء عزيز منها في فلسطين. ألم يكن غريبا أن يفكر تونسيون في تنظيم رحلة إلى القدس المحتلة اياما قليلة قبل إحياء ذكرى يوم الأرض، وكأن العالم ضاق بهم فلم يجدوا مكانا اخر لقضاء العطلة سوى بلد محتل ينكل فيه باستمرار بالبشر والحجر على حد سواء؟
لقد كان لافتا أن تتعالى أصوات التهليل للقرار التاريخي لمحكمة تونسية بالغاء رحلتين «سياحيتين» إلى القدس المحتلة، وكأن منع التعامل مع العدو صار محتاجا إلى قرارات من المحاكم، في حين أن المنع من السفر إلى محارق سوريا لم يكن يتطلب أبدا أي إذن أو قرار قضائيظ، بل تم فقط من باب المصلحة العليا والأمن القومي. اعمت رحلات الموت إلى الشام عقول وقلوب الكثيرين ويبدو أنها الآن صارت ستارا واقيا يتخفى وراءه شباب وشيوخ آخرون اختاروا وجهات مغايرة إلى حضن عدو تاريخي صار اليوم بنظرهم حبيبا وصديقا. رحلات الموت إلى الشام ملاحقة ومحظورة، أما رحلاتهم إلى القدس المحتلة للتطبيع فأمرها للقضاء والمحاكم فقط متى كشفت وصارت مفضوحة!
٭ كاتب وصحافي من تونس
نزار بولحية