لم تكن تربطني بالحافلة إلا دراهمُ ورحلةٌ قصيرة قد تطيلها ساعات الذروة. أركب في لا مبالاةٍ وبراءة أصلية. نُقطة انطـــلاقٍ فنقطةُ وصول، ثم تمضي لحال سبيلها بمَن فيها وأمضي لحال سبيلي بما فيَّ، قد ورِث مقعدي أو حيزَ وُقوفي راكبٌ آخر. قد أكتشف تذاكِرَها بعد الغسيل في جيب سروالٍ مع قُصاصة ورقٍ مَنسية، عجينةً جافةً مندمجة كشرنقة دودة قز عاقِر.. حتى جمعتني الأيام بمواطن من تَذْمُرْ بالذال، عاصمةِ الشكوى، لا تدْمُر (بالدال) عاصمة زنوبيا.
كان زميلا يتذمر من «كل» شيء ومن الأشياء الأخرى إن لم يستوعب ظرف «كُلٍّ» كلَّ شيء. يشكو أولَ الشهر وآخرَه وأيامَه البيض إن رأى بياضًا قط. لكنَّ آخِرَ الشهر كان يومَ زلزال تَذْمُرِه. تحط الأجرة في حسابه فيأتي المكتبَ صباحًا يُغرد كمالك الحزين، مع أن الطائرَ لم يثبت عليه حزنٌ قط، ويشكو:
« ـ آه.. مفشوشة يا إخوتي.. مفشوشة!» فيسألُه الغَافل أو المُبتدئ: « ـ ما هي؟» فيجيب: « ـ الأجرة!» فيضحك الجمعُ ولا يضحك هو أبدا، إلا إن نسيَ هُويَّتَه. وأنى له. هو دائما في جَرْدٍ وحسابٍ للمُقلقاتِ والمنَغِّصات، فكُنا نتركه لحاله ما أمكن. أولا لأنه لا يجوز أن تحدثَ المُنهمكَ في الحساب كيلا تُربكَه مهما كان نوعُ حسابه، وثانيا خشية العدوى.. لكنَّ عدواه حتمية. لا أنسَ يوم جالستُه فزفر زفرة حارة وقال:
ـ أف من الطُّوبِيس وتُفٍّ! زحمة الطُّوبِيس.. تأخُّرُ الطوبيس.. لصوص الطوبيس.. رائحة المازوتِ في الطوبيس..
حسبتُه لم ينل مني حين فارقته.. لكنني منذئِذٍ صرتُ كلما صعدتُ الحافلة أشعر بأنها لم تَعُدْ سيرَتَها الأولى. صرتُ أرى زحامَها وتأخرَها وصرتُ أجدُ رائحةَ المازوت كعرق عملاقٍ من حديد صَدِئ. لم أكن أشمه قط، أو كنتُ أشمه بلا وعي حتى كشفه التذمري وشخَّصَه. هو المازوت إذن كانتْ تحملُه خياشيمي سنواتٍ دونَ عِلم!
ثم لصوص الحافلة.. لقيتُهم هم كذلك بمفعول الجذب التذمري. كنتُ يوما أهم بصعودها وفي جيبي الأمامي واجبُ التذكرة وفي الجيب الخلفي ورقةٌ من مائتي درهم كنت أحس بحجمها زائدا فخِلتُهُ من صلابةِ ورقِها وجِدَّته. وجدتُ أمامي مُعاقا يكابدُ الصعود. أشفقتُ لحاله. هيَ ثلاثُ درجات وهو نحيف، لا ضير. اعتنقته من الخلف وحملتُه، وحسِبتُ غمغمتَه تَشَكُّرًا فشكرتُ اللهَ الذي بنعمته تتم الصالحات. ما إن صعدتُ درجتين حتى أحسستُ بأشخاص ورائي يَزْحَمُونني مُستعجلينَ الصعود. كدنا نسقط فغضبتُ غضبًا ضاعفَه عجزي عن الالتفات. أفسدوا عليَّ سروري بحسنتي فأخذتُ أتذمرُ من طاغوتِ الأنانية والفردانية.. ثم أحسست بيد تمتد لجيبي الخلفي كالبرق، تمسك بما فيه وتنتزعه انتزاعا.. وفجأة! انتهى كل شيء وانفسخ المشهد. عادوا أدراجَهم واختفوا، بينما المُعاقُ انسل بين المقاعد كلعبة صينية اشتغلت بطاريتُها فجأة فتكهربَتْ وانطلقت لا يُوقفها شيء. اللعين.. كان شريكًا وشَرَكًا نصبوه لي في زحمة التضليل..
آهٍ.. أين حسنتي؟ أين نقودي؟ تسمَّرْتُ مشدوها، والرُّكَّابُ يستعجلونني لإخلاء الممر، غفر اللهُ لهم لمْ يُمهلوني لِهضم مصيبتي. جلست إزاء نافذة الإغاثة شاردا، ومكثتُ أتأملُ المارَّة من خلالِ الزجاج، لا أمانَ لهم ولا أمان فيهم. ثم مددتُ يدي أتحسس جيبي، وَيَا لَلمفاجأة! الورقة المالية لم تبرحْ جيبي، ماذا انتزع النشالُ يا تُرى؟
ثم لم يلبثْ أن ظهرَ من النافذة عن يميني شخصٌ سِحنتُهُ مظلمة. شفتاه تتحركان ولا أدري ما يقول من خلال الزجاج. كأنَه شبحٌ في فيلم رُعب. ثم فهمت أنه صنديدُ النشالين عاد بوقاحة يتوعدني مُشهرا قُصاصةَ جريدةٍ. زاد ذهولي.. بأيِّ حق عاد يلومُني؟ بدعوى بؤس لا يدَ لي فيه؟ بموجب حاجةٍ عَضُوضٍ لحشيش على نفقةِ الغافلين؟ بموجب انقلاب خدعته عليه رغم حُبكتها؟ كِدْتُ في لحظة أعتذر له عن نجاتي منهُ ومن عصابته، وكاد يفرضُ عليَّ سلطتَه؛ سلطةً هي فنُّ خلق عقدة الذنب لدى الأبرياء..
تداركتُ نشوتي قبل أن تفلت، أو تداركتْنِي. كانت القُصاصة التي يُشهرها مقالا أعجبني فاقتطعته منذ أيام من الجريدة ونسيتُه هناك في جيبي. كنت أريدُه لأرشيفي فإذا هو مُنقِذٌ من السلب والنهب. العلمُ يحرسُك والمالُ أنتَ تحرسُه*..
في لحظة صار الوقحُ كأنما يتوعَّدُني على فعل القراءةِ أصلا، وكنت أنقل بصري من وجهه لعنوانَ المقال في يده: (بين الجريمة النظيفة والجريمة القذرة) هذه من تلك. فتذمرت ضِعفين. المقالُ ضحَّى لأجلي. سيُهْدِر النشالُ دمَ حِبره، وسيرمي بجسده الورقي النحيف تحت الأقدام. آه من عَدْوَاك يا زميلي.. قد لا أصير مثلك تذمريا تامَّ المواطنة لكن.. من حين لآخر سأطلب اللجوء في تذمر!
قاص من المغرب
رضا نازه