يَحْتاجُ الشَّاعِرُ، بَيْنَ الفَيْنَةِ والأُخْرَى، أنْ يُنْصِتُ إلى ذَاتِهِ مِنْ خِلالِ الآخَرِينَ. أنْ يَخْرُجَ من مِرْآتِهِ التي فِيها يُشَذِّبُ وُجُودَهُ كُلَّ يَوْمٍ، لِيُعَدِّدَ رُؤْيَتَهُ، ويَعْرِفَ نَفْسَهُ في مرايَا أُخْرَى، مَرَايا الآخَرِينَ التي، رُبَّما، تُتِيحُ لَهُ أنْ يَكْتَشِفَ بَعْضَ ما فِيهِ، مِمَّا لا يَعْرِفُهُ، أو لَمْ يَكُنْ راغِباً في رُؤْيَتِه..
فأنَا لَسْتُ مِمَّنْ يَعُودُون لِقِراءَةِ أعْمالِهِم، بَعْدَ نَشْرِها. علاقَتِي بالنَّصّ، تَنْتَهِي بانْتِهاءِ مُراجَعاتِهِ، لِأَنَّ ثَمَّةَ أعمَالاً أُخْرَى تَشْغَلُنِي، وأكُونُ بًصَدَدِ التَفْكِيرِ بها، أو الاسْتِعْدادِ لِمُواجَهَتِها. ثُمَّ إنَّنِي، بِطَبِيعَتِي، في ما أقْرأُهُ، أو أكْتُبُهُ، أمِيلُ إلَى النِّسْيانِ، والرَّغْبَةِ في تَذْوِيبِ الذَّاكِرَةِ في الخَيالِ، في هذا المَاء الذي هُوَ خِيمْياءُ الشِّعْرِ، واليدُ التي تُعِيدُ صِياغَةَ اللُّغَةِ والوُجُودِ معاً، بِغَيْرِ ما كَانا عليهِ. فالشِّعْرُ لَيْسَ تَعَقُّباً لآثارِ الآخَرِينَ، أو السَّيْرَ على مِنْوالِهِم. لا يَقْبَلُ الشِّعْرُ أنْ يكُون صَدًى للآخَرِينَ، الماضِينَ والحاضِرِينَ، بل إنَّهُ يَقْبَل، فقط، بالإنْصاتِ والحِوار، والتَّعلُّمِ، وتبادُل الأفْكارِ والرُّؤَى، دُونَ أنْ يَكُونَ تابِعاً، أو مُقَلِّداً لِغِناءِ الآخرين، مَهْما كان شأْنُهُم، لأنَّ الحِوار العارِفَ، الوَاعِيَ، المُتَقَصِّيَ، يُتِيحُ للذَّاتِ الشَّاعِرَةِ، أنْ تُحافِظَ عَلى فَرْقِ الهَواءِ الذي يَسْمَحُ بالخُصُوصِيَةِ، وبالقِيمَةِ التي هِيَ شِعْرِيَة هذه الذَّات، وتَوْقِيعُها الشَّخْصِيّ، أو الدَّم الَّذِي تَبُثُّه في شَرَايين النَّصّ، لِيَبْقَى حَيّاً، نابِضاً بالوُجُود..
لَيْسَ الشِّعْرُ إقامَةً في السَّماءِ نفسها. السَّماءُ نَفْسُها تُغَيِّرُ ألوانَها، كَما يُغَيِّرُ ألْوانَهُ البَحْر. لا ثَبَات ولا اسْتِقْرار. هذا ما أدْرَكَهُ صَدِيقِي أبو الطَّيب المُتنبِّي، منذ قُرونٍ خَلَتْ، حِينَ وَشَى بما يَجْرِي في نَفْسِه مِنْ ماءٍ، في قَولِهِ الشَّهِير «قَلِقٌ كَأَنَّ الرِّيحَ تَحْتِي». الشَّاعِرُ، كَائِنٌ غيْر مُقِيمٍ، مُتَرحِّلٌ، ساعٍ في الوُجُودِ، في اللُّغَةِ، في نَشِيدِ الوُجُودِ الذي هُو إنْصاتٌ لأَنْفاسِ الحَيَواتِ الخَفِيَّةِ التي لا نراها، أو لا نَنْتَبِه إلَيْها، بِحُكْمِ العادَةِ، وما يَأْخُذُنا من أشْياءَ تأْكُلُ الكَثِيرَ من خَيالاتِنا، وتَحْكُمُ عَلَيْنا بالاسْتِعادَةِ والتّكرار، باعْتِبارِنا كائِناتٍ نَمِيل إلى المُكْتَسَبِ، ولا نَمِيلُ إلى التَّصَيُّر والتَّغْيير. كُل جَدِيدٍ عِبْءٌ، لأنَّه انْتِقالٌ، واخْتِراقٌ، وإِعادَةُ كِتابَة الأشْياء بِغَيْرِ اللُّغَةِ التي بِها نقرأْ ونَكْتُب. الشِّعْرُ، بهذا المَعْنَى، هو انْقِلابٌ، وهو سَيْرٌ في مُواجَهَةِ الرِيحِ.
بهذا المعْنَى رأيْتُ الشِّعْرَ، وبهذا المَعْنَى قَرأْتُهْ، وكَتَبَتْهُ. كان الاسْتِثْناءُ، وما يزالُ، هو ما يُغْرِينِي. فَكُلُّ الخُروقَات التي حَدَثَتْ في اللِّسانِ، وفي المُوسِيقَى، وفي اللَّوْنِ، وفي تَوْزِيعِ الظِّلالِ، وفي المِعْمارِ، وبِناءِ النَّص، في الإبْداعِ، عُموماً، أسَرَتْنِي، وكُنْتُ أحْتَفِلُ بِها، دُونَ أنْ أقِيمَ الفَرْقَ فِيها، بَيْن زَمَنٍ وآخَر، وَبَيْنَ جيلٍ وآخَر، وبَيْنَ ثقافَةٍ وأُخْرَى، كُلّ لُغاتِ الوُجُودِ، وُجِدَتْ لِتَكُونَ «جُرْحاً» في اللِّسانِ، كما يقول فوكو، ولِتَكُون فَكّاً للالْتِباسَاتِ بُرْج بابل، التي فيه اشْتَبَكَت الأَلْسُن، وذَابَتْ في بَعْضِها، بنوعٍ من البَلْبَلَة، التي فَهِمْناها، بمعنى الغُموض فقط، دُونَ أن ننظُرَ إليها، باعتبارها، لِقاءً كوْنِياً، وإنْصاتاً للآخَر في نُفُوسِنا..
ما تَقْرأونَه لِي من أعْمال شعرية، ومن كتاباتٍ نظريَةٍ، هِي ما اقْتَرَحْتُه على قارِئ الشِّعْرِ الذي يَحْدسُ اسْتِثْناء النَّغَمِ والغِناء، أدواتٌ، وآلاتٌ كثيرَةٌ مُخْتَلِفَة، من ثَقافاتٍ مُتَنَوِّعَة، هي ما يعْطِي المُوسِيقَى سلاسَةَ وجَمالَ نَغَمها. الانْشِقاقاتُ المَوْجُودَةُ في الأصْواتِ، هي جَوْهَر الوَحْدَةِ، أو ما يُضْفِي عليها صِفَةَ المُصافَحَةِ والعِناقِ. حتَّى الإمْكِنَة والفَضَاءات، شَغَلَتْنِي، بتلَوُّناتِها، وتنوُّعاتِها، وما تَسْتَنْفِرُهُ فِي نفسي مِنْ جمالٍ، ومن إحْساسٍ بتَجاوُبِ الحَواسِّ في دَاخِلِي..
لَمْ أكُنْ مُكْتَفِياً بِما كَتَبْتُه، أو ما خَرَجَ من يَدِي. لا أرْهَنُ نَفْسِي بِما انْتَهَيْتُ مِنْه، فَكُل ما نَشَرْتُه، دائماً يَبْدُو لِي ناقِصاً، وَيَحْتاجُ أن أسْتَكْمِلَهُ، لا أن أُكْمِلَهُ. لا شَيْء كامِلُ، بل إنَّ النُّقْصانَ الذي أَسْتَشْعِرُه، في ما أَكْتُبُه، هو ما يُعِيدُنا إلى الكِتابَةِ، وإلاَّ كُنَّا اكْتَفَيْنا بِعَمَلٍ واحِدٍ، هو ما قُلْنا فِيه ما يَنْبَغِي أنْ يُقال. نَحْنُ نَكْتُبُ عَملاً واحِداً خِلال عُمُرِنا الشِّعرِيّ، لَكِن بِجُرُعاتٍ، كُلُّ دِيوانٍ، أو كِتاب، هو جُرْعَة أُخْرَى تُساعِدُ اليَدَ على التَّوقُّدِ، وعَلَى الاشْتِعالِ أكْثَر، مِثْلَما يَحْدُثُ للجِسْمِ السَّقِيم الذي يتناوَل الدواءَ عَبْرَ جُرُعاتٍ، لِيَسْتَعِيدَ حياتَه، وحَيَوَيَتَه، وإلاَّ كانَ أُعْطِبَ، إذا ما شَرِبَ الجُرُعاتِ كامِلَةً، دُفْعَةً واحِدَةً. لِكن، هُناكَ، دَائِماً، بعض الأعْمال، نُحِسُّ، أو َنحْدَسُ ما فِيها من إضافاتٍ، لَكِنَّنا نَحْرِصُ على توسِيعِها، أو هِي، بالأحْرَى، ما يَدْفَعُنا إلى مضائِقِ الكِتابَة أكثر، ويُوَرِّطُنا فِيها بالكامِل..
ما أكْتُبُه، لا يَجُبُّ غَيْرَه مِمَّا هو موجُودٌ، ولا يُلْغِيه أو يتعَالَى عَلَيْه. هذا ادِّعاءٌ باطِلٌ، بل إنَّه يتقَاطَعُ مَعَهُ، ويكونُ بَيْن المُقْترحاتِ التي لا يُمْكِن لِشاعِرٍ واحِدٍ أن يَحْسِمَ في تارِيخِها، أو في شِعْرِيَتِها، لأنَّ الشِّعْرِيَة شِعْرِياتٌ، وهذه هي مِيزَةَ أنْ نَكْتُبَ بَعْدَ المتنبي، وأبي تمَّام، وبودلير ورامبو، والسِّياب وأدونيس. والمجاطي والخمَّار الكنوني. الشِّعْرية العربية، بإيقاعاتِها، بصُوَّرِها، وبدوَالِّها النَّصِّيَة المُتَنَوِّعَة والمُخْتَلِفَة، هي غابَةُ جمالٍ، يَكْفِي أن نعْرِفَ كَيْفَ نَمَيِّزَ فِيها بَيْن شَجَرَةٍ وأُخْرَى، وبَيْن طائرٍ وآخَر، رَغْمَ أنَّ المَشْرَبَ واحِد، لَكِنَّه في جَوْهَرِه مَجْرًى، ولَيْسَ ماءً مُسْتَقِرّاً، لا يُغَيِّرُ ماءَهُ..
هذا المُتجَدِّدَ، المُلَوِّنَ، للاَّنِهائِيَ، أو الرِّيح التي تَجْرِي تَحْتَنا، لَها غِوايَاتُها، ولَها ألَمُها، الذي كنتُ سَمَّيْتُهُ بالألَمِ السَّعِيد. الشَّاعِرُ الذي يَسْتَطِيبُ ماءً دُون غَيْرِه، أو يُقِيم في أرْضٍ لا يَتْرُكُها، لا يُسافِر، ولا يترحَّل، ولا يَجُول، لا يُمْكِنُه أن يَكُون مُقيماً في الوُجود الشِّعرِيّ، أو مَوْجُوداً في الشِّعْر، وهذا هو خَلَلُ الأصْدِقاء، مِمَّنْ بَقَوْا في «القَصيدة»، واعْتَبَرُوها كُلّ الشِّعْر، فيما هِي اقْتِراحٌ، اسْتَكْمَل شَرْطَه الشِّعْرِيَّ، وأغْلقَ وجُودَهُ، أو حَبَسَهُ في الوزن، أو في النثر، دون أن يَنْتَبِه إلى سَعَة الشِّعْر، الذي هُوَ البَرْزَخُ الذي من سَدِيمِه، وعَمائِه، بتعبير الشيخ الأكْبَر، يَخْرُج ذَلِك الوُجود الذي هو مُفارِقٌ، ومُخالِفٌ، لِما نَظُنُّه الوُجودَ..
أنا مِن جِيل الثَّمانِينيات في المغرب، كثير مِنْ أوراق شَجَرَةِ هذا الجِيل تَسَاقَطَتْ، أو بَقِيَتْ عالِقَةً فِي عودٍ، لا مَاءَ فيه. وهذا ما حدثَ في مَسِيرَة الجِيلَيْن السَّابِقَيْن عَلَيْنا. قَلِيلُون مَنْ ما زَالَتْ النَّضَارَةُ تُزْهِرُ أصابِعَهَمُ، يكتُبُون بِدَهْشَةٍ، وبِفَرَحٍ، ولا يَعْتَبِرُون الوَفْرَة عائِقاً، بل إنَّ ثَمَّة من صار الشُّحُّ عندَهُم عائِقاً، لأنَّ ما يكْتُبُونَه بَعْدَ لَأْيٍ، يَكُون خالِياً من الدَّهْشَةِ، ومن الإضافَة، رَغْمَ أنَّه شِعْر. ما لَمْ نُحْدِثِ المَسافَةَ، فالكِتابَةُ سَتَبْقَى صَوْتا واحِداً لا يَخْرُجُ من نَغَمِهِ الذي يتكرَّر، بالوتِيرَةِ نفسها، والذَّبْذَباتِ نفسها، والآلاتِ نفسها..
إنَّنِي مُفْعَمٌ بالشَّذَى، صَدِّقُونِي، وهذا الشَّذَى، هو ما بِه أحْيا وُجودِي الشِّعْرِيّ، وهو كَيْنُونَتِي، خارِجَ ذَاتى، وفيها، في الآنَ نفسه. زَمَنِي هو زَمَنُ وُجودِي الشِّعْرِي، أكْتُبُ كَما أحْيا وأعيشُ، أصابِعِي، كُلَّما لامَسَتِ الوَرَقَ دبَّ فيها الرُّعاشُ والتَّنَمُّلُ، وامْتَلأتْ بحَنِين اللَّحظاتِ الأولى للكتابة، عندما شَرَع الإنْسانُ في تَهَجِّي الكِتابَة، أو تَعلُّم المَجاز. هكذا أَنا، أتعلَّمُ الشِّعْر، في ما أنا أكْتُــــــبُهُ، وأكْتُبُه في ما أنا أتَعلَّمُهُ، فِعْلٌ واحِدٌ به أُهَجِّجُ أوْتارَ اللَّحْنِ، وأعْزِفُ على أكْثَر من آلَةٍ، لأنَّ مِساحَةَ الصّـــــَوْتِ، كما آراها، واسِعَة، ولا يَكْفِيها أن تُحْشَر في لَحْنٍ لا يُغَيِّر لَوْنَهُ.
٭ شاعر مغربي
صلاح بوسريف