تونس: سنة النجاحات الأمنية وتفكيك الخلايا الإرهابية

حجم الخط
4

تونس ـ «القدس العربي»: عرفت تونس عام 2016 استقرارا أمنيا لافتا بخلاف السنوات التي تلت الإطاحة بنظام زين العابدين بن علي في 14 كانون الثاني/يناير 2011. ويرجع البعض سبب ذلك إلى عودة البعض من أبناء المؤسسة الأمنية إلى مواقعهم وعلى رأسهم المدير العام للأمن الوطني المستقيل حديثا عبد الرحمن الحاج علي الذي بات يحظى بشعبية واسعة في الشارع.
لقد أحبطت المؤسستان الأمنية والعسكرية عمليات إرهابية بالجملة وحققتا نجاحات لافتة في تفكيك خلايا إرهابية كانت تخطط لزعزعة استقرار الخضراء، وهو ما لم يكن يحصل قبل قدوم الحاج علي. وحصل إجماع على أن أجهزة الإستخبارات التونسية بدأت تدريجيا في استعادة عافيتها وقوتها الإستباقية التي عرفت بها خلال السنوات التي سبقت الثورة، الأمر الذي جعل تونس تنعم بالهدوء والسكينة في وقت كان فيه محيطها ملتهبا وعلى مرمى نيران الجماعات الإرهابية رغم الفارق في الإمكانيات.

عملية بن قردان

ولعل أهم نجاحات المؤسستين الأمنية والعسكرية في تونس هو إحباط هجوم بن قردان الذي حصل في السابع من آذار/مارس الماضي وتواصل إلى العاشر من الشهر نفسه. فقد قام مسلحون تكفيريون بالولوج إلى مدينة بن قردان المتاخمة للتراب الليبي بنية الإستيلاء عليها وإعلانها إمارة «داعش».
لكن الإرهابيين تفاجأوا بالقدرة القتالية لقوى الأمن والجيش التي كانت على أتم الإستعداد لهذه الحرب التي استمرت أياما بين القتال والتمشيط وتعقب فلول الفارين، فتم سحق العناصر التكفيرية قتلا وجرحا، وقبض على الكثيرين أحياء بعد ملاحقتهم. وتم تفكيك خلايا إرهابية مرتبطة بالمهاجمين في مناطق متفرقة من الجمهورية كانت تستعد لنصرتهم وتقديم الدعم لهم ومساعدتهم على تحقيق غايتهم.

استقالة الحبيب الصيد

ورغم النجاحات الأمنية اللافتة إلا أن رئيس الحكومة الحبيب الصيد لم يعد يحظى بثقة الأحزاب الرئيسية في الإىتلاف الحكومي وكذا رئيس الجمهورية الباجي قائد السبسي بتعلة فشل حكومته في الملف الاقتصادي بتحقيقها لنسبة نمو ضعيفة. فأجبر الصيد على الاستقالة مع بداية فصل صيف سنة 2016 في مسلسل تواصل لأسابيع عبر في بدايتها رئيس الحكومة السابق عن رغبته في المواصلة وتشبثه بالمنصب لكنه سرعان ما أذعن بعد أن رفعت عنه حركة النهضة غطاء الدعم ورضخت لرغبة رئيس الجمهورية الباجي قائد السبسي الراغب في تنحية الصيد.
وأكدت استطلاعات الرأي على ازدياد شعبية الحبيب الصيد بعد هذه الإستقالة، أو الإقالة، ورأى كثر أن في الأمر ظلم، واعتبروا أن العيب ليس في الصيد بل في فريقه الحكومي الذي فرضته عليه الأحزاب السياسية. ودعت أطراف رئيس الحكومة السابق إلى لعب دور سياسي في المستقبل بعد الشعبية التي اكتسبها وترى أن حظوظه وافرة.

وثيقة قرطاج

وعلى إثر استقالة حكومة الحبيب الصيد جرت مشاورات مكثفة في القصر الرئاسي بقرطاج برعاية رئيس الجمهورية الباجي قائد السبسي توصلت أحزاب سياسية ومنظمات وطنية على رأسها الاتحاد العام التونسي للشغل إلى التوقيع على ما عرف بوثيقة قرطاج في الثالث عشر من تموز/يوليو الماضي. وتتضمن الوثيقة تشكيل حكومة وحدة وطنية تضم مختلف الأطراف السياسية الممثلة في البلاد وبعض التعهدات مثل محاربة الإرهاب ومنح الزيادات في الرواتب والأجور لأعضاء اتحاد الشغل لتجنب كثرة الاضرابات التي أضرت بالاقتصاد وغيرها.
وبعد مشاورات تم الإتفاق على يوسف الشاهد وزير الحكم المحلي ليرأس الحكومة باعتباره أيضا مرشح كتلة حركة نداء تونس أو هو مرشح رئيس الجمهورية بقبول من رئيس حركة النهضة راشد الغنوشي. وبذلك فقد أصبح الشاهد أصغر رئيس وزراء في تاريخ تونس إذ لم يتجاوز سنة الـ41 عاما وهو ما خلق جدلا واسعا في البلاد بين المرحبين بهذا الخيار والرافضين له ولكل مبرراته.

المجلس الأعلى للقضاء

كما شهدت سنة 2016 في تونس انتخاب المجلس الأعلى للقضاء يوم 23 تشرين أول/أكتوبر ويضم هذا المجلس قضاة ومحامين ومتدخلين في مرفق عام العدالة بعد أن طالب القضاة بأن تقتصر التمثيلية في هذا المجلس عليهم دون سواهم. وصوت لهذا المجلس رجال القانون وأشرفت عليه الهيئة العليا المستقلة للانتخابات التي تشرف في السنوات الأخيرة على الانتخابات التشريعية والرئاسية.
وبانتخاب المجلس الأعلى للقضاء تكون تونس قد أنهت بسلام مسار انتقالها الديمقراطي، بعد أن نجحت في 2011 في انتخاب مجلس تأسيسي كتب دستور الجمهورية الثانية وأسس لانتخابات 2014 التي صوت فيها التونسيون لاختيار ممثليهم في السلطتين التنفيذية والتشريعية. وبات للخضراء فعليا سلطة قضائية مستقلة تماما عن نظيرتها التنفيذية بخلاف ما كان سائدا في السابق حيث كان رئيس الجمهورية هو رئيس المجلس الأعلى للقضاء وكان رئيس المحكمة العليا التي تسمى محكمة التعقيب يعين من قبل رئيس الجمهورية بعد استشارة وزير العدل.

استقالة مدير الأمن

ومن الأحداث الهامة في نهاية 2016 استقالة المدير العام للأمن الوطني ذو الشعبية الواسعة، والرجل الناجح الذي أعاد للأجهزة الأمنية عافيتها، عبد الرحمن الحاج علي. ولم يقدم الرجل تفاصيل عن أسباب استقالته ما خلف حيرة لدى التونسيين وقلقا مما هو آت، خاصة وأن كثيرا من مافيات المال والأعمال والساسة الفاسدين تذمروا في أكثر من مرة من الحاج علي الذي يضيق عليهم الخناق، ومن المرجح أن هذه الأطراف هي التي تقف وراء إقالته.
وتدعو بعض الأطراف الحاج علي إلى أن يلعب دورا سياسيا خلال المرحلة المقبلة وأن لا يعتزل الشأن العام بعد نجاحه الباهر على رأس المؤسسة الأمنية واكتسابه لثقة طيف واسع من التونسيين. لقد كان الرجل المفاجأة السارة لسنة 2016 بامتياز، وقد لا يبالغ المرء إذا اعتبره من القلة القليلة الناجحة في زمن يعج بالفاشلين وسياسيي ومسؤولي الصدفة.

اغتيال محمد الزواري

ولم تمض سنة 2016 دون أن تخلف اللوعة في قلوب التونسيين وذلك بسبب جريمة اغتيال المهندس الشهيد محمد الزواري في مدينة صفاقس جنوب البلاد بطلق ناري من قبل مجموعة من الأشخاص. والزواري ينتمي إلى كتائب عز الدين القسام، الجناح العسكري لحركة حماس ويساهم في تطوير الصواريخ والطائرات بدون طيار التي تستعملها الحركة في حربها مع الكيان الصهيوني وكان يعد أطروحة دكتوراه تتعلق بغواصة يتم التحكم فيها عن بعد.
وتتوجه أصابع الإتهام بشأن هذه الجريمة إلى الموساد الإسرائيلي الذي تشير كل الدلائل إلى ضلوعه فيها، فيما تتواصل تحقيقات الأمن التونسي مع من تم القبض عليهم وشاركوا في هذه الجريمة. وتطالب فعاليات تونسية دولتها بالتوجه إلى القضاء الدولي خاصة وأنها ليست المرة الأولى التي ينتهك فيها الكيان الصهيوني السيادة التونسية حيث قفصت إسرائيل مدينة حمام الشط التونسية سنة 1985 واغتالت قيادات فلسطينية من الحجم الثقيل مثل خليل الوزير أبو جهاد وصلاح خلف أبو إياد وآخرين.

تونس: سنة النجاحات الأمنية وتفكيك الخلايا الإرهابية

روعة قاسم

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية