تراها استاءت من الضربة الجوية الأمريكية على قاعدة الشعيرات؟ أم انزعجت أكثر للضربة الكيمياوية للنظام على خان شيخون؟
لا يبدو الجزم في هذا الاتجاه أو ذاك سهلا، أمام السكون المتعمد للسلطات في تونس، ورفضها الكشف بوضوح عن مواقفها من التطورات التي تجري في سوريا . لكن ما الذي سيضيفه ذلك وهل سيعني شيئا؟ ثم من سيهتم أصلا أو يتأثر لموقف بلد صغير مثقل بالمشاكل والأزمات من احداث تجري على بعد الاف الكيلومترات من حدوده، في الوقت الذي يتابع فيه باقي العرب من شرقهم إلى غربهم مشهد القوى الكبرى وهي تجمع فوق الارض السورية قطع البازل وتنقل بيادق الشطرنج غير مهتمة، لما يلحق شعبها من مآس وكوارث انسانية مريعة؟
ألم يقل الرئيس التونسي نفسه في القمة العربية الاخيرة انه «يأسف لغياب دور عربي فاعل في الازمة السورية»، فهل سيكون من العدل أن نحمل تونس اكثر مما تحتمل، ونطلب منها أن تفعل ما عجز العرب مجتمعين عن فعله، فضلا عن أن تحسم وتحدد إلى أي معسكر تنحاز في الحرب الطاحنة التي يرعاها سادة العالم؟
قد تكون مثل تلك المبررات منطقية ومقبولة، ولكن هل أن دفن الرأس تحت التراب والتجاهل أو إرسال إشارات مشوشة ومتناقضة بعض المرات سوف يشعر التونسيين بالراحة والطمأنينة، ويضمن لهم قدرا من الاستقرار الذي يجنب تجربة انتقالهم الديمقراطي الصعبة أي ارتدادات محتملة للتطورات المرتقبة في الساحة السورية؟
لقد طرح النائب غازي الشواشي مساء الاربعاء الماضي بعضا من تلك الهواجس على وزير الخارجية، وقال له في جلسة بثها التلفزيون الرسمي على الهواء «الشعب السوري يئن. الشعب السوري يستغيث. من المسؤول سيدي الوزير؟ أكيد أن الكل مسؤول. كل من حمل السلاح هو مسؤول بدءا بالنظام السوري وحلفائه من روسيا وايران وحزب الله الذين حملوا السلاح ضد الشعب السوري الاعزل مرورا بالجماعات الارهابية، «النصرة» و»داعش» وغيرهما وصولا للمعارضة المسلحة، فهي كذلك تتحمل المسؤولية، وهي ايضا مدعومة من عدة دول شقيقة وصديقة، والشعب في الأخير هو الضحية. أين تونس من كل هذا؟ ومع من يمكن أن تقف؟ فتونس اليوم لم تعد مثل السابق، بل صارت دولة حرة تنعم بالديمقراطية، لا يمكنها أن تتبع اي حلف كان، أو ترضخ للتعليمات والضغوط من أي جهة كانت، وعندها دستور يفرض عليها مناصرة المظلومين في كل مكان، ودعم الشعوب في تقرير مصيرها والوقوف مع حركات التحرر. ولكن خميس الجيناوي الذي استعد جيدا للسؤال رد بشيء من الهدوء والبرود «إننا امام ملف خرج للاسف عن الاطار العربي. فالملف السوري اليوم صار ملفا دوليا بالاساس». وهو ما قد يعني انه من العبث أن يطلب من دولة مثل تونس أن تحشر نفسها في شأن لا يعنيها، ولا يعني احدا اخر غير كبار العالم.
ولم ينس الوزير بالطبع أن يكرر بعد ذلك تلك الجمل التقليدية من قبيل أن تونس ترحب بالحوار وترى ان «أي توجه عسكري من أي مصدر كان سوف لن يحل المعضلة السورية». ولانه كان يعرف أن اقصى ما يطلبه المناصرون لنظام بشار في تونس هو عودة سفيره الذي أطرد من البلاد زمن «الترويكا»، فقد عاد ليشير إلى أن السلطات أقدمت في ذلك الوقت على ابعاد سفير «لم يكن موجودا في اراضيها» رغم انه في «العرف الدبلوماسي لا يطرد السفير لاسباب داخلية تهم بلاده»، ولكن ذلك حصل من باب الاصطفاف كما قال، قبل أن يضيف أن تونس اليوم لن تصطف خلف أحد فلها حرية وسيادة القرار.
ويلفت النظر أن قرار الامتناع عن التصويت لصالح لائحة في مجلس حقوق الانسان بجنيف تدين انتهاكات النظام السوري، اتخذ بروية ووفقا لما قال انها المصلحة الوطنية. «فالقضية ليست قضية مبادئ أو شعارات، بل قضية مصالح وطنية» مثلما شدد الجيناوي. تلك المصالح اذن حددت وحدها الموقف واقتضت أن لا تصوت تونس لإدانة جرائم بشار، لكن اي منطق نفعي وبراغماتي يجعل تلك المصلحة تتعارض مع الإدانة الرمزية لنظام قتل وشرد شعبه؟ هل أن تونس في وضع مشابه لوضع فرنسا والمانيا اللتين رضختا لنظام الجنرال السيسي وغضتا الطرف عن شرعيته وافعاله مقابل بيعه طائرات رافال ومحطات طاقة؟ ثم في المقابل هل هي بحاجة حيوية وملحة لبشار تفرض عليها ألا تستفزه، أو لا تثير غضبه وسخطه؟ لاشك أن ذلك هو اخر شيء يمكن أن يحصل في علاقتها به، مثلما أن آخر شيء قد يشغلها أو يثير قلقها هو بقاؤه أو غيابه واختفاؤه النهائي عن السلطة. فما يهمها بالدرجة الاولى ليس الشخص أو النظام، بل تلك القوى التي وقفت وتقف خلفه منذ سنوات وتسنده سرا وجهرا، حتى لا ينهار ويتفكك ويسقط بالكامل. وهي تعلم أن لديه حلفاء مكشوفين مثل روسيا وايران وحزب الله، وتعلم ايضا أن لديه حلفاء سريين ومقنعين يسيطرون على مواقع القرار في دول الغرب التي ظلت تتوعده بالويل والثبور، بدون أن تطلق رصاصة واحدة على نظامه. ولأجل ذلك فهي تحرص على ألا تتورط بمعاداته المكشوفة، ولا بتأييده المفضوح لانها تدرك انه ليس سوى دمية يحركها اصحابها من خلف الستارة، ويملكون القدرة على سحبها ورميها بسهولة، في الوقت الذي يختارون، وأنه من الأفضل أن تنتظر بعض الوقت حتى تتضح الصورة اكثر فتبادر حينها لاعلان تأييدها ومباركتها وقبولها بالامر الواقع.
ولعل ذلك ما قصده الرئيس التونسي حين استقبل قبل ايام بعض النواب الذين زاروا بشار، وقال لهم بحسب وكالة الانباء الرسمية، «ليس هناك مانع جوهري في اعادة العلاقات إلى مستواها الطبيعي مع سوريا بعد أن تتحسن الاوضاع وتستقر في هذا البلد الشقيق». فالباجي قائد السبسي يدرك جيدا أن التقرب من بشار صار ورقة ضغط داخلية يلوح بها بعض المعارضين لائتلافه الحاكم، ولا يرغب بتركها طويلا بين ايديهم. ويعلم ايضا انهم سيعتبرون تصريحه اشارة ودية نحو نظام بشار فيما لا يبدي استعدادا لترجمتها على الارض قبل اختفاء حاكم دمشق الحالي تماما ونهائيا من السلطة. وقد يكون ذلك الامر الان بمثابة الامل الصعب امام ما يبديه حلفاؤه الاقوياء من رغبة بالتمسك ببقائه. ولكن ما يثير الشفقة حقا هو انه حتى داخل الاصوات التي ترتفع في تونس بين الحين والاخر للهتاف بحياة القائد والبطل القومي الخالد، لا أحد يصدق أن الايام والشهور القليلة المقبلة لن تعصف به وترميه بعيدا في جوف التاريخ. فالموالون والمعارضون في تونس على السواء لا يختلفون في أن بشار صار الان جثة سياسية هامدة رغم استمرارهم في لعبة الشد والجذب فيه والقفز بمهارة فوق كثير من الاسئلة الصعبة والحساسة التي يطرحها وجوده الان، وربما قد يطرحها غيابه بشكل ما في المستقبل القريب.
كاتب وصحافي من تونس
نزار بولحية