ما هي النقطة التي يتضح من خلالها أن النظام القمعي الذي سيطر عشرات السنين، قد وصل إلى نهايته ـ هل هي اللحظة التي يتحطم فيها توازن الرعب بين مئات الشباب المحتجين والمتظاهرين في الشوارع وبين قوات الامن والشرطة الذين يلبسون الخوذات ويهربون خوفا على حياتهم في حين أن سيارات رجال الامن تشتعل بعد أن تحطمت نوافذها؟ وربما تكون اللحظة التي يقول فيها رئيس الولايات المتحدة لوسائل الإعلام إن الحليف الذي حظي بالدعم الدبلوماسي يجب أن يذهب إلى البيت؟ من المؤكد أن الجنرالات وقادة الجيش يقولون للقائد الذي لا حول له ولا قوة في الغرف المغلقة بأنهم يرفضون تنفيذ أوامره بفتح النار نحو المتظاهرين. في تلك اللحظة يجدر بالرئيس أن يسارع إلى المطار والسفر في الطائرة إلى دولة لجوء الديكتاتوريين الذين تم اسقاطهم ـ المملكة العربية السعودية.
وهناك لحظة اخرى بارزة حدث فيها تغيير في الميادين في تونس والقاهرة، هي اللحظة التي بدأ فيها المواطن العادي التحدث بحرية حول سنوات القمع وحول الأمل بمستقبل مختلف. لقد تحدثوا بصوت مرتفع دون الالتفات في كل لحظة خوفا من وجود من يسمع اقوالهم. وسائل الإعلام ركزت، بشكل طبيعي، على الشباب الذين هم مطلعون ويتواصلون من خلال الشبكات الاجتماعية وقامت بتصويرهم على أنهم قادة الثورات العربية. ولكن هناك اثنان من كبار السن كانت لهما أهمية في تلك الفترة في جيل الـ 60، وصلا في يوم السبت بعد الثورة إلى ميدان التحرير، وكانا عاشا حياتهما تحت سلطة الجنرالات عبد الناصر والسادات ومبارك والاستخبارات. ولم يعرف أي منهما يوما واحدا من حرية التعبير والديمقراطية، لكن شيئا ما هجس لهما في حينه أن الخوف من الشرطة في قلب القاهرة قد تلاشى وأنه يمكن الذهاب إلى الميدان المليء بالشباب والحديث عن حق الشعب المصري في تقرير مصيره. وقد وقف أحدهما فوق صخرة في طرف الميدان وبقي يردد مدة ساعة شعارات مؤيدة للثورة حتى بُح صوته من تأثير السجائر. والثاني كتب اقواله على ورقة وتجول بين المراسلين الاجانب وكان يطلب في كل مرة من أحد الشباب أن يترجم رسائله للعالم.
بدا في هذه اللحظة وكأن جميع المُسلّمات الشرقية حول العرب على اعتبار أنهم «غير مؤهلين للديمقراطية وأنهم فقط يحبون الديكتاتوريين الأقوياء»، تتحطم، وأن الغريزة الانسانية العالمية تطمح إلى الحرية. هذا ما حدث في القاهرة، وقبل ذلك بأسبوعين في ضاحية بورقيبة في تونس حيث تحدثوا في الحلقات حول الدستور مثل القدماء المؤسسين للولايات المتحدة أو حسب نموذج الديمقراطية الاوروبي. أم أن النموذج يجب أن يكون مثل الديمقراطية الوحيدة في الشرق الاوسط ـ اسرائيل.
بعد ذلك بشهر كان حسني مبارك في السجن، وبدأت ملامح الثورة تظهر في ليبيا، اليمن، البحرين وسوريا. صحافي بريطاني سارع إلى تأليف كتاب حول الثورات العربية، قال إن العملية لا رجعة عنها. «أصبحنا نعرف الطريق إلى الميدان»، هذا اقتباس لأحد الشباب. وقد تكرر في الكتاب «لن يسمح الشعب بعودة الفاسدين». وهو اقتباس آخر.
بعد ذلك بخمس سنوات، فقط في تونس، يوجد ذكر لأجراس الحرية. قبل ثلاثة أشهر في الانتخابات الاكثر نزاهة في تاريخ اللجنة النرويجية، تم منح جائزة نوبل للسلام للجنة الحوار القومي التونسية بسبب مساهمتها في الانتقال إلى الديمقراطية. منظمة الاعضاء الاربعة القدامى وصلت بين الاتحادات المهنية وبين اصحاب الاعمال والقانونيين وباقي عناصر القوة ونجحوا في انقاذ الدولة من الغرق في الفوضى. الرباعية قادت عملية أنقذت تونس من الشلل السياسي، حكومة فاشلة لحزب إسلامي ومجموعة من التصفيات السياسية.
لا يمكن القول بعد أن تونس خرجت من دائرة الخطر. آلاف الشباب الذين انضموا لتنظيم الدولة الإسلامية (داعش) في سوريا هم طرف جبل الجليد للخطر الجهادي الذي وجد تعبيره في عمليتين إرهابيتين قتل فيهما عشرات السياح في السنة الماضية. بعض النخب الاقتصادية والسياسية في النظام القديم حافظت على مكانتها، لكن هذه جنة عدن قياسا بدول المنطقة الاخرى. في مصر فاز حزب الاخوان المسلمين في الانتخابات الاولى الحرة نسبيا. لكن النظام الإسلامي الفاشل تم استبداله ليس بنظام أكثر ديمقراطية، بل بنظام عسكري قمعي أكثر قوة – الجنرال عبد الفتاح السيسي، مبارك شاب أكثر قوة. وقد تعلم الدرس وأثبت أنه قادر على الحفاظ على مراكز السلطة والاقتصاد، حتى لو كان الثمن قتل مئات المتظاهرين في الشوارع. أحداث ميدان التحرير لن تتكرر، ويتم الآن اعمار الميدان كي لا يناسب المظاهرات بمئات آلاف المواطنين، ليس فقط الإسلاميين بل اولئك الشباب العلمانيين الذين تتم ملاحقتهم. لن تسقط اللجنة العسكرية العليا في مصر مرة اخرى. ونظام اوباما الذي كان يعتبر أن الديمقراطية الإسلامية قادرة على البقاء، اضطر إلى بلع النظام القمعي المتجدد وتقديم الدعم العسكري والسلاح له رغم اخلاله بحقوق الانسان.
في البحرين ازداد قمع الاقلية السنية للاغلبية الشيعية التي تطالب، بتشجيع من إيران، بنظام جديد. في اليمن خرج علي عبد الله صالح إلى المنفى. وفي ليبيا تم القاء القبض على معمر القذافي وتم الاعتداء عليه وتعذيبه جنسيا قبل إعدامه في الشارع. ولكن هناك دولتين منقسمتين تعيشان حالة حرب بين الاحزاب والقبائل. في سوريا بقي بشار الاسد والثمن هو اغراق الدولة بدماء 250 ألف قتيل، واقتلاع أكثر من نصف السكان وتهجير نحو 4 ملايين مواطن. الكثير من اللاجئين السوريين وصلوا إلى اوروبا بعد أن فقدوا الأمل في العودة.
لماذا تونس فقط هي التي نجحت. وجميع الدول التعيسة فشلت في طريقها. في مصر الشهوة للسلطة من قبل الإسلاميين اصطدمت بتصميم الجيش الكبير والقوي الذي حافظ وطور مصالحه. في ليبيا تبين أن الدولة الصحراوية ما هي إلا مجموعة من القبائل والحمائل التي لا يوجد قاسم مشترك بينها. وتبين أن سوريا، بعد مئة عام من انشائها، هي دولة اصطناعية تعيش فقط تحت سلطة مركزية قمعية. وعملية مشابهة تحدث في العراق الذي حدثت فيه الثورة في العقد الماضي في أعقاب الاحتلال الأمريكي. إلى الفراغ داخل العراق وسوريا واليمن دخل المتنافسون على السيطرة الاقليمية ـ إيران والسعودية وتركيا. والسعودية تحمي ايضا مستقبل خليفة البحرين حيث قام خليفة آخر حاليا هو زعيم تنظيم الدولة الإسلامية أبو بكر البغدادي الذي يرى كيف أن مقاتليه يفككون جميع دول المنطقة.
كان لتونس الحظ. رئيسها الفاسد إبن علي سقط أولا بدون تحذير. ولم ينجح في تعزيز القمع المانع. لا توجد للدولة جارات كبيرة تريد أن توسع تأثيرها. لا يوجد فيها نفط أو غاز. وصحيح أن الإسلاميين في الدولة نجحوا في الانتخابات لكنهم لم يسيطروا بما يكفي من اجل البقاء في السلطة. الجيش ايضا لم يكن قويا أو مركزيا في الاقتصاد. والحفاظ على مصالح الجنرالات لم يستوجب الاحتفاظ بالسلطة. وقد يكون هذا استنتاجا شرطيا ـ الديمقراطية بحاجة إلى وقت كي تتطور. وليس صدفة أن الدولة الوحيدة التي خرجت بسلام من الثورة هي تلك التي بقي فيها ذكر للارث الكولونيالي الغربي ومبادئ مثل العلمانية والمساواة للنساء والعمل المنظم حيث تم هذا تحت سلطة إبن علي. تونس اليوم أكثر ديمقراطية، لكن طابعها لم يتغير كثيرا. فهي ما زالت دولة صغيرة مع نكهة فرنسية على شواطيء البحر المتوسط.
الغريزة الانسانية للحرية قائمة. لكن الحاجة إلى الاستقرار والبقاء، أهم. المصريون في النهاية اختاروا الجنرالات المعروفين وليس الإسلاميين الفاشلين. مسألة تعود. في البحرين والاردن وتركيا والسعودية وباقي دول الخليج فضلوا عدم الانتفاض ضد الملوك والمتسلطين المعروفين. الغير محبوبين ولكنهم مستقرون. ويمكن فهمهم. فمن يريد أن ينتهي مثل اليمن أو ليبيا أو العراق أو سوريا.
هآرتس 17/1/2016
انشل بابر