تسارُع الأحداث في سوريا، وما انطلق وحط على أرض سوريا، وما انطلق من أرض سوريا وتفجر في سماء سيناء، ثم انطلق من أرض سوريا وتفجّر في «الباريسين»: باريس الشرق، بيروت لبنان العربية، وباريس فرنسا (عاصمة النور)، على مدى الشهرين الماضيين، هو تسارع لافت للنظر بكثافته، وبحجم تأثيره على احتمالات إحداث تغييرات هائلة في سوريا والأقليم والعالم. فماذا يمكن للمرء أن يتوقّع وهو يتابع أحداثا لشهرين اثنين فقط، كانت كافية لأن تزود وسائل الإعلام العالمية بمواد إخبارية لصحف ونشرات انباءٍ لعامين كاملين، وأكثر؟
في نهاية الستينات وبداية السبعينات من القرن الماضي، كنت كثير التنقل بين بيروت وعمّان، عن طريق سوريا. كنت أُلاحظ بعد تجاوزي نقطة الحدود على يمين الطريق فور مغادرة نقطة الحدود اللبنانية (المصنع)، ونقطة الحدود السورية(جْدَّيدة يابوس)، يافطتين كبيرتين من حجر، على يمين المتجه إلى دمشق، أُولاهما بعد أقل من كيلومتر من نقطة الحدود السورية، وثانيتهما بعدها بمئات الامتار فقط. كان النقش على الحجر في أُولى اليافطتين هو» القيادة فن وذوق وأخلاق «، وأما على اليافطة الثانية فمنقوش: « لكي تأمن مخاطر الطريق: تَوقَّع ما لا يُتَوَقَّع «.
يوم 16.11.1970 قام حافظ الأسد بانقلابه على صلاح جديد، فيما سمّاه « الحركة التصحيحيّة «. بعد ذلك الانقلاب بأسابيع قليلة تم تعديل الكلمات المنقوشة على يافطتي الحجر الضخمتين، لتصبح الأولى: « قيادة السيارة فن وذوق وأخلاق «، بمنع التعميم، وذلك باضافة كلمة « السيارة «؛ ولتصبح الثانية: « تَوَقَّع ما لا يُتَوَقَّع «، بعد شطب « لكي تأمن مخاطر الطريق «.
ضحكنا وتندّرنا كثيرا حول هذين التّعديلين في حينه. لكنني لا أعتقد ان أيّاً منا، أصدقائي وزملائي وأنا، كنا نتوقّع إمكانية وصول الوضع في سوريا اليوم، سوريا بشار الأسد، الذي «ورث» سوريا من أبيه حافظ الأسد، إلى ما وصلنا إليه، وإلى ما يقع هذه الأيام.
عين روسيا على « حصة الأسد «. وحصة الأسد هي اللاذقية، ومحيطها جنوبا حتى طرطوس، وشمالا حتى نهاية كَسَب والحدود مع لواء الاسكندرون العربي، الذي كان «متنازعا» عليه مع تركيا، وتنازل عنه حافظ الأسد ليتقي شر ومخاطر غضب الجارة الشمالية، تركيا، وألحقَ بذلك «تنازله» عن حليفه عبدالله أُوجلان، عدو تركيا. «حصة الأسد» هذه، التي فاز بها الرئيس الروسي بوتين، بضربة ذكية وحازمة وخاطفة، ضمنت لروسيا، بتكلفة زهيدة، أشبه ما تكون بأسعار نهاية الموسم، حضوراً غاية في الأهمية، في أحد اهم البقاع على الكرة الأرضية، التي أصاب من سمّى بحرها بالمتوسط، لأنه فعلاً «المتوسط» بين أقطار الأرض: شرقها وغربها، شمالها وجنوبها. مبروك بوتين!
أصاب بشار الأسد عندما قال ما معناه أن سوريا لمن يدافع عنها ويقاتل لأجْلها. وبوتين يدافع (!) عن «حصة الأسد» في سوريا، ويقاتل لأجْلها (!). لكن، إذا كان مغفوراً للولي الفقيه، ظلّ الله على الأرض، في طهران، ومعه الرئيس روحاني، ووزير خارجيته المصاب بداء الابتسام المتواصل، صاحب «الجار قبل الدار»، أن لا يروا وأن لا يفقهوا نصيحة المتنبي قبل ألف عام، فإنه ليس مسموحا لواحد مثل بشار الأسد أن لا ترى عيناه، (وهو طبيب العيون الذي تخصص في بريطانيا)، ولا يستوعب ذهنه، قول المتنبي: ومن يجعل الضِّرغامَ في الصّيدِ بازَهُ / تصيَّده الضرغامُ في ما تصيَّدا.. مبروك بوتين!
أمّا داعش، (وهل نقول صديقتها، أو ربما حليفتها، إسرائيل نتنياهو؟)، فقد صادت «عصفورين» بمتفجرة واحدة: أدمت الشعب الروسي بقتل أكثر من مئتي ضحية روسية بريئة، وأدمت اقتصاد الشعب المصري بأكثر من مئتي مليون دولار، ( وأنا لست خبيراً اقتصادياً يتقن فن إجراء الحسابات المالية، ليحدد المبلغ بملايين أو عشرات أو مئات الملايين).
إلا أن داعش بالغت باستفزازاتها: فبعد «عصفوري» سيناء ـ القاهرة وموسكو، جرحت باريسي الشرق والغرب: بيروت باريس الشرق، وباريس فرنسا عاصمة النور فنقلت، بغبائها، (المتوقع على أي حال)، نقلت فرنسا الكاثوليكية من التحالف مع أمريكا البروتستانتية، إلى التحالف مع روسيا (المسكوبية) الأرثوذكسية. هي باختصار: فعلت بالضبط عكس ما فعله الرسول العربي وخلفاؤه الراشدون، الذين استفادوا من خلافات شرق وغرب ذلك الزمن، ليضربوا الشرق اولاً، ثم الغرب لاحقا، وليسيطروا على العالَمين، ويضعوا أحد اوائل ما يعرف بلغة عصرنا «النظام العالمي»، الذي ظل سائدا إلى نهاية القرن الخامس عشر ميلاديا، حتى أصبح اتقان اللغة العربية شرطا لتولي كرسي البابوية في الفاتيكان. لحماقة داعش هذه ثمن، يجعل عمر داعش، القصير أصلا، أقصر واقصر، حتى لو استدعى ذلك دما أكثر وأرواحا أكثر ودموعا أكثر.
واحدة من «السوالف» التي سمعتها مراراً من والدي، وانا بين جيلَي الفتوة والشباب في بلدي سخنين في جليل فلسطين، ولا أنساها، تقول، حسب رواية والدي، إن «شيخ عرب» عجوزا له أربعة أبناء أشداء، جاؤوه صباح أحد الأيام وأبلغوه أن لصوصاً قد سرقوا ديكاً لهم، فقال «الشيخ» لأبنائه: ابحثوا عن الديك.
عادوا مساء وأبلغوا والدهم بفشلهم في العثور على الديك. صباح اليوم التالي ذهبوا إلى والدهم ليبلغوه أن لصوصاً قد سرقوا الثّور أيضا. قال والدهم لهم: ابحثوا عن الديك!! وما لم تجدوه وتستعيدوه، لن تعثروا على الثور.
عاد الأولاد مساء، وصباح اليوم الثالث أبلغوا والدهم أن لصوصاً سرقوا الحصان أيضاً. كرر والدهم أمره: ابحثوا عن الديك. بمعنى: من يتساهل في معالجة الحلقة الأولى، يضيع فرصة وإمكانية معالجة ما يليها من حلقات. «الدّيك» الذي أتى بداعش إلى سوريا هو بشار الأسد: إبحثوا عن الديك!!
هذا ما نقوله للعالم. ولكن الأكثر صوابية منه هو أن الديك الأول الذي أتى أساسا إلى سوريا بحافظ الأسد، ومن بعده ببشار الأسد، هو إسرائيل. أُكرّر: إسرائيل.
قبل نحو عقدين من الزمن هاجمت إسرائيل الرئيس الباكستاني في حينه، برافيز مشرف لأنه قال إن سبب 90٪ من الإرهاب في العالم، هو إسرائيل وعدم إعطاء الفلسطينيين حقوقهم في حدّها الأدنى. بعد ذلك بأسابيع سأل أحد الصحافيين الرئيس الباكستاني مشرف في نيو يورك، أثناء ترؤّسه لوفد بلاده إلى اجتماع الجمعية العمومية للأمم المتحدة، إنْ كان لم يبالغ في تحميل إسرائيل المسؤولية عن 90٪ من الإرهاب في العالم، فكان ردّ مشرّف: ربما، فالحقيقة في اعتقادي أن ظلم إسرائيل مسؤول عن 95٪ من الإرهاب في العالم.
ليس لنا إلا البحث عن «الديك/بشار»، فهو داعش الداعش، وهو أساس البلاء، وأن نتوقّع ما لا يُتَوقّع.
وليس لنا إلا التأكيد أنهم جميعا لا يقاتلون من أجل سوريا. إنهم يتقاتلون على سوريا، أو أجزاء منها. أجزاء لبلد- قبل مرحلة ظلام حافظ وبشار الأسد- كان اسمه الثاني: «قلب العروبة النابض».
٭ كاتب فلسطيني
عماد شقور