مع إقتراب الإستحقاق الإنتخابي، بدأت سماء السّياسة في وطننا ترعد و تزبد منذرة بأمطار طوفانيّة ستزيل كلّ الغبار و المساحيق، أو على قول الفاضل الجزيري في مسرحية «غسالة النوادر» ستزيل كلّ «التّفش و العفش».
ستتلاشى كلّ حملات التّضليل و التّطبيل من ذهن المواطن، و ستقفز السّياسة من الفضاءات الافتراضية و الإعلامية – والتي تؤثثها عادة أيادٍ حذقت التجوال في دهاليز التدليس و التلبيس – إلى الفضاء الحقيقي حيث يُنحت المشهد السياسي بأصوات المواطنين.
بعد الثورة مباشرة تعاقب على فراشِ السّلطة وزراء بن علي و رؤساء برلمانه. و ليحصلوا على عذريّة مرقّعة قاموا بحل التّجمع قانونيا و هو بالأحرى تعطيل لفعله كجسم سياسي، دون المساس بالفاعلين فيه (كوادره)أو محاسبتهم، الآن بعد أن حطّت الثورة أوزارها تيقنّا أن هذا القرار القضائي لم يُعْدَمِ النّظام البائد، بل حوّله إلى شظايا أو بصفة أدق إلى «خلايا نائمة» ستتكتّل بعد حين في أجسام سياسية أخرى لكن بواجهات «يسارية» و فِيترِينات «نقابية» ستخدمهم كما تخدم المساحيق وجه عجوزٍ يَتَصَابَى.
مذهلة قدرتهم على التقلّص و الإختفاء إبّان الثورة، موهبة ستساعدهم على الاختباء في شّقوق الجدار الهش للثورة و الذي خلناه سدِّا منيعا سيحمينا من عودة مصّاصي دماء الدولة و المواطن، كما ظن قوم سبأ أنّ «سُدَّ مَأربْ» سيحميهم من آفات الزمن فإذا بالفئران تقوِّضه و تقضم سواريه. تُفاجئنا الأحداث بسياق عكسي، فها هم يتمدّدون و يسترجعون أحجامهم مرّة أخرى و تساعدهم في ذلك سلبية المواطن الذي عاش قرونا مفعولا به حتى نسي دوره الفاعل في كتابة الأحداث.
بالوصول إلى مرحلة الانتخابات، و التي تستلزم عملا ميدانيا في كل شبر و في كل زاوية، و بعد أن هضمهم الشارع مرّة أخرى بفعل الحُقَنِ الإعلامية المستمرة، و صكِّ الغفران الذي منحهم إيّاه المجتمع السياسي. وضعوا أدواتهم القديمة على الطاولة و بدأت الخلايا النّائمة تستفيق، بدأ خبراء الحملات الميدانية يستعيدون عافيتهم و رشاقتهم في الرقص على حبال السياسة، و قد واكبنا بروفة في مطار تونس قرطاج عند إستقبال منذر الزنايدي.
حين يستفيق المواطن البسيط من «ثملة» الثورة سيُصدم بأن ما هُيِّئَ له على أنّها تعدّدية و أحزاب تتنافس ليست سوى براقع ستسقط بمجرّد هبوب رياح التدافع الإنتخابي، ليجد نفسه مرّة أخرى وجها لوجه مع النظام القديم و كل قاطرته الانتخابية من عمدٍ و رؤساء الشعب و «عرابنيّة» يُحيون كل حفل بتصفيقهم و زغاريدهم و كل مأتم بعويلهم (لاحظوا أن الندوة الصحافية لحامد القروي كانت يوم الخميس، و مؤتمر الباجي كان يوم الجمعة و حفل إستقبال الزنايدي يوم الأحد، يستحيل أن تتزامن فعاليّتهم لأنّهم يتعاملون مع نفس الطّبابلية).
ستسقط تلك المساحيق والأقنعة الواحدة تلو الأخرى، و ستبدأ حملات التخلّي و التخلّص من كل فرد لا ينتمي لقاموس الدكتاتورية (و ما يحصل في النّداء عيّنة صغيرة)، و ستستعيد قيادات الحزب القديم مواقعها (ثلاثة من وزراء بن علي و رئيس مجلس نوّابه قدّموا ترشحهم للرئاسية) و كلّ منهم يتلذّذ نشوة رؤية قامته في مرايا الانتخابات على هيئة سيّده بن علي.
أبو محمد سفيان