من غرائب شهر شباط (فبراير) أنه شهد، قبل أيام، تعرض تمثال المصلح الاجتماعي والمناضل النقابي الطاهر الحداد للتحطيم في مدينة الحامة بجنوب تونس. ومن غرائبه أيضا أنه شهد، قبل عامين بالضبط، تعرض تمثال أبي العلاء للتحطيم في معرة النعمان بسوريا. ولأن هذا لم يكن كافيا، فقد حدث بتزامن عجيب ومريب مع تعرض تمثال أم كلثوم لعملية «تنقيب» (تغطية الرأس والوجه بالنقاب) في المنصورة بمصر.
حادثة تحطيم تمثال الطاهر الحداد، الذي يعدّ اسمه مرادفا لقضية تحرير المرأة المسلمة، ذكرتني بواقعة غير معروفة تختصر قصة ما كانت عليه تونس في ستينيات القرن العشرين وتفرض المقارنة مع ما آلت إليه اليوم. فقد نشرت مجلة «الفكر» عام 1967 عددا خاصا عن الإسلام كان من المشاركين فيه كتّاب مجددون من أمثال الأساتذة هشام جعيط، وصالح القرمادي، والمنجي الشملي والبشير بن سلامة. بعد أيام من صدور العدد اتصل الزعيم الحبيب بورقيبة، الذي كان يطالع «الفكر» بانتظام، بمؤسسها الأستاذ محمد مزالي ليعرب عن إعجابه بجرأة هشام جعيط في مقاله عن ظاهرة الوحي. وبلغ من إعجاب بورقيبة بالمقال أنه أبدى رغبة في التعرف على جعيط ودعاه لزيارته في قرطاج.
وكان مما قاله بورقيبة لمزالي أن الطاهر الحداد قد تعرض للنبذ والاضطهاد في الثلاثينيات رغم أنه لم يمض في الجرأة (في المطالبة بتحرير المرأة) إلى الحد الذي مضى إليه جعيط (في تفسير ظاهرة الوحي). وروى بورقيبة أنه يتذكر كيف كان الطاهر الحداد، بعد تألب مشائخ جامع الزيتونة ومعظم الصحف عليه، يجلس وحيدا ملتفعا في «برنوسه» في «مقهى القصبة» بتونس العاصمة فلا يوجه له التحية أحد. وقد كان هذا في رأي بورقيبة دليلا على التقدم الذي حققته حرية الفكر والتعبير (لم يكن يقصد حرية التعبير السياسي ونقد السلطة الحاكمة طبعا) في تونس أثناء العقود القليلة الفاصلة بين كتاب الطاهر الحداد ومقال هشام جعيط.
وكان كتاب الحداد «امرأتنا في الشريعة والمجتمع» قد أثار عند صدوره عام 1930 عاصفة من الاستنكار، فشنت ضد مؤلفه حملة شعواء شملت تجريده من حقوقه المدنية وشهاداته العلمية وحرمانه من العمل وبلغت حد المطالبة بإخراجه من الملة (التكفير). ولهذا لم يسر في جنازته عام 1935 سوى بضعة أفراد. وكان من أعنف الردود على الكتاب رسالة بعنوان «سيف الحق على من لا يرى الحق» للشيخ عمر بن إبراهيم البري المدني الذي نعت الحداد بأنه «من شيعة طه حسين وسلامة موسى وأضرابهما من رؤساء الملحدين المتسترين بدعوى الإصلاح والتجديد». أما الرد الأشهر فهو الكتاب الذي اختار له الشيخ صالح بن مراد، عام 1931، عنوانا لافتا بسخرية الجناس: «الحداد على امرأة الحدّاد».
وكان قد سبق للشيخ بن مراد أن سارع قبل ذلك، بمجرد سماعه بخبر صدور «امرأتنا في الشريعة والمجتمع»، إلى كتابة مقال في الصحافة اتهم فيه الحداد بالزندقة ولم يتحرج من القول ختاما: «هذه دفعة على الحساب.. ريثما نقرأ الكتاب».
ومعروف أن التاريخ انتصر للحداد. فكان أول قانون سنته دولة الاستقلال عام 1956 هو «مجلة الأحوال الشخصية» التي وضعت فكر الحدّاد الإصلاحي موضع التنفيذ، بحيث تحول إلى أحد أهم مقومات الثقافة المدنية التونسية المعاصرة. ولكن السنوات الأخيرة أظهرت أن هذه الثقافة قد صارت عرضة لهجمات أصحاب الردة من المتزمتين الذين يظنون، بحرارة اليقين، أن دين الله هو مجرد مؤامرة ذكورية على نصف البشرية.
إلا أنه ينبغي الاعتراف لمن حطموا تمثال الحداد من شبان الانحراف الديني بأنهم، على الأقل، يعرفون من هو (ولو أنهم يجهلون حقيقته). أما ما يملأ القلب كمدا فهو أن كثيرا من النشء في تونس لم يسمع باسم الحداد مجرد السماع! فقد بثت إحدى قنوات التلفزيون، على هامش ما وقع في الحامة، مقابلات أجرتها أمام المعاهد الثانوية للوقوف على مدى معرفة فتيان تونس وفتياتها بالطاهر الحداد. فماذا كانت النتيجة؟ قال كثير منهم: «الطاهر… من؟ لا نعرف من هو!» وقال آخر: «أظن أنه اسم لمحطة باصات». وأجابت فتاة أوتيت نصيبا من العلم: «أليس كاتبا أو شيئا من هذا القبيل؟». كل هذا وهم يتضاحكون! ذلك أنهم من ضحايا التعليم التجهيلي الذي ازدهر في عهد بن علي.
الحاصل: أحفاد الحدّاد صاروا بلا أجداد. أحفاد أنجبهم اليتم، فوجب عليهم الحدا.
٭ كاتب تونسي
مالك التريكي