تونس ـ من عدنان بشير معيتيق: تعتبر «المحرس» التونسية من أهم المحطات الفنية للكثير من الفنانين العالميين والعرب ، ومن أشهرهم بول كلي ورفيقيه أوغست ماكي ولويس ماييه. واليوم بعد مرور أكثر من خمسين سنة يجتمع الفنانون مجددا من جميع أطراف المعمورة، في إطلالة الدورة الثلاثين من عمر مهرجان المحرس للفنون التشكيلية، منذ انطلاقته الأولى التي وضع أساسها الفنان الراحل يوسف الرقيق، ليخلفه إسماعيل حابه مكملا الرحلة.
انعقد المهرجان في الفترة ما بين 16 وحتى 23 من الشهر الفائت، وقد جمع أكثر من ثلاتين تشكيليا من مختلف البلدان العربية والأوروبية. شاركت لبنان وليبيا وسوريا والكويت والأردن والسودان والسعودية والجزائر والمغرب ومصر وفرنسا وجزر موريشيوس، بالإضافة إلى البلد المضيف تونس.
الفعاليات
تنوعت أيام المهرجان بين الندوات حول الفن التشكيلي وورش العمل والمعارض ورسم الجداريات في مناطق مختلفة في المدينة، وحضور حفلات موسيقية وزيارات ميدانية أخرى جاءت بعد الافتتاح الرسمي، وورش للفنانين تنوعت في أسلوب الرسم، حسب تنوع رؤى وخبرة كل فنان، وأنتجت في الورشة أعمال فنية أضيفت إلى رصيد السنوات الماضية، حيث يمتلك المهرجان أكثر من ثلاثة آلاف عمل فني على مدى ثلاثين عاما، تنوعت بين الرسم والنحت والتصوير الضوئي والأعمال التركيبية الأخرى والجداريات التي زينت المدينة وتمت إقامة معرض لكل هذه الأعمال المنجزة في هذه الدورة في نهاية هذا الحدث الفني يوم الاختتام.
تجارب مهمة
الكثير من هذه التجارب كانت تقترب من الفن الحديث في بداية القرن العشرين، وما نتج بعده من تيارات فنية مختلفة من الكلاسيكية الحديثة إلى التجريدية والتعبيرية التجريدية، وكانت أعمال في مجملها ذات ملامح غربية، إلا بعض التجارب التي كانت منطلقاتها عربية إفريقية وشكلت مفرداتها وخصوصيتها من خلال خبرة طويلة في التعامل مع الموروث العالمي والعربي الإسلامي والإفريقي، فجاءت تجربة الفنان التونسي محمد مرزوق من ضمن التجارب الفنية التي تعبر عن مناخ شمال المتوسط بألوانها الناصعة وخطوطها المرهفة، التي هي أيضا تقترب من مجموعة «لوحات تونس» التي نفذها بول كلي في مطلع القرن العشرين.
لوحات الفنان السوداني محمد عبدالله عتيبي كانت حاضرة بقوة بمفردات إسلامية عربية إفريقية، أصبحت لها خصوصية في قوة اللون الأصفر والبرتقالي، حيث المناخ الصحراوي، المكتظ بمفردات الموروث الشعبي السوداني وحياة البسطاء من الناس العاديين، بكل معتقداتهم وآمالهم التي تعايشوا معها في فترات زمنية مختلفة، فقصص المزار والملك وأبوزيد الهلالي والغول والعنقاء، كلها كانت حاضرة حتى إن كانت على استحياء، فالفنان يجنح إلى تلخيص الصور الذهنية، وعدم تقديمها بشكل مباشر، فالمهم عنده القيمة التشكيلية لأعماله المنجزة. ميرزا الصالح تجربة فنية سعودية جاءت من الشرق بموروث الفن الإسلامي، الذي كان متأثرا بما تطرحه خطابات الفن الإيراني منذ زمن الخطاطين الأوائل في عصر الخطاط الإيراني المعروف ميرزا أصفهاني، وتجاوزت هذه المناخات بألوان صريحة كالأخضر وتدرجاته، وبعض المقولات المأثورة في توزيع هندسي يضفي على هذه الأعمال سمات الفن البصري والاتجاهات التجريدية الحديثة. وكانت أعمال الحرباوي ذات مناخ متوسطي أيضا من حيث المبنى المعماري، وأجواء صحراوية للون الأصفر والترابي الغالب على طقس هذه الأعمال. الفنانة المغربية ليلى عراقي رسمت أعمالها بطقوس دينية، حيث ملمس ألواح تحفيظ القرآن التي كانت تستعمل في «الكُتاب» وحركات تعبيرية لأخوات صغيرات تربطهن متلازمة العيش معا. الفنان الفلسطيني كان أكثر الحاضرين تعبيرا عن أزمة وطن، ولوحاته كانت بمثابة كتالوغات «أسس تصميم» فنية لأزياء النسوة الفلسطينيات والحياة اليومية بثراء موروثها الشعبي، من قصص النضال والتطلع لحياة أفضل بألوان طازجة، صريحة متعددة في تناغم متقن كمشروع مستقبلي لحياة حرة خالية من القبح. محمد الحداد فنان جزائري مقيم في فرنسا أعماله من مخرجات فنون ما بعد الحرب العالمية الثانية، حيث استعمل مواد وأشياء مهملة، تم تجميعها من فناء الورشة على سطح اللوحة بشكل ذهني، مع إضافة خطوط وخربشات عفوية ربط بها كل هذه المفردات الموجودة فتداخلت العفوية مع التوزيع الهندسي بطريقة الكولاج، على مساحات بيضاء من اللوحة. شيماء زعفوري فنانة تونسية تحاول الدخول إلى عالم الفن الأولي «الفن الخام « الذي رسخ مبادئه الفنان الفرنسي جان دي بوفيه، في منتصف القرن العشرين، حيث الخامات تعتبر الموضوع الأساسي في بناء العمل الفني مع التلقائية في التعبير، واستحضار أشكال مكملة للعمل الفني من عالم الطفولة والمراحل المبكرة في حياة الإنسان. محمد الرايس فنان من الكويت في لوحاته عنفوان الشباب لموضوع البورتريه تقترب من اللوحة التجريدية، إلى حد كبير فنضارة اللون عنده وحركية الفرشاة والظلال وتدرجاتها تجعل من البورترية موضوعا ثانويا في أغلب الأحيان. الفنان التونسي برهان بن عربية كانت أعماله من ضمن تيارات الفن التجريدي، التي تقترب كثيرا في شكلها العام من الحروفية، وإن كانت بشكل مجرد فهي أشباه حروف في طور التشكيل ليست للقراءة، بل للفرجة كتلك المحاولات التي رسمها بول كلي، فهي تجمع بين الحروف والزخارف في الوقت نفسه.
خالد الفقي فنان تشكيلي من تونس أعماله تندرج تحت مسمى التعبيرية التجريدية بألوان ناضجة وأضواء مشرقية تنحدر تحت مدرسة وليام دي كونينج، أرشيل غوركي. المصور الفوتوغرافي والناقد الفرنسي بيرنارد ترود، شارك بصور فوتوغرافية لبورتريهات لها علاقة بالدماغ البشري وتفاعلاته اليومية، مع الصورة الذهنية وعلاقتها بإدراك الفنان والمتلقي، وهذا كان بحثه بالأساس في أغلب كتاباته التشكيلية والمعتمد فيها على الحقائق العلمية. وشارك أيضا عدد من فناني الغرافتي لتجميل جدران المدينة من فرنسا وتونس وفلسطين، وقد جاءت ترسيخا لفكرة خروج الفن إلى الشارع وهو شعار المهرجان لهذه الدورة. بيرفورمنس الأدائي للفنانة فاطمة الزهراء الذي أقيم يوم الافتتاح يبدو تقليديا بالنسبة إلى ما يحدث في الغرب، ولكن أضاف على المشهد الكثير، حيث يحاول المهرجان الخروج من المناخ التقليدي ومحاولة اللحاق بما يحدث على الساحة العالمية.