سألني صديق يعيش في بريطانيا منذ اكثر من عقدين، إن كنت قد راجعت الموقف الذي كتبته قبل اسبوع حول انتصار الاسلاميين في الانتخابات البرلمانية، التي جرت في تونس في السادس والعشرين من الشهر الماضي، بعد ان اظهرت نتائجها الرسمية تأخرا واضحا لـ»حركة النهضة»، مقابل التقدم الملحوظ لغريمتها الجديدة «حركة نداء تونس»، وحصولها على اعلى نسب التصويت في السباق على مقاعد البرلمان المقبل.
الصديق الذي غادر البلاد في التسعينات ليعود اليها بعد هروب الرئيس المخلوع بن علي في 2011، ردد مثل كثيرين في تونس بان الطريق باتت الان معبدة ومفروشة بالورود امام زعيم النداء، ومرشحه لانتخابات الرئاسة للفوز بسهولة بمقعد الرئاسة ومن الدور الاول، وكسب «قرطاج» بعد النصر في «القصبة»، ولم يغفل ان يوجه لوما لاذعا لقيادة «حركة النهضة» باعتبارها المسؤولة الاولى، كما قال، عما اعتبره فشلا وهزيمة قادت لخسارة السلطة، بعد كل التطمينات والتنازلات التي سمحت للنظام القديم بالعودة والتقاط انفاسه الاخيرة من جديد، قبل الانقضاض على الثورة في ما بعد بواسطة صناديق الاقتراع.
لم يكن بوسعي ان اسهب في شرح او تبرير فكرة فوز لم تقنع الكثيرين على ما يبدو، بمن فيهم الصديق المغترب، واكتفيت بعد الاستماع الى رأيه بالرد «تونس ليست بريطانيا يا صديقي العزيز، وواقع البلد صعب ومعقد، وما يحيط به في الجوار القريب والبعيد اشد تعقيدا وصعوبة». لم اعرف بعد ذلك إن كانت تلك الكلمات القصيرة قد تركت اثرا أو وقعا في ذهن المستفسر ام لا. لكن صخبا اعلاميا رافق انتشار خبرين يبدوان على علاقة مباشرة بالانتخابات، وبالمسار الذي اختارت تونس السير فيه، زاد في اصراري على التمسك بالموقف المعلن السابق.
اذ بعد تهافت الشرق والغرب على التهنئة بنجاح اولى التجارب الانتخابية، وفقا للدستور الجديد، ظهر الداعية المعروف وجدي غنيم في شريط فيديو على شبكة الانترنت، ليقدم على عكس المهنئين عزاء للتونسيين بالتجربة التي خاضوها بشق الأنفس، ويصب جام غضبه على المشاركين فيها بلا استثناء او تمييز، فلا العلمانيون الذين فازوا سلموا من «قصفه الكلامي» بعد وصفهم «بالكفار»، ولا الاسلاميون الذين انهزموا، كانوا بمنأى عن الذم والتجريح، بعد ان «ضحوا بالدين من اجل الديمقراطية»، وفقا لتوصيفه. ما حصل في تونس مهزلة، او كما قال غنيم «استبلاه واستعباط وعودة لنظام الاستبداد بالصناديق»، لان حزب نداء تونس، كما يرى، «سوف يحكم بالعلمانية ويغيب الدين تماما». اما الانتخابات التونسية التي صفق العالم لها فهي اشبه ما تكون بولادة تمت خلالها التضحية بالام والجنين من اجل انجاح العملية على حد وصف غنيم. معظم الذي شاهدوا شريط الفيديو اصيبوا بمشاعر مختلطة من الصدمة والاستغراب، فمن وصفوا في الشريط بالعلمانيين سارعوا على الفور لكيل الشتائم للرجل ووصفه بداعية «ختان البنات» والمطالبة بمنعه مستقبلا من دخول بلد سبق ان زاره في فبراير 2012، والقى فيه سلسلة من المحاضرات بدعوة من احدى الجمعيات المحلية. والسفير المصري المعتمد في العاصمة التونسية لم يفوت الامر واقتنص الفرصة ليصفي بعضا من حسابات ما تزال عالقة ومفتوحة مع الاخوان، ويقدم في تصريح لاحدى الاذاعات الخاصة نصحه «للشعب التونسي العظيم» بالاسراع الى مقاضاة غنيم على خلفية شتمه للفائزين في الانتخابات، ونعتهم بـ»الكفار»، قبل ان يشير الى ان الرجل ملاحق من قبل القضاء المصري بتهم تتعلق بالتحريض على الارهاب، وانه» لا يمثل مصر لا من قريب ولا من بعيد».
الطرف الاخر اي الاسلاميون من «حركة النهضة» الذين اتهموا بالخيانة المزدوجة للدين والثورة بسماحهم لـ»للكفار» باسترجاع السلطة بالانتخابات، لم يصدر عنهم حتى الان اي رد فعل او تعليق على ما يمكن ان يعد «نيرانا صديقة». فقد اعتادوا على ما يبدو على هجوم العدو والصديق منذ ان تخلوا عن الدفاع عن مبدأ التنصيص على الشريعة في الدستور، بعد ان فضلت حركة النهضة منذ مارس 2012 ان تتراجع عن تمسكها السابق بمقترح لاعتبار الشريعة الاسلامية مصدرا من مصادر التشريع في البلاد، اخمادا لجدل حاد عاشته تونس في ذلك الوقت، ولاحت معه بوادر جدية وخطيرة على حدوث انقسام في مواقف التونسيين حول الموضوع، بفعل عوامل مختلفة اهمها، سوء الفهم والتباس مفهوم الشريعة في اذهان معظم التونسيين. لقد كان ذلك الخيار لحظة فارقة ومهمة فسرها الشيخ راشد الغنوشي زعيم الحركة بانها قراءة جيدة لفقه الواقع التونسي، ورآها المتشددون في الداخل والخارج نوعا من التنكر والخيانة للمبادئ والاسس الاسلامية التي قامت عليها الحركة قبل اكثر من اربعين عاما. لم يقد ذلك على عكس ما كان متوقعا الى حدوث انشقاقات او تصدعات كبرى داخل البيت النهضاوي، رغم بعض الاصوات المعارضة في الكواليس والقاعات المغلقة للتوجه الجديد. من الناحية العملية ساهم القرار في ازالة فتيل ازمة كانت تطل برأسها وتنذر بعاصفة مدمرة قد تأتي على الاخضر واليابس. لكن الشكوك ظلت تلازم العلمانيين حول النوايا الحقيقية من وراء القرار، وظل النظر اليه باعتباره مناورة خفية والتفافا ذكيا على الدستور، بعد اتفاق الاطراف على الحفاظ على الفصل الاول من الدستور السابق، الذي ينص على ان الاسلام دين الدولة.
بعيدا عن ذلك الجدل المتواصل فان اهم شيء تحقق بعد تلك الخطوة هو ان تونس بقيت، كما قال الشيخ راشد الغنوشي «الشجرة الوحيدة الشامخة في غابة الربيع العربي التي احترقت اشجارها في ليبيا ومصر واليمن وصولا الى العراق». الاحتراق الذي تحدث عنه الشيخ حصل بفعل التصدعات الداخلية وتناحر الثوار بعد سقوط الانظمة القديمة، والابتعاد في المقابل عن تحكيم منطق الوفاق لفض الخلافات، بعد ان صار السلاح لغة الحوار الوحيدة والاقوى صوتا وحجة. النتيجة المنطقية والسريعة لذلك هي، ان تلك الثورات صارت رهينة لدى اكثر من طرف في الخارج. وواحد من اولائك الغرباء الذين مسكوا ويمسكون الى الان بعضا من الاوراق المهمة في المشهد الجديد داخل تلك البلدان، هو الفرنسي الصهيوني الغامض صاحب المقولة الشهيرة «الجيش الاسرائيلي اكثر الجيوش ديمقراطية» هنري برنار ليفي، او كما يطلق عليه «عراب الربيع العربي».
الخبر الاخر بعد شريط غنيم هو ظهور شريط فيديو لوصول الشخص الذي تحوم حوله الكثير من الشبهات الى مطار تونس قرطاج واستقباله من طرف حشود غاضبة من الناس. لماذا جاء في هذا الوقت بالذات ومن هي الجهة التي دعته ومن اجل ماذا بالتحديد؟ ذاك هو الجدل الذي احتدم هذه المرة في تونس ولم يهدأ حتى مع ورود انباء عن طرده او مغادرته بعد وقت قصير، وحتى ايضا بعد نشره على موقعه الشخصي على الانترنت تعليقا يفيد بان الزيارة كانت لمقابلة ليبيين ولا علاقة لها بتونس، وان اللقاء كان علنيا في احد الفنادق مع رئيس مجلس الحوار الوطني الليبي، ووجهين معروفين من قادة الامازيغ في ليبيا. الصورة التي نشرها ليفي كدليل اضافي على براءته من تهمة التدخل في الشأن التونسي، التي يظهر فيها على طاولة الغداء مع الشخصيات الليبية المذكورة بالقرب من مسبح في احد الفنادق، تبدو بالغة الدلالة للتونسيين وتعطيهم فرصة نادرة لتحسس نجاح يغبطهم عليه القريب والبعيد. النجاح هو في الوفاق الذي سمح للجميع بدخول الانتخابات بلا اقصاء او حظر مسبق.
تعلق مجلة «فورين افيرز» على ذلك التوجه بالقول «لو تم منع وزراء بن علي من الترشح لاصبح ذلك مصدرا لعدم الاستقرار، وقد يتحولون الى رموز للاستشهاد السياسي، كما ان منع مرشحين قد يؤدي الى انقلابات وحروب اهلية او الاستيلاء على السلطة بالرصاص بعد الاستبعاد من صناديق الاقتراع». وربما من اجل ذلك وغيره يحمد التونسيون الله كثيرا حينما يشاهدون تلك الصورة المقززة لليفي على طاولة الغداء، او يسمعون شتائم وجدي غنيم في شريط الفيديو،
فديمقراطيتهم لم تلتفت لا الى توجيه الاول ولا الى نصائح الثاني. وتلك نعمة قد لا يدركها بالتأكيد الا من اضاعها او افتقدها، و ليس من الواضح ان الصديق المغترب الذي يعيش في بريطانيا، ولم يصدق او يقتنع الى الان بنجاح الاسلاميين في تونس هو واحد منهم، رغم انه يعرف جيدا مثلا شعبيا تونسيا يقول «لا يشعر بألم الجمرة الا من يطأها».
٭كاتب وصحافي من تونس
نزار بولحية