ثالوث الصراع والمؤامرة والانهزام التاريخي

حجم الخط
0

مثلت الثورة العربية الكبرى عام 1916 بقيادة الشريف حسين، الطموح القومي العربي، بتشكيل دولة عربية واحدة من المحيط إلى الخليج، كانت هذه أحلام العرب التي سرعان ما تبخرت في اتفاقيات سايكس بيكو ومؤتمرات سان ريمو، التي قسمت بلدان المنطقة العربية بناءً على حدود مصطنعة، مثلت الدول التي نعرفها اليوم.
ورغم الاختلاف والاتفاق حول ما إذا كان تاريخنا الحديث والمعاصر مبنيا على فرضية المؤامرة، التي أطرت العقلية السياسية العربية طيلة الفترة الماضية، إلا أن الثابت هو أن السياسي العربي طالما وجد في شعوب المنطقة جزءًا من مؤامرة خارجية تحاك ضده، هذا ما تجمع عليه النخب السياسية العربية اليوم، وعلى الجانب الآخر نجد أن شرعية الخيارات السياسية بالنسب لدولة عربية هي خيانة ومؤامرة بالنسبة لدولة عربية أخرى، ولنا في التفاعلات السياسية العربية بعد اتفاقات كامب ديفيد أمثلة كثيرة على ذلك.
إن نظرة مبسطة لطبيعة ما نعيشه اليوم تظهر لنا مدى التأزم السياسي والأمني الذي تمر به المنطقة العربية، فإلى جانب دول تواجه تحدي الوجود كالعراق وسوريا وليبيا واليمن، هناك دول تواجه تحديات التنمية الوطنية الشاملة، كمصر والجزائر وتونس، إلى جانب ثالثة تواجه أزمات سياسية كموريتانيا ولبنان والسودان، ورابعة تواجه تحديات خارجية، ولنا في العلاقات الخليجية الخليجية أبرز مثال على ذلك. من كل ما تقدم نقف أمام تساؤل مركزي أين تقف المنطقة العربية اليوم؟ قد تكون الإجابة المختصرة لذلك، هو ضرورة الشروع بإجراءات جديدة تفتح أفقا أوسع لعلاقات عربية عربية تسودها المصلحة المشتركة المحكومة بأساسيات العمل العربي المشترك، مع الأخذ بنظر الاعتبار ضرورة تحديد الأولويات السياسية العربية، ولكن على الجانب المقابل هل تكفي هذه الإجراءات، بكل بساطة لا.
لا يختلف أحد على أن المشاكل العربية العربية، ولغرض حلها تحتاج إلى جهود كبيرة تتجاوز الأنظمة السياسية العربية، جهود تبدأ بإعادة تعريف الدور السياسي للمجتمعات العربية، هل هي مجتمعات تعيش على هامش التاريخ؟ أم مجتمعات مساهمة ومبادرة؟ وأيضاً الضرورة بإعادة هيكلة الجامعة العربية من خلال إعطائها قوة دفع اكبر لممارسة أدوار سياسية أكثر فعالية في الأزمات العربية العربية، فهي مغيبة اليوم تماماً في الأزمة السورية أو اليمنية، أو حتى مؤخراً الخليجية، بل إن وقوفها متفرجة يشير من جهة أخرى إلى أنها تعيش حالة من الاحتضار، أمام بروز مشاريع الشرق الأوسط الموسع أو الشرق الأوسط الإسلامي أو غيرها من المشاريع التقسيمية.
وفضلاً عما تقدم يمكن القول إن العلاقات العربية البينية حكمتها قواسم الاختلاف أكثر من فرص التقارب، فمن أجل لعب أدواراً محورية في المنطقة العربية، ذهبت بعض دول المنطقة بعيداً عن المظلة العربية، فخلال الحرب الإيرانية العراقية، تحالفت سوريا مع إيران، وقطعت أنبوب النفط العراقي الذي يمر عبر الأراضي السورية، لاختلاف النظام السياسي السوري مع النظام العراقي في ذلك الوقت، وخلال أزمة أغسطس 1990 وجهت دول الخليج نداء استغاثة للولايات المتحدة الأمريكية لإخراج العراق من الكويت، وتكررت الحالة في 2003، وجاءت ثورات الربيع العربي لتكمل ما بشّر به النظام العالمي الجديد، وأصبحنا اليوم أمام سيناريوهات مخيفة في ليبيا واليمن والبحرين والعراق وسوريا.
أشارت الأزمة الخليجية الأخيرة إلى مدى الشرخ الحاصل في الخيارات السياسية العربية، بل إن العلاقات السياسية العربية مع دول الجوار وتحديداً إيران، تمثل علامة استفهام كبرى في العلاقات العربية البينية، إلى الدرجة التي يمكننا معها إطلاق مصطلح «فوبيا إيران»، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بدول كالعربية السعودية والإمارات ومصر والأردن، إذ مثلت إيران وعلى مر التاريخ السياسي، التهديد الأكبر لدول مجلس التعاون الخليجي، وليس أدل على ذلك من حالة الصراع المستمر بينهما، ما جعل من مسألة الثقة المتبادلة أزمة بحد ذاتها في العلاقات ما بين الجانبين، وتتمثل الخشية الإيرانية من دول مجلس التعاون، من خلال الروابط الأمنية والسياسية التي تربط دول المجلس بالولايات المتحدة الأمريكية، بل إن الشكوك الإيرانية ذهبت إلى أبعد من ذلك، فحتى عندما شكلت دول مجلس التعاون الخليجي منظومة أمنية، اشتملت على سوريا ومصر ودول الخليج العربية، رفضت إيران ذلك، معللة السبب بكونه تحالفا عربيا ضدها، والحقيقة إن إيران وقفت ضد أي جهد عربي وإقليمي لوضع ترتيبات أمنية في منطقة الخليج خارج إطارها، انطلاقاً من رؤية إيرانية، بأن أمن الخليج هو مسؤولية تضامنية لكل دوله، وليس امتيازاً يمنح لطرف دون آخر.
ففي الوقت الحاضر اتخذت التدخلات الإيرانية في شؤون مجلس التعاون الخليجي حالة غير مسبوقة، فاتجهت إلى إيجاد مقتربات جديدة للتعامل مع دول مجلس التعاون الخليجي من خلال التعامل الفردي وليس الجمعي، وبالتالي كشفت لنا التطورات الأخيرة المتعلقة بأزمة قطر وشقيقاتها عمق التأثير الإيراني، كون أحد أسباب الأزمة هو التقارب القطري – الإيراني الأخير، ولاحتواء هذا النفوذ تحولت دول مجلس التعاون الخليجي، وعلى رأسها السعودية، من استراتيجية تجنب الصراع والمواجهة الصلبة مع إيران، إلى استراتيجية ردع واحتواء النفوذ الإيراني في منطقة الخليج، ولعل «عاصفة الحزم» في اليمن شكلت القاعدة لهذه التحولات الجيوأمنية.
إن سعي إيران إلى استغلال كل الفرص المتاحة من أجل إعادة بناء العلاقات العربية العربية، مرهون بعمق الخلافات القطرية الخليجية من جهة، ومن جهة أخرى ترتبط بمدى استجابة قطر للضغوط السعودية الأمريكية، فكلما كانت المشاغبة الإيرانية في العراق وسوريا واليمن والبحرين أكثر، مثل ذلك متنفساً لإيران بالمضي أكثر بمشروعها التفتيتي في المنطقة، وحتى التقارب الأخير الذي جمع النقيضين (تركيا وإيران) بخصوص الأزمة مع قطر، ما هو إلا تقارب تكتيكي وليس استراتيجيا، وكمحاولة لكل منهما لاغتنام الفرص والأزمات للانغماس أكثر بشؤون المنطقة، وبالتالي فإن أقرب الطرق للتدخل في شؤون دول الخليج، هو ربط أمن تلك الدولة بأمن الخليج، وهو ما تقوله إيران اليوم.
المنطقة العربية اليوم تعيش منعطفا تاريخيا حرجا، منعطفا قد يشكل تساؤلا مركزيا عن مكانة العرب في القرن الواحد والعشرين، ومع إدراكي التام لصعوبة الإجابة على هذا التساؤل، كون الإجابة عليه تتجاوز حدود المنطقة العربية نفسها، إلا أن بإمكاني القول إن المنطقة العربية اليوم أصبحت بمثابة ثقب أسود جَر كل القوى الكبرى والإقليمية للتفاعل معه بالسلب والإيجاب، فبين من يسعى لانتهاز فرصة التقسيم والنفوذ، هناك من يسعى إلى إعادة تشكيل المنطقة من جديد، بينما يبقى العربي محكومى بالقدر الإلهي ونظرية المؤامرة التي سلبت الإرادة السياسية العربية من مقومات نجاحها وفعلها الإستراتيجي الناجع، وكأنما أصبحنا مرغمين على العيش في المستقبل كما يجب وليس كما ينبغي أن يكون.
كاتب عراقي

ثالوث الصراع والمؤامرة والانهزام التاريخي

فراس الياس

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية