تونس ـ «القدس العربي»: تؤكد أغلب استطلاعات الرأي في تونس على أن حكومة يوسف الشاهد، التي تسلمت مقاليد الأمور لتوها، لا تحظى بثقة عموم التونسيين. إذ لا ترى الغالبية أن هذه الحكومة سائرة في الإتجاه الصحيح وأنها قادرة على الخروج بتونس من أزمتيها، الاقتصادية والاجتماعية.
فرئيس الحكومة، ومثل ما جرت عليه العادة، لا يحظى بدعم حزب قوي بعد أن نخرت الانقسامات حركة نداء تونس وأصبح الشاهد رغما عنه طرفا فيها. وهو ما قد يدفع برئيس الجمهورية إلى تشكيل حزب جديد دعما لهذه الحكومة الهشة واستعدادا أيضا للانتخابات المحلية التي اقترب موعدها والتي ستكون مقياسا لشعبية الأحزاب السياسية بعد انتخابات 2014 التشريعية والرئاسية وستفرض واقعا جديدا.
وحسب مصدر مقرب من رئاسة الجمهورية، فإن عملية تأسيس حزب جديد ما زالت قيد التشاور ولم يتم الحسم في شأنها بعد، مثلما لم يتم الحسم في شخص أحمد نجيب الشابي ليكون هو رئيس هذا الحزب بالرغم من أنه الأوفر حظا والمرشح الأبرز.
كما قد تطرح فرضية إنشاء ائتلاف انتخابي يضم ما تبقى من حركة نداء تونس مع أحزاب أخرى ومنها الحزب الجمهوري الذي يرأسه المحامي أحمد نجيب الشابي. وسيتشكل هذا الائتلاف، على ما يبدو، من تيارات سياسية ومشارب فكرية متعددة مثل حركة نداء تونس الذي عرف بكثرة «الروافد».
كما تبدو الأحزاب السياسية المشاركة في الحكومة، بحاجة إلى دعم حضورها في عملية اتخاذ القرار من خلال منحها مواقع جديدة في الدولة عند تنصيب الولاة (المحافظين) والمعتمدين (القائم مقام أو العامل) والسفراء. فالشاهد في حاجة إلى حزام قوي من الأحزاب والجمعيات يوفر له الدعم المفقود حتى ينجح في مهامه، ويبدو في الوقت الحاضر بلا سند حقيقي إذا تم استثناء رئيس الجمهورية الباجي قائد السبسي.
فالأحزاب المشاركة في الائتلاف الحكومي لا تقدم الدعم الكافي لحكومة الشاهد ولا تتضامن فيما بينها. وهي مطالبة بالوقوف أكثر مع الحكومة بوجه الرياح العاتية باعتبار التزامها بالانخراط في عملية الانقاذ وفقا لوثيقة قرطاج التي وقعت عليها هذه الأحزاب.
الحلقة الأضعف
ولعل الحلقة الأضعف التي تعيق عمل رئيس الحكومة هي حلقة المستشارين المحيطين به وخصوصا مكتبه الإعلامي الذي وجهت له أصابع الاتهام بعد الاطلالات غير الموفقة للشاهد في وسائل الإعلام وخصوصا في حواره الذي أجري منذ قرابة الشهر في التلفزيون الوطني. كما أن هذا المكتب لم يلتزم بما تم قطعه من وعود لإجراء لقاءات مع وسائل الإعلام ولم يتعامل بمسؤولية وحرفية مع كثير من وسائل الإعلام المحلية والدولية وهــو ما أســـاء كــثـــيرا لصورة رئيس الحكومة الـــيــافع وحديث العهد بالساحة السياسية.
ولعل ضعف هذه الحلقة برز أكثر في مشروع قانون المالية الجديد الذي أثار حفيظة قطاعات وشرائح واسعة في المجتمع التونسي كانت حكومات سابقة تتجنب إثارة الخلافات معها حفاظا على الاستقرار. وبرز المحامون كأشد المعارضين لهذا المشروع الذي رأوا فيه تضييقا على ممارستهم اليومية لمهنتهم، ودخلوا في إضراب عام شمل كل محاكم الجمهورية ليليه أسبوع غضب تم التراجع عنه منذ يومه الأول بعد ان قبلت الحكومة بالتفاوض مع المحامين لتعديل مشروع قانون المالية.
ولعل أهم المعضلات التي تواجه حكومة يوسف الشاهد، ولا يبدو انه يوجد لها حل في الأفق هي مسألة الزيادة في الأجور التي طالب بها الاتحاد العام التونسي للشغل ووافقت عليها الحكومة السابقة. وقد أمضت المركزية النقابية على وثيقة قرطاج باعتبارها تضمنت مسألة الزيادات وكانت هذه الوثيقة الأرضية والمنطلق لتشكيل هذه الحكومة.
ويصر الاتحاد على موقفه بعدم التنازل عن هذه الزيادات خاصة وأنه بانتظار استحقاق انتخابي داخلي تبدو فيه القيادات بحاجة ماسة إلى دعم النقابيين انتخابيا، ولذلك فهي لن تتورع عن الدفاع باصرار على حقوقهم ومنها الزيادة الطبيعية في الأجور. وفي المقابل فإن الحكومة تبدو مصرة أيضا على موقفها خاصة بعد عدم إدراج الزيادات في مشروع قانون المالية الجديد الذي أعد على عجل، وبعد تصريحات صادرة من هنا وهناك من قبل بعض أعضائها تؤكد على أن الزيادات غير واردة وأن الدولة بحاجة إلى موارد إضافية في ظل الوضع الاقتصادي الصعب الذي تمر به.
لذلك يتوقع أغلب الخبراء والمحللين أن تعرف تونس شتاء سياسيا ساخنا إذا لم يحصل اتفاق بين الحكومة والاتحاد العام التونسي للشغل وبينها وبين الهيئة الوطنية للمحامين وحتى رجال الأعمال ممثلين بمنظمة الأعراف حول قانون المالية الجديد. فهذه المنظمات الوطنية الثلاث شكلت في السابق إلى جانب الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان، الرباعي الذي رعى الحوار الوطني في تونس وأنقذ البلاد من حرب أهلية كانت قاب قوسين أو أدنى وهو يزن كثيرا على الساحة، حتى ان البعض شبه اتحاد الشغل من حيث النفوذ والتأثير بالمؤسسة العسكرية في مصر.
والحقيقة أن تاريخ تونس حافل بالأحداث في شهر كانون الثاني/يناير، ففيه أعطى بورقيبة إشارة انطلاق الثورة التونسية المسلحة ضد الاستعمار الفرنسي سنة 1952 بعد أن تنكرت فرنسا لوعودها بمنح تونس استقلالها، وفي هذا الشهر حصلت أحداث الخميس الأسود سنة 1978 الذي عرفت فيه تونس قتلى وجرحى نتيجة صدام بين الاتحاد العام التونسي للشغل ونظام بورقيبة تدخل الجيش لحسمه. كما شهد هذا الشهر سنة 1980 أحداث قفصة الأليمة التي قام مجموعة من المتمردين التونسيين مدعومين من نظام القذافي كانوا يهدفون إلى قلب النظام وأحبطت مخططهم قوى الأمن والجيش. كما شهد هذا الشهر في سنة 1984 ما سمي بأحداث «الخبز» وهي اضطرابات اجتماعية خلفت الكثير من الضحايا، وأخيرا تمت الاطاحة بنظام بن علي في هذا الشهر من سنة 2011.
روعة قاسم