تونس – «القدس العربي»: وسط إجراءات أمنية مشددة، اجتمع عشرات الآلاف من التونسيين والأجانب من مختلف أرجاء الكون من الناشطين في المجتمع المدني في المُركب الجامعي في المنار، الذي يضم عددا من كليات العاصمة، وذلك في إطار «المنتدى الإجتماعي العالمي» الذي احتضنته تونس خلال الأسبوع المنقضي. وقد أقبل هذا الحشد من مختلف الأعمار ودول العالم متحديا الإرهاب الذي ضرب منذ أيام معدودات صرحا ثقافيا عالميا هو متحف باردو الذي يضم نفائس الحضارات المتعاقبة على تونس منذ العصر القرطاجي.
ويبدو أن عملية باردو الأخيرة كان مفعولها عكسيا، وذلك بخلاف ما أراده لها منفذوها المحليون والخارجيون، حيث أقبل النشطاء على تونس بأعداد كثيفة وأكثر مما كان متوقعا تضامنا معها فيما أصابها من إرهاب. ووفقا لمصادر من الهيئة التنظيمية للمنتدى، فإن المنظمين وجدوا صعوبات لإيواء النشطاء بسبب عدم توفر أماكن شاغرة في فنادق العاصمة التونسية المعروفة بطاقة استيعابها الكبيرة.
مناهضة العولمة
يشار إلى أن «المنتدى الاجتماعي العالمي» هو لقاء سنوي لأعضاء الحركة العالمية لمناهضة العولمة ينسقون من خلاله تحركاتهم طوال السنة، ويتم من خلاله أيضا التعارف بين مختلف منظمات المجتمع المدني العالمية وتبادل الأفكار حول مختلف القضايا من خلال ندوات ونقاشات ومداخلات تنتشر على نطاق الفضاء الواسع لمكان انعقاده.
كما تُعرف من خلاله الجمعيات والمنظمات العالمية المشاركة، زوار أجنحتها في المعارض المقامة، بمختلف الأنشطة التي تقوم بها وبدورها في النهوض بمجتمعاتها. وقد تأسست عدة منتديات عالمية أخرى نتيجة للقاءات التي تمت في هذا المنتدى وذلك على غرار «المنتدى الإجتماعي الأوروبي» و»المنتدى الإجتماعي الآسيوي» وكذا المتوسطي وغيرها.
وقد حظيت العديد من مدن العالم في مختلف القارات بشرف تنظيم هذا المنتدى، الذي يلقى إقبالا واسعا. لكن ما يميز تونس عن غيرها أنها احتضنته مرتين، الأولى كانت خلال المرحلة الإنتقالية بعد الإطاحة بنظام بن علي حيث عرفت البلاد طفرة في الحريات ومنها حرية تأسيس الجمعيات التي لم يعد تكوينها يخضع للترخيص وإنما لإعلام السلطات لا غير، والثانية بعد النجاح في كتابة دستور الجمهورية الثانية والخروج نهائيا من المرحلة الإنتقالية بانتخاب المؤسسات الدائمة بطريقة حرة وشفافة ومن خلال توافق وطني حصل بفعل جهود منظمات المجتمع المدني وعلى رأسها الإتحاد العام التونسي للشغل، الذي رعى حوارا وطنيا بين الأحزاب، بمعية ثلاث منظمات أخرى، أوصل البلاد إلى بر الأمان دون تدخلات خارجية.
القضية الفلسطينية
ناقش المشاركون في هذا المنتدى عددا من القضايا السياسية والإقتصادية والإجتماعية والثقافية التي تهم العالم. وكانت للعالمين العربي والإسلامي مشاركات هامة، حيث كان الحضور الفلسطيني على سبيل المثال لافتا من خلال الندوات المتعددة والحضور الكثيف للمنظمات الفلسطينية والأجنحة التي خصصت لها والتي أقبل عليها زوار المنتدى. وأعرب المشاركون عن تضامنهم مع الشعب الفلسطيني وعن مناهضتهم لكافة أشكال التطبيع مع الكيان الصهيوني وعبرت منظمات حقوقية عربية ودولية حاضرة عن عزمها على ملاحقة مجرمي الكيان الصهيوني الغاصب قضائيا وملاحقة المطبعين معه والتنسيق فيما بينها في هذا المجال.
كما حضرت قضية الصحراء من خلال منظمات صحراوية معارضة لضم الصحراء الغربية إلى المغرب توالي جبهة تحرير الساقية الحمراء ووادي الذهب (البوليساريو) وأخرى تعتبر الصحراء أرضا مغربية وتتحدث عن اضطهاد تعرض له بعض الصحراويين، الذين تحولوا إلى موالين للعرش المغربي، من قبل جبهة البوليساريو. وقد شهدت الندوات المتعلقة بهذه القضية نقاشات حادة جعلت الكل يخشى من أن تتطور الأمور إلى ما لا يحمد عقباه بين الجزائريين والمغاربة وشقي الصحراويين.
كما شهد المنتدى نقاشات حادة بين جمعيات ومنظمات تدافع عن الخط القومي العربي سواء كانت ناصرية أم بعثية وأخرى إيرانية توالي النظام القائم في طهران. وكان محور الخلاف أساسا هو الأحواز التي يتمسك القوميون بأنها إمارة عربية محتلة من قبل الفرس فيما يصر الإيرانيون على أنها أرض إيرانية، كما اختلف الطرفان حول التدخل الإيراني في الشأن العراقي وفي شؤون دول عربية أخرى ووصل التشنج إلى حد المطالبة بطرد الإيرانيين من هذا المنتدى الذي تحتضنه دولة عربية.
الأمازيغ والسودان والإرهاب
وحضر السودان بمشاكله في هذا المنتدى من خلال القضايا التي أثيرت كأزمتي دارفور وجنوب كردوفان ومسألة التقسيم والعلاقة مع الجنوب الذي اختار في وقت سابق الإنفصال. ولم تحصل خلافات كبيرة بين المنظمات المهتمة بهذا الشأن باعتبار اتفاق أغلبها على العمل على وحدة السودان وبذل الجهد لتجنب تقسيمه مجددا إلى دويلات مع العمل على رفع الظلم عن بعض مكوناته.
وحضرت أيضا منظمات مدافعة عن «حقوق الأمازيغ» في دول شمال أفريقيا تنتمي أساسا إلى بلدان المغرب والجزائر وليبيا بعضها ارتدى أزياءه التقليدية طيلة أيام المنتدى. وتطالب هذه الجمعيات بالحقوق الثقافية لهذه القومية ومنها اعتبار لغتها لغة رسمية إلى جانب العربية في تونس وليبيا تحديدا بعد أن تم الإعتراف بها في الجزائر والمغرب في وقت سابق.
كما ناقش نشطاء المجتمع المدني الحاضرون مسألة الإرهاب الذي استشرى في العالم وتدارسوا سبل محاربته باعتباره آفة العصر من خلال الضغط على الحكومات لتوحيد الجهود. وقام المشاركون بمسيرة على الأقدام باتجاه متحف باردو الذي شهد عملية إرهابية راح ضحيتها 22 شخصا، إثنان منهم تونسيان والآخرون من السياح الذي حلوا بباردو للتعرف على خصائص الحضارة القرطاجية العريقة.
الديمقراطية وحقوق الإنسان
وبخلاف الأجنحة المخصصة لبلدان العالمين العربي والإسلامي، أجمع الزائرون والمشاركون على أن النقاشات كانت هادئة وعقلانية في الأجنحة المخصصة للمنظمات الأوروبية والأمريكية اللاتينية وحتى الإفريقية والآسيوية. فقد ناقشت وفود هذه البلدان قضايا الديمقراطية وحقوق الإنسان والمواطنة والحوكمة الرشيدة والحريات وغيرها وتميز البرازيليون بحسن التنظيم للندوات شأنهم شأن أبناء عمومتهم البرتغاليين.
وكان الحضور الفني لافتا أيضا، فقد جاءت فرق موسيقية وفنانون من شتى أنحاء العالم وهو ما أضفى على المنتدى جوا احتفاليا أدخل على النفوس الكثير من البهجة والسرور. وحضرت أيضا الأكلات الشعبية التونسية وغير التونسية على غرار الكسكسي الذي تشتهر به بلدان المغرب العربي ومنها تونس، حتى أن مشاركا من قبائل الطوارق في شمال مالي والتي تنتمي ثقافيا وعرقيا إلى شعوب بلاد المغرب الكبير صرح على سبيل المزاح قائلا: «لقد فرقتنا كمغاربيين عديد القضايا لكن الكسكسي جمعنا»، واقترح أن يستهل القادة المغاربيون قممهم بأكل الكسكسي ففيه بركة قد تساهم في تصفية القلوب وتجمع من تفرقوا.
وحضرت المنتدى بعض المنظمات الفاعلة على الساحتين المحلية والدولية فيها راعي الحوار الوطني في تونس الإتحاد العام التونسي للشغل، ومنظمة العفو الدولية، والهيومن رايتس ووتش وغيرها. وحضرت أيضا وجوه وشخصيات فاعلة في المجتمع المدني وخصوصا في المجال الحقوقي من التونسيين والعرب والأجانب مثل مصطفى البرغوثي وعمرو حمزاوي وآخرين بالإضافة إلى الحضور الإعلامي الكثيف.
قضايا المرأة
كما لم يفت المنتدى أن يعرج على قضايا المرأة في العالم، وما تعانيه من مشاكل خصوصا في بلدان تشهد حروبا ونزاعات. ومن بين القضايا التي نوقشت الدور الأساسي الذي يمكن أن تلعبه المرأة في عملية الإنتقال الديمقراطي التي تشهدها بعض البلدان، باعتبارها فاعلا أساسيا وشريكا للرجل في بناء الأسرة والمجتمع على حد سواء.
وفي هذا الإطار عبرت الناشطة الحقوقية الليبية أميرة الجليدي مسعود في مداخلة في إحدى حلقات المنتدى نظمتها جمعية النساء التونسيات حول التنمية بالتعاون مع المنظمة الدولية للجندر، عن أسفها من التمثيل الضعيف للمرأة الليبية في مختلف المؤسسات التي تم إنشاؤها أو انتخابها بعد عملية الإطاحة بنظام القذافي واعتبرت ذلك من مآسي المرحلة الإنتقالية. كما لفتت إلى أن التمييز الإيجابي للمرأة الليبية من خلال تخصيص نسبة مشاركة لها (كوتا) فرضت خلال فترة تشكيل مجلس الحكم الإنتقالي في ليبيا لم تكن كافية لمشاركة المرأة الليبية الفاعلة في الحياة السياسية في بلادها.
وتواصل غياب المرأة الليبية، بحسب أميرة الجليدي، في عملية انتخاب مجلس الستين الذي عهدت له مهمة كتابة الدستور حيث اتفق على أن تخصص لها 6 مقاعد فقط من أصل ستين، وأيضا في انتخابات مجلس النواب حيث ساهمت الظروف الأمنية السيئة في ليبيا في عدم قدرتها على الوصول إلى مراكز الإقتراع للإدلاء بصوتها. وطالبت الناشطة الحقوقية الليبية باعتماد آليات جديدة لإشراك المرأة أكثر في القرار على غرار التناصف في المترشحين من الجنسين في الإنتخابات، وتعرضت في خاتمة مداخلتها إلى الدور البارز الذي لعبته المرأة الليبية في بلادها منذ مرحلة الإستعمار الإيطالي الذي كان دورها بارزا في مقاومته.
إقبال التونسيين
ورغم الأمطار الغزيرة التي شهدتها العاصمة التونسية خلال أيام المنتدى، ورغم برودة الطقس في هضبة المنار الجميلة المطلة على العاصمة والتي أقيمت عليها المدينة الجامعية، ورغم افتتاح معرض تونس الدولي للكتاب بالتزامن مع هذا الحدث العالمي، فإن إقبال التونسيين كان كثيفا على المنتدى الإجتماعي. وقد لاحظ المشاركون طوابير السيارات التي تمتد إلى مسافات بعيدة عن مكان انعقاد المنتدى كما لوحظت كثافة حضور حافلات النقل الجزائرية التي جلبت المشاركين برا من مختلف أرجاء بلد المليون شهيد.
وقد تجندت لإنجاح هذا الحدث مختلف الأطراف من أمن وجيش ولجنة تنظيم ومنظمات محلية وغيرها، وحتى وزارة الخارجية أعطت تعليماتها، وفقا لمعلومات أكدتها مصادرنا، لسفارات تونس في الخارج وقنصلياتها بتسهيل حصول المشاركين على تأشيرات الدخول إلى الخضراء وتذليل جميع العقبات أمامهم. فالتونسيون يرغبون في أن ينقل عنهم المشاركون ووسائل الإعلام الحاضرة صورة مغايرة لتلك التي تسببت فيها العمليات الإرهابية الأخيرة والتي أثرت سلبا على قدرة البلاد على الجذب السياحي.
ويبدو أنهم نجحوا في ذلك بعد أن عبر أغلب المشاركين الذين التقيناهم عن سعادتهم بهذا اللقاء وعن تضامنهم مع الشعب التونسي ووقوفهم إلى جانبه في محاربة الظاهرة الإرهابية. كما عبروا عن رغبتهم في العودة إلى هذه الربوع متى سنحت الفرصة لما لمسوه من ترحاب من قبل التونسيين ولتوفر البلاد على بنية تحتية من فنادق ووسائل نقل واتصال تساعد على تنظيم كبرى الملتقيات والتظاهرات والمنتديات العالمية.
روعة قاسم