تيفلت المغربية تكرّم رائدي القصيدة الحديثة عبد الكريم الطبال ومحمد علي الرباوي

حجم الخط
1

الرباط ـ «القدس العربي»: بمناسبة اليوم العالمي للشعر، وتكريماً لرائدي القصيدة المغربية الحديثة، عبد الكريم الطبال ومحمد علي الرباوي، انعقدت في مدينة تيفلت (وسط شمال المغرب) ندوة نقدية بحثت في «تقاطعات الحكمة والتصوُّف في شعر الطبال والرباوي».
أدارها الشاعر والناقد عبد اللطيف الوراري الذي رأى، في مُستهلّها، أن بين الشعر والتصوف علاقة قديمة توجد تحقُّقاتها النصية في أشعار الحلاج وابن الفارض ورابعة العدوية والشريف الرضي وابن عربي وسواهم، قبل أن تتّخذ في الشعر العربي الحديث طوراً آخر جديداً من الصوغ والبناء في الممارسة والنظرية، كما لدى البياتي وصلاح عبد الصبور وأدونيس ومحمد عفيفي مطر. وفي الشعر المغربي ذكّر بشعراء من أمثال محمد السرغيني وعبد الكريم الطبال ومحمد بنعمارة وأمينة المريني ولطيفة المسكيني؛ وقال إنّه لا وجود لتعريف محدد للتصوُّف، مستشهداً بقولة الإمام أبي حامد الغزالي: «أمر باطن لا يُطّلع عليه، ولا يمكن ضبط الحكم بحقيقته». لكنّه أشار إلى بعدين اثنين كلما تعلق الأمر بالتصوف في الشعر أو الشعر الصوفي، الأول باعتباره مكوّناً بنائيّاً يتجلى في العبارة الشعرية بإشاراته وومضاته، والثاني باعتباره تجربةً باطنية تتصل بجميع الرؤى والاتجاهات المنحازة إلى المطلق واكتشاف المجهول واللامرئي.
وقد تدخّل في الندوة التي تنظمها جمعية ربيع تيفلت للإبداع والتنمية، أساتذة باحثون مثل، الباحث الأكاديمي مصطفى الغرافي، الذي كشف في مستهل مداخلته عن العلاقة الوطيدة التي تجمع الشعر بالتصوف، حيث أكد أن الخطاب الصوفي يمثل رافدا مهما انفتحت التجارب الشعرية المعاصرة ومنه الشعر المغربي، نظرا لما يتوفر عليه من إمكانات هائلة في ما يخص غنى البعد الروحي والتوظيف الخاص للغة. ومن هنا حاول أن يبرز في بحثه علاقات التفاعل والتلاقح بين التصوف باعتباره تجربة روحية تعنى بترسيخ قيم المحبة من أجل السمو بأخلاق الإنسان عبر الارتقاء بذوقه ووجدانه، وبين تجربة الشعر المعاصر بوصفها تمثيلا جماليا يتوخى تجسيد أشواق النفس إلى الترقي في مدارج الكمال الإنساني. وعمد إلى الاستدلال على هذه الفكرة من خلال متن شعري شيّده عبد الكريم الطبال ومحمد علي الرباوي اللذان رسخا في منجزهما الشعري التوجه الصوفي، باعتباره تجربة إنسانية وجمالية تعمل على إغناء الخطاب الشعري، بما يقود إلى تشكيل خصوصة تعبيرية فريدة ومتميزة. ومما قاله الغرافي في مداخلته: «يتميز الصوغ الجمالي في النصوص الشعرية التي تستثمر الإمكانات الإبداعية التي تتيحها الكتابة الصوفية بأنها تذهب بالأداء الشعري إلى أقصى مداه. ولذلك كان المدخل الملائم للكشف عن خصوصية التكوين الجمالي في هذا الصنف من النصوص يتمثل في تجاوز ظاهرها اللفظي، من أجل القبض على ما تزخر به من غنى إبداعي أساسه الإشارة وليس العبارة. إذ تتميز اللغة الصوفية التي هي في أصل منشئها لغة شعرية بأن كل شيء يبدو فيها رمزاً وإيحاء».
وقارب الشاعر والباحث رشيد الخديري تجربتي الشاعرين عبد الكريم الطبال ومحمد علي الرباوي باعتبارهما تجربتين تأسستا في إوالياتهما على «فيوضاتٍ إشراقيّةٍ- صوفيّةٍ»، ووجد أن ثمة تقاطعات تبنى عليها هاتان التجربتان من منطلق الانشغال بسؤال التَّصوف والعزف على وترِ الذُّهول بِاللغة وفن «تطريز الكلام»، مع ما لذلك من غوص عميق في الذات الشاعرة بكل قلقها وجنونها: «فالطبال يتوسل في بناء نصوصه الشعرية على رافد أندلسي، خاصة في حوارياته مع عناصر الطبيعة، فتأتي فيوضاته الشعرية محملة بالرذاذ وكل أنواع الطيف، في حين تبدو تجربة محمد علي الرباوي منشغلة أكثر بتوليد المعنى من فتوحات شعرية تتكئ جوهريا على ما هو صوفي- إشراقي، نحو نسج حواريات مع النص الشعري، وكثيرة هي التيمات التي تتواتر في شعره، كالأمكنة والشخوص والتداعي في قالب شعري تفعيلي خلاق». ورغم الاختلاف الظاهر بينهما من جهة اللغة والرؤى والأفكار، إلا أنه استخلص أنّ في شعرهما الكثير من التقاطعات، خاصة على مستوى استدعاء الرموز المكانية أو الشخصيات التراثية أو الأزمنة، والاعتماد على حالة من الامتلاء في بناء شعرية النص، ثم استيحاء مكون الطبيعة، من طبيعة جافة صحراوية تتحول إلى ما يشبه سوناتةً في ليل خريفي عند الرباوي، إلى طبيعة مزهرة كحديقة من حدائق الأندلس تتمثل في مدينة شفشاون حيث الماء المنساب والخضرة التي تفتن العين كما عند الطبال. وأضاف: «بين عطش الرباوي ومائيات الطبال، ثمّة تقاطعات تنطرح وتتصادى وتشترك في المناخ العام، الذي تنكتب فيه التجربتان، فالماء دليل الإخصاب يمنح القصيدة فاعلية ورؤيا في تشكيل العوالم الشعرية، إلا أن شعرية الماء في تجربة الطبال تتخذ تلوينات متعددة، لغة وصورةً وتخييلا وبناءً شعريا».
أما الأستاذ الباحث العربي الرودالي، فقد بدأ مداخلته بالإشارة إلى أن الشعر المغربي الحديث يمكن تقسيمه إلى ثلاثة تيارات: التيار الوجودي التأملي الفلسفي وفي مقدمة من يمثله عبد الكريم الطبال، والتيار الواقعي الطلائعي الاشتراكي وأهم من يمثله أحمد المجاطي وعبد الله راجع، ثم تيار الشعر الهوياتي الإسلامي الذي يمثله حسن الأمراني وفريد الأنصاري ومحمد علي الرباوي وغيرهم. وانتقى الباحث قصيدتين تستثمران البعد الصوفي، هما: «العربة» لمحمد علي الرباوي و»سؤال» لعبد الكريم الطبال. واستخلص أن الشاعرين يلتقيان في ثقافة الذات والتربة وتضاريس الجغرافيا الشعرية، إلا أن الرباوي يذهب إلى التجربة وإلى القصيدة ويبثّ فيهما الروح من الذات، والطبال تطبق عليه القصيدة وتحتويه فتكتبه: الأول لغته جنونية عبر اللعب باللغة والإيقاع، والثاني شاعر اللغة الإيحائية سعياً نحو المطلق. وقال في آخر مداخلته بما يشبه استخلاصاً: «عند الطبال صوفية الوجود ليس من حيث هو موجود ولكن ليوجد فيها الإنسان، فيما ينطلق الرباوي من فكرة الانصهار الروحي مع كل التصوف على مستوى التجربة التعبدية كما في نصه (أوراق مكية)».
وقد أثارت المداخلات التي وعدت (دار الوطن) بجمعها في كتاب، نقاشاً من قبل الحضور وفيهم أكاديميون وباحثون وشعراء، إلى حد أن تحوّل النقاش إلى سجال حقيقي يعكس حيويّة موضوع الندوة وراهنيته اليوم.
وبموازاة مع ذلك، قدم بعض أصدقاء الشاعرين، بمن فيهم الشاعر محمد شيكي الذي حيّاهما بمحبة في شريطين مُصوّرين للذكرى، والقاص أحمد بوزفور الذي ألقى كلمة في جدارة الصداقة لم تخْلُ من ماء الشعر، والشاعر أحمد بلحاج آية وارهام الذي قال في الطبال بأنّه «يفتح سموات تعرج فيها الروح، فترى جذور العوالم متعلّقةً ببهاء الاسم، مشرئبّةً إلى فيوض الجلال، مخمورةً برحيق الجمال»؛ وعن الرباوي، أنّ تجربته «جعلت وعيه الشعري مشدوداً بين الحلم الذي يريد أن يتحقق في الأرض، وبين ما هو مُشاهدٌ في الواقع (…) وجذبته إلى نزعة فلسفية عرفانية تتأمل الوجود بعين الشهود».

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية