البعد من شروط الفهم. البعد الزماني، ذاك الذي يسميه الانكليز «حكمة ما بعد الحدث»، هو الذي يأتي أولا. ثم يأتي البعد المكاني جغرافيّا أو طوبوغرافيا، ذاك الذي يوسع المنظور ويؤطّر المشهد ويتيح، في بعض الحالات، موقف الإشراف أو الاستشراف. البعد من شروط الفهم في عاديّ الأحوال والأزمنة، فما بالك بالعصر الحالي الذي ابتليت أمتنا بالتيه في صحرائه؟
إنه عصر حائر محيّر ممتنع على القراءة بسبب جهلنا المطبق بأبجديته التاريخية. لهذا لا إخال أن في وسعنا البدء، مجرد البدء، في فهم هذا العالم الغريب الذي داهمنا منذ بضع سنين بأحداث جسام ظنناها أول الأمر تبشيرا باحتمال تأسيس جديد، فإذا هي ليست إلا تدشينا لمسار أفعواني من فجائع متناسلة ينذر كل منها بما هو أفجع منه. مسار حادّ ماض من متواليات الأوجع فالأفجع. كل ذلك ونحن نتحسس ما حولنا على غير هدى، أي دون علم أو فهم، بينما تتسارع في قلوبنا الوجلة خبطات أجنحة اليأس. خبطات في غياهب نفس انطفأ فيها نور الثقة. خبطات في ظلام دامس. ظلام أمة وقف بها تاريخها على «شفا جرف هار».
إنه خراب تغذيه حروبنا الكبرى وحروبنا الصغرى إذا لم نستطع إلى الكبرى سبيلا. ذلك أن من لا تتوفر في سياقه المحلي عوامل التنوع الطائفي أو المذهبي «المبرر» (حسب الملخصات السريعة التي يبثها إعلام تلفزيوني غربي غالبا ما يبدو في عجلة من أمره، خصوصا منذ أن اتضحت له الصورة بفضل اكتشاف حكاية السنة والشيعة!) لتأبيد التقاتل والتناحر، فإنه يأتي مدججا بترسانة الأنانية (الشخصية أو الفئوية أو الحزبية) التي تتخيل نفسها نموذج الوطنية! ولا شك أن أوضح مثال على ما تنتجه «سياسات الأنانية» (التي نرى أنها مفهوم إجرائي أكثر انطباقا على واقعنا العربي الإسلامي من مفهوم «سياسات الهوية») من حزازات صبيانية هو ما نشهده في تونس من عجز مريع لدى نخبة سياسية واقعة في مهاوي قلة الحيلة وانعدام الخيال. نخبة سياسية عاجزة ولكنها غير مدركة لعجزها. والسبب في انعدام الإدراك هو تطاول الأمد ورسوخ تقاليد التخندق والتحزب التي لا تفسير لاستمرارها، ولعنادها في مناطحة جدار الوقائع المتحولة والعوالم المتبدلة، إلا ما يبدو من كسل الركون إلى أمان الإلفة والعادة. لكأن لسان الحال يقول: بما أننا اعتدنا الفرقة وألفنا التشرذم وحددنا «العدو»، فلا حاجة بنا، نحن معشر «الإخوة الأعداء»، إلى وجع القلب الذي قد ينجم عن محاولة بذل الجهد في فهم المحنة الحالية وما تستوجبه من السعي في تحقيق الوحدة الوطنية.
هذا، ورغم أن معظم الشعب التونسي أصبح يترحم على عهد الاستبداد الفارض للأمن والنظام ويحن إلى حضن «الحاكم الظالم» بما له من هيبة وقوة ردع، ورغم أن جذور الأزمة الثقافية والأخلاقية المؤاتية لنمو تيارات التطرف والإرهاب العابرة للأمم والقارات لا تزال تتمدد في تربة واقع اجتماعي واقتصادي كارثي باعث على اليأس مغر بالهلاك، فإن «العالم المتحضر» ماض بشكل روتيني في تهنئة النخبة التونسية العاجزة بجميل العبارات ورمزيّ المكافآت والتكريمات، دون أن يقدم للبلاد الحقيقية ولو حدا أدنى من العون الفعلي. والأمثلة كثيرة على هذا الخذلان الغربي الذي هو من جنس قول بني إسرائيل لموسى عليه السلام: «فاذهب أنت وربك فقاتلا، إنا ها هنا قاعدون». أمثلة كثيرة لعل من أبكرها ما سبق أن ذكرناه هنا على لسان الباحثة كلير سبنسر من أن «بريطانيا صديق لتونس، ولكن في السراء فقط»، حيث لم تنفذ لندن أيا من تعهداتها بعد الثورة بتقديم المساعدات وتشجيع الاستثمار. أما أحدثها، فهو مبلغ المليون يورو (أي نعم، مليون بالتمام والكمال!) الذي قدمته ألمانيا لتونس كمساعدة، في مقابل مبلغ الـ77 مليون يورو الذي قدمته بعد ذلك بأيام لسلطات كردستان العراق.
إلا أن المسؤولية ذاتية. لهذا حق لمجموعة الشخصيات الوطنية التي أطلقت الثلاثاء مبادرة بعنوان «كفاكم تذبذبا، كفانا انقساما» أن تقول إن «الوضع الذي تعيشه تونس اليوم يكشف عن مخاطر أصبحت تهدد الدولة ذاتها (..) بعد أن اتضح أن السلطة القائمة بمختلف أطرافها لا ترقى إلى حجم التحديات التي تواجهها البلاد»، وحق لها أن تدعو «كل وطني غيور إلى تحمل المسؤولية التاريخية لإنقاذ البلاد عبر لمّ شمل القوى الوطنية، بعيدا عن الطموحات الذاتية وعن الاعتبارات الايديولوجية (..)، وذلك بالتأسيس لإطار سياسي ومدني واسع قادر على مواجهة حقيقية وفاعلة لكل (..) المخاطر».
٭ كاتب تونسي
مالك التريكي