تونس تدفع فاتورة باهظة جدا بسبب الإرهاب

حجم الخط
3

تونس ـ «القدس العربي»:توقع جل الخبراء والمحللين بأن تشهد تونس عددا من العمليات الإرهابية خلال شهر رمضان، وصرح مسؤولون أمنيون تونسيون في وقت سابق بأنهم على أهبة الإستعداد للتصدي للجماعات التكفيرية في حال أقدمت عناصرها على استهداف البلاد خلال شهر رمضان، تشجعهم في ذلك النجاحات التي تحققت في الآونة الأخيرة بإحباط عدد من العمليات وتصفية عدد من القيادات البارزة في هذه التنظيمات الإرهابية وعلى رأسها الجزائري لقمان أبو صخر الذي أوقع به الأمن التونسي في كمين قرب مدينة قفصة غرب البلاد.
لكن حادثة سوسة التي قتل خلالها ثمانية وثلاثين شخصا وجرح آخرون بعضهم في حالة خطرة جاءت لتؤكد أن الأجهزة الإستخباراتية التونسية ليست في أفضل حالاتها، وأن المؤسسة الأمنية قد تم إضعافها بعد الثورة بإبعاد قيادات فاعلة تتمتع بكفاءة عالية بتعلة عملها مع النظام السابق. كما أن حل جهاز أمن الدولة بعد ثورة 14 كانون ثاني/يناير، ساهم في إضعاف قدرة الأمن التونسي على توقع المخاطر والتوقي منها.

تقصير أمني

لقد تسلل منفذا العملية إلى الفندق، وبحسب شهود عيان، من جهة الشاطئ ولم ينتبه المشرفون على الأمن لتسللهما باعتبار أن المظهر الخارجي لكليهما يوحي بأنهما من المصطافين وجاءا للسباحة في البحر أو في المسبح التابع للفندق. كما أن حرارة الطقس الشديدة عند الظهيرة في فصل الصيف التونسي ساهمت في إضعاف قدرات المكلفين بالحراسة، ويبدو أن الصوم أثر بدوره على هذه القدرات والإستعدادات.
ويحمل البعض الأجهزة الأمنية المسؤولية عما حصل ويتهمها بالتقصير في اتخاذ الإحتياطات اللازمة خاصة وأن هذه العملية كانت متوقعة ولم تكن مفاجئة للرأي العام في تونس. واعتبر البعض أيضا أن الأمر يتعلق بفشل استخباراتي خاصة وأن لدى وزارة الداخلية كل الإمكانيات للوصول إلى الإرهابيين وتعقب تحركاتهم سواء من خلال التنصت على الإتصالات الهاتفية أو من خلال الولوج إلى المواقع وصفحات التواصل الإجتماعي والبريد الإلكتروني أو من خلال زرع العملاء في داخل هذه التنظيمات لمعرفة تحركاتهم.

الأمن الموازي مجددا..

وذهبت بعض الأصوات إلى حد الدعوة إلى فتح ملف ما يسمى «الأمن الموازي» – ويتعلق الأمر بعناصر أمنية تم إنتدابها بمختلف الأجهزة بعد الثورة، وبعضها تم طرده من قبل نظام بن علي بسبب شبهة طالته بالتعاطف مع أحزاب دينية وتمت إعادته بعد انهيار نظام بن علي- الذي يتهم بالتخابر مع الجماعات التكفيرية وتسهيل الظروف الملائمة لها للقيام بعملياتها. ولم يثبت يقينا وجود هذه الفئة من الأمنيين وكل ما في الأمر أن هناك شبهة وتلميحات من عناصر نقابية أمنية بوجود زملاء لهم يعملون لصالح أجندات أحزاب دينية وجماعات تكفيرية تم من خلالها اختراق وزارة الداخلية، تلك الوزارة كانت على الدوام قلعة منيعة يصعب التسلل إليها.
ولعل ما يجعل الشكوك تزداد حول وجود هذه العناصر في مختلف الأجهزة الأمنية هي الكفاءة العالية والقدرات الرهيبة التي ظهر عليها الأمن التونسي خلال الفترة الماضية، حيث أحبط عديد العمليات الإرهابية وضرب الإرهابيين في مقتل من خلال عمليات استباقية أثارت الإعجاب وأشعرت التونسيين بالأمان والإطمئنان. فكيف تعجز هذه الأجهزة التي قضت على أخطر الإرهابيين في بلاد المغرب عن إحباط عملية إرتكبها هواة مبتدئون من طلاب الجامعات التونسية وفي مكان توقع الجميع أن تطاله يد الإرهاب وفي هذا التوقيت تحديدا؟

سنة بيضاء

وبخلاف ما ذهبت إليه جل التحليلات فإن الإقتصاد التونسي لن يتضرر كثيرا من هذه العملية لأن الكل توقع سنة بيضاء في قطاع السياحة منذ عملية باردو التي استفادت منها دولة مغاربية منافسة لتونس في هذا الميدان تحولت إليها أغلب الحجوزات في تلك الفترة. كما أن القطاع السياحي التونسي بات يعتمد في السنوات الأخيرة وبالأساس على السياحة الداخلية وبدأ المشرفون على هذا القطاع يتوجهون بالأساس إلى السائح التونسي ثم المغاربي وتحديدا الجزائريين والليبيين الذين لا تؤثر فيهم عادة مثل هذه الأحداث.
كما أن تونس وبخلاف ما يعتقده البعض عربيا ليست في الأساس بلدا سياحيا وإنما السياحة هي مجرد مكمل لأنشطة أساسية أخرى وهي من الموارد التي تساهم في تغطية عجز الميزان التجاري لا غير. فتونس هي بلد زراعي منتج ومصدر للغذاء يحتل مراتب متقدمة عالميا في عديد المنتوجات على غرار زيت الزيتون، ويبدو الإنتاج الفلاحي هذه السنة واعدا ومبشرا بالخير.

الإرهاب الآخر

ولعل ما يضر بالإقتصاد التونسي حقيقة هو تعطل الإنتاج المنجمي نتيجة للإضرابات المتكررة في قطاع الفوسفات ما جعل البلاد تخسر زبائنها الأوفياء لصالح ذات الدولة المغاربية التي تبدو أشد المستفيدين مما يحصل في تونس. كما أن القطاع الصناعي بصدد تسجيل خسائر فادحة لذات السبب أي كثرة الإضرابات، حتى أن المجمع الصناعي الكيميائي الضخم في مدينة قابس جنوب شرقي البلاد والذي يعتبر من مفاخر دولة الإستقلال توقف في وقت ما تماما عن العمل، وهو ما جعل شركة بيجو الفرنسية لصناعة السيارات تتراجع عن الإستثمار في تونس وتتوجه إلى ذات الدولة المغاربية لإنشاء مصنع ضخم هناك وبتكلفة عالية.
لذلك فقد اعتبر البعض أن إرهاب النقابات العمالية لا يقل عن إرهاب الجماعات التكفيرية في إضراره بالإقتصاد التونسي الذي عرف بتنوعه وعدم اعتماده على نشاط بعينه. وما لم يتم وضع حد لهذه الظاهرة فإن البلاد ستسير، بحسب هؤلاء، نحو الإفلاس أسوة باليونان وحينها سيفرض صندوق النقد الدولي شروطه التي مازال البعض يرفضها لأنها تؤدي إلى قبر الدور الإجتماعي للدولة والذي عرفت به تونس في تاريخها الحديث.

تقصير دبلوماسي

ويعتبر هشام الحاجي المحلل السياسي في تصريح لـ «القدس العربي» أن ما يحصل من عمليات إرهابية في تونس لا تتحمل مسؤوليته الأجهزة الأمنية فحسب وإنما وزارة الخارجية أيضا. فالدبلوماسية التونسية مطالبة، بحسب البرهومي، بالتفاوض مع الدول الراعية لهذه البيادق التكفيرية والمحركة لها، والضغط على هذه الدول لكف أذى بيادقها من خلال أوراق تفاوضية.
ويضيف محدثنا قائلا: «وإذا لم توجد أوراق للضغط فإننا مطالبون بخلقها، كأن نستضيف معارضي هذه الدول على أرضنا ونضغط من خلالهم أو كأن نتقارب مع خصوم هذه الدول ومنافسيها، كما أن الهجرة السرية يمكن أن تكون ورقة ضغط بالنسبة لبعض البلدان الغربية التي يمكن أن نوقف التعاون الأمني معها في هذا المجال ما لم تتوقف عن دعم الإرهابيين واستغلالهم في تنفيذ أجنداتها. فالدبلوماسية هي خط الدفاع الأول في أي استراتيجية دفاعية لكن دبلوماسيتنا للأسف باتت قاصرة عن التخطيط والبرمجة والبحث عما سميته أوراق ضغط وفق رؤية شاملة ومتكاملة والحل يكمن في تحويرات وجب القيام على رأس وزارة الخارجية تعتمد معيار الكفاءة لا المحاباة والولاءات التي كانت الأساس في التعيينات سواء مع حركة نداء تونس أو مع أسلافها في الحكم وشركائها الحاليين».

المعالجة الأمنية

من جهة أخرى يرى الحاجي بأنه لا غنى عن المعالجة الأمنية والإستخباراتية للظاهرة الإرهابية من خلال اختراق الجماعات التكفيرية وزرع العملاء في صفوفها واستباق عملياتها بضربات وقائية. ووجب أيضا، بحسب البرهومي، إرهاب الإرهابيين من خلال إنشاء جهاز سري خارج عن القانون مهمته تعقب هؤلاء واستهدافهم مباشرة في معاقلهم ودون محاكمات، لأنه لا مجال للحديث عن حقوق الإنسان مع من لا يحترم حق الإنسان في الحياة.
ويختم بالقول: «لقد بلغ السيل الزبى، لقد بات هؤلاء المجانين يفتحون النيران على الناس عشوائيا والغاية هي قتل أكبر قدر ممكن من الأبرياء، فكيف يمكن للبعض أن يتحدث عن حقوق الإنسان في التعامل مع هذه الوحوش الآدمية؟ يجب أن تنتنفي قرينة البراءة حين نتعامل مع هذه الشريحة من البشر كما لا يمكن بأي حال من الأحوال الحديث عن «المحاكمة العادلة» إذا تعلق الأمر بهؤلاء. فالفاتورة التي دفعها ويدفعها التونسيون باهظة جدا ووجب اتخاذ إجراءات مؤلمة، ومن ذلك التنكر للقناعات الحقوقية استثنائيا مع هؤلاء».

روعة قاسم

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية