تونس: «حكومة حرب» على من؟

حجم الخط
15

أعلن رئيس الوزراء التونسي يوسف الشاهد تعديلا وزارياً واسعاً شمل 13 حقيبة من أصل 25 هو الأول منذ وصوله لمنصبه قبل نحو العام في ظل ظروف صعبة تعانيها البلاد وخصوصاً في قضايا الأمن والاقتصاد، ومخاوف من تأثير الاضطرابات التي تعاني منها دول الجوار، وخصوصاً ليبيا، ومخاوف أخرى على التجربة الديمقراطية الهشّة بعد عقود من الاستبداد.
شمل التعديل وزارات مهمة كالداخلية والدفاع والمالية، وتولاها وزراء شغل اثنان منهما مناصب في حكومات الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي الذي أطاحت به الثورة التونسية عام 2011، وكانت لوزير الدفاع الحالي، عبد الكريم الزبيدي خلافات مع الرئيس السابق المنصف المرزوقي.
سبقت التعديل ضغوط من زعيم حزب «نداء تونس» حافظ قائد السبسي (نجل الرئيس) الذي طالب بالنصيب الأكبر للحزب من الحقائب «لتنفيذ برنامجه الاقتصادي والسياسي»، ما أدّى إلى مفاوضات طويلة مع حزب «النهضة»، وهو الأكبر عدداً في البرلمان، ومداخلات من الاتحاد العام التونسي للشغل، وهو، رغم كونه جهة نقابية، فإنه يعتبر لاعباً أساسياً في الساحة السياسية.
الشاهد وصف وزارته الجديدة بـ«حكومة حرب» وأنها ستخوض «المعركة نفسها ضد الفساد والإرهاب ومن أجل التنمية»، وهي أمور لا خلاف عليها، لكن المطلوب عمليّاً من الوزارة إجراء إصلاحات حساسة لإنعاش الاقتصاد وخفض العجز وموازنة المالية العمومية وهي إجراءات غير شعبيّة عادة وتخضع لمطالب المقرضين الدوليين المعتادة بخصوص سحب الدعم عن السلع وتحرير العملة وتفويض جهات أجنبية «مراقبة أداء الاقتصاد»، وهي وصفات لا تعمل بالضرورة لصالح الاقتصاد الوطنيّ وتؤدي، في أحيان كثيرة، إلى نتائج اقتصادية وسياسية خطيرة.
تناظرت النقلة الوزارية المهمة مع تصريحات جديدة للرئيس التونسي الباجي قائد السبسي دعا فيها إلى «إعادة النظر في طبيعة النظام السياسي في البلاد» كونه نظاماً «شلّ العمل الحكومي أو يكاد، وطابعه الهجين لا يساعد الحكومة، والسلطة التنفيذية عموماً، على القيام بواجباتها في تسيير الدولة وتحقيق التنمية»، متبعاً ذلك بهجوم على حركة «النهضة»، التي قال إن حزبه حاول جلبها «إلى خانة المدنية ولكن يبدو أننا أخطأنا التقييم».
ترجمة الحديث السابق إنه رغم أن «النهضة» قبلت بشروط «نداء تونس»، وتخلّت عن أهم المراكز الوزارية في الحكومة (رغم أنها الحزب الأكبر الذي يحق له تشكيل الحكومة)، فإن مطلوب السبسي هو حكومة «غير هجينة» تتشكّل كلّها من وزراء يسميهم ويقودهم الرئيس ونجله (قائد «نداء تونس») وصهره (رئيس الوزراء) وبذلك تقوم السلطة التنفيذية بواجباتها وتتحقق معجزات حلّ المشاكل الاقتصادية والأمنية والسياسية كافة… وكفانا الله شرّ الديمقراطية ونتائجها.
هذه الإشارات مأخوذة بمجموعها ومعانيها المعلنة والمضمرة، تجعلنا نتساءل إن كانت وزارة الشاهد الجديدة حقّاً هي حكومة حرب على الفساد والإرهاب إذا كان جلّ مقصود الرئيس وحزبه التفلّت من وقائع السياسة ونتائج الاقتراع والانتخابات والسيطرة الفعلية على كل مقدّرات السلطات التنفيذية من دون تكليف شعبيّ شامل يشرعن هذه السيطرة.
… كما لو أن حلم أصحاب شعارات «المدنية» الأقصى هو الدكتاتورية العائلية العسكرية!

تونس: «حكومة حرب» على من؟

رأي القدس

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية