كثيراً ما يتساءل الناس عن الخلطة السحرية للتألق الباهر، الذي حققته ماتسمى اليوم بدول النمور الآسيوية. كيف استطاعت ما كانت، يوماً، مجرد فئرانٍ ضعيــفةٍ، هزيــــلةٍ، مهملةٍ من أن تتعملق لتغدو نموراً عمـــلاقةً، تنفث طوفاناً من ألقٍ منقطعِ النظير، من تنميةٍ تقنيةٍ تحاكي النجـــوم، وتقدمٍ اقتصادي مدهشٍ يحيِّر الألباب، ويخطف الأبصار. فحتى وقـــت ليــــس ببعـــيد، وهو بدايـــة ســتينيات القرن العشرين، كانت كوريا الجنوبية، وتايوان، وسنغافــــورة، وهونغ كونغ تعتبر دولاً من دول العـــالم الثالث، وهو العالم الذي سُمِيّ هكذا لتَخَلُّفه اقتصادياً. إلاّ أن هذه الدول تمكنت من أن تحقِّق تنميةً اقتصادية سريعةً لم يستطع أحد التنبؤ بها.
إنّ محاولة استيعابنا لهذا الألق في التنمية والاقتصاد ستقودنا لأن ندرك أنّ هذه النمور، عندما كانت يوماً مجرد فئرانٍ ضعيفةٍ، هزيلةٍ، مهملةٍ، كانت تعيش وضعاً صعباً في أنّ الجغرافيا جعلتها تقطن في بقعة فقيرةٍ بالموارد الطبيعية، ولكنها، من جانب آخر، بجوار جيرانٍ متنفذين، أقوياء. هذا التجاور مع الأقوياء أشعر هذه الفئران الضعيفة، الصغيرة حينها بحجم التحدي الكبير الذي تعيش تحت طائلته، وخلق لديها رغبةً جامحةً بالنهوض، والعمل المضني، والشاق لتستحيل من مجردِ فئرانٍ ضعيفةٍ، هزيلةٍ، الى نمورٍ سياسيةٍ، واقتصادية عملاقة.
ما زال الكثير ناشطون في مجالات الفكر والسياسة يعتقدون إنّ ارساء أنظمةٍ ديمقراطيةٍ، حرةٍ سيقود بطبيعته إلى خلق تنميةٍ في المجتمع، على كل الأصعدة. ونستطيع أن نرى ذلك، مثلا، في الشروط التي يضعها صندوق النقد الدولي على القروض التي يقدمها للحكومات، مطالباً إياها بتحرير الاقتصاد، وتقليل، أو إزالةِ القبضةِ القوية، التي تفرضها الحكومة على الجوانب الاقتصادية. إلاّ أن الطريق الذي سلكته، ما تسمى اليوم، بدول النمور الآسيوية، يبدو مختلفاً تماماً. فالنظرية التي أتبعتها هذه الدول لتحقيق هذه النهضة الاقتصادية الكبيرة، والسريعة، لاتقوم على إرساء ديمقراطيةٍ حرةٍ، بل تقوم على أساس أنّ إيجاد حكومةٍ مركزيةٍ قويةٍ، تقود الاقتصاد قيادةً سريعةً، وبخطواتٍ تنمويةٍ مُمَيَّزةٍ، سينتج عنه الوصول إلى مرحلة إقتصاد الدولة الصناعية العملاقة.
وهكذا، تَمَكَّنَ نظام الدولة المركزية، القوية من تحويل هذه الدول الفئرانية، النامية إلى نمورٍ عملاقةٍ، فريدةٍ من نوعها في نموها الاقتصادي النوعي، وانتقالها إلى مصاف الدول الصناعية المتقدمة، التي تتَقَدَّمَ العالم، وتقوده. إنّ أحد العوامل، التي ساعدت على إنجاز خططٍ تنمويةٍ، ناجحةٍ، وحدوث هذا النمو الاقتصادي الهائل، هو أنّ الدولة، في هذه الدول الفئرانية، لم تكن مشغولةً بتحدياتٍ محليةٍ، مهولةٍ، كما هو الحال في العراق، مثلا، الذي أنهكته الحروب العبثية مع الجيران، وشتتته الصراعات المذهبية، والقومية، وشغلته الحرب على الارهاب المنظم والموجه، وعصفت به صراعات الاحزاب السياسية، والدينية، ونخره الفساد الاداري المستشري.
وهنا، لنا أن نتساءل هل يمكن نقل بذور النمور الآسيوية، وزرعها في أراضٍ أخرى من العالم، كالعراق مثلا ؟ هل ستنبت هذه البذور، وهل ستؤتي أُكْلَهَا ؟ أم أنّ هذه البذور لا تنبت، إلاّ في أراضٍ بعينها، كأراضي شرقي آسيا. خبراء السياسة، والاقتصاد، والسوق يؤكدون أنّ هذه البذور، بذور النمور الآسيوية، لا تنبت في كلِّ تربةٍ، ولا تنجح أينما كان. فالفأر المنهك، الضعيف لايمكنه أن يتعملق ليصبح نمراً ضارياً، كيفما كان، في أيّ أرض، وفي أيّ مناخ. فالسر الذي جعل الفأر يتضخم، ويتعملق ليصبح نمراً كاسراً، لا يكمن في وجود حكومةٍ مركزيةٍ، قويةٍ فحسب، ولا في فرض سياساتٍ تنمويةٍ فعالةٍ فقط، بل يكمن في أنّ الثقافة السائدة في هذه البلدان، هي الثقافة الكونفوشيوسية.
الثقافة الكونفوشيوسية تؤمن بالتسلسل الهرمي الأجتماعي، وبمفهوم أنّ الأمة هي أسرة الفرد وعائلته. وهكذا، فإنّ الدولة، بموجب هذه الثقافة، تتبنى دور المرشد، أو المُوجِّه لمصلحة الأمة، وتتبوأ دور القائد، والمُفكِّر، والمُعلِّم. هذه الثقافة، هي التي تجعل الفرد يتحمَّل أن يُؤثرَ الأهداف البعيدة المدى للدولة، على مصلحته الاقتصادية الخاصة. وهكذا، فإنّ المجتمعات التي لا تمتلك هذه الثقافة، فإنّها لن تقبل ولاية الدولة، ولن تُغلِّب مصلحتها، مما يؤدي الى إحباط أيّة جهودٍ تقوم بها الدولة من أجل تحقيق النمو الاقتصادي، والتنمية الاجتماعية.
هذه الفئران الشرق آسيوية كانت محظوظةً، أيضاً، بأنها إمتلكت قادةً أقوياءَ، كانوا من القوة بمكان أنهم تَمَكَّنَوا من إدارة دفةَ الاقتصاد إدارةً فعالةً، دون أن تعوِّقهم أيّة تحديات محلية حقيقية. هذه الادارة الفعالة، نفخت النجاح الاقتصادي في قلوب الفئران الضعيفة نفخاً مستمراً، وحولتها في النهاية إلى نمورٍ كاسرةٍ. شعوبُ هذه الدول أَحسَّت بهذا النجاح الاقتصادي المتواصل الذي حققه القادة، وأخذت تتنفسه هواءً يومياً، وهكذا عمدت إلى منح هؤلاء القادة شرعية الحكم، وشرعية الاستمرار به.
فالأنظمة السياسية، في هذه البلدان، لم تستمد شرعيتها من انتخابات ديمقراطية، يكون الحُكمُ فيها بإسم الشعب، وللشعب، بل إستمدت شرعيتها من التقدم الاقتصادي المتواصل، الذي إستطاعت تقديمه لشعوبها. وهكذا، وبدلاً من أن يكون صندوق الاقتراع هو المعيار الذي تلجأ له شعوب هذه الدول لتقيس نجاح قياداتها، فإنّ المستوى المعاشي، والمكاسب الاقتصادية، مقارنة بجيرانها، كانت هي المعيار الذي إستعملته هذه الشعوب لتقيس
نجاح قياداتها.
إنّ أحد مفاتيح حلّ المسألة الكردية، في العراق، حلاً مبرماً، ونهائياً هو حكـــــومةٍ عراقــــيةٍ، مركزية، قويةٍ، قادرةٍ على قيادة الاقتصاد قيادةً سريعةً، وبطفراتٍ تنمويةٍ، واسعةٍ، ومميزة. وبالتالي، فإنّ تحقيق شرعية الحكم، وشرعية الاستمرار به ستتأتى من خلال تحقيق النجاح الاقتصادي، المتواصل في مجالات الزراعة، والصناعة، والتجارة في العراق. هذا التقدم الاقتصادي، المتواصل، إذا ما أحسَّ به الأكراد فإنه سيجعلهم يرون أنّ الأفضل، والأجدى هو العيش بسلام، والأنصهار في العراق الموحد، والتمتع بخيراته، والانشغال بالحياة المدنية، والتنمية، لا بالحرب، والنزاع، والانفصال.
كاتبة من العراق
شهباء شهاب