ها هو ذا عامٌ آخر من أعوام البشرية قد هوى، وانزوى ومضى أو كاد إلى حال سبيله، لينساب كالسيل العارم العرمرم، أو الآتي المنهمر الضائع في طيات الزمن وثنايا النسيان وثبج السنين، وفي معارج طباق السموات، ومدارج سديم الفضاءات السرمدية الأثيرية اللانهائية واللامنتهية، واللامتناهية لينضم إلى سلسلة عقود الأعوام المنصرمة التي ولت وانقضت وذهبت بدون رجعة. لقد حال الحول ودار الزمان، وتوارى عام 2014، وتوارى معه أحزاننا وأتراحنا وبعض أفراحنا وجذلنا ومآسينا، ونستقبل في الوقت ذاته عاما جديدا (2015) لا زالت أيامه ولياليه في طي المجهول وخبايا الكتمان وعلم الغيب.
في انتظار ساعة الصفر
سترى الوجوه باشة هاشة ضاحكة، وترى القلوب تخفق سعادة وهناءة وحبورا وتلمع الأيدي، وهي تمتد في شجون نحو أخرى لتصافحها مهنئة إياها بانسياب حقبة من الزمان وانقضائها، وبزوغ أخرى. كل المدن والحواضرالكبرى ستسبح في ثبج فضاء أثيري بهيج وأضواء النيون ستملأ الدنيا وستنتشر وتسطع في أماكن بعينها، وسوف يستمر الظلام الدامس مطبقا في أماكن أخرى، كثيرون منا يجهلونها، قليلون منا يعرفونها.. ستعاقر الكؤوس بعضها بعضا، ستنفرج الأشداق من القهقهات وتزيغ العيون وتتيه العقول، والكل سينتظر ساعة الصفر، الكل يرقب ويترقب منتصف الليل، حيث تنطفئ الأضواء في كل مكان ويكون العناق تلو العناق، الصادق منه والزائف، والدافئ الزائد يتحول إلى نار كاوية وتدورالكؤوس، وتتلوها كؤوس حتى الثمالة وتوزع الصحون وتمتلئ البطون حتى التخمة بالطعام المز والشراب المر، والحديث مسترسلٌ بين الجميع وهو ذو شجون يجر بعضه بعضا، يفرحون، يمرحون، يعبثون، يتشاجرون، يتصالحون، يصيحون ويهللون دافئون.. وآخرون يلفهم البرد القارس الزمهرير الذي يصلي المقرور ويبيح كل محظور ويجمد الثلج الصقيع المتكاثف في جسوم هؤلاء، وأبدان اولئك الذين يمزق أوصالهم الطوى ويغلفهم البؤس والتعاسة ويسكنهم الضنك وتسربلهم الكآبة، هناك دائما وفرة وزيادة وغزارة، وهناك تضخم فائض وفيضٌ متضخم، ولكن بالمقابل دائما ثمة عوزٌ وخصاصةٌ وفاقةٌ وفقرٌ واحتياج، ليس هناك سوى قبض من ريح وحصاد من هشيم ولفحة لاسعة من برد قارس. في الجانب الآخر توزع الشموع وتوقد الشمعدانات المهترئة ذات الأيدي المتشعبة، يكاد زيتها يضيء حينا وينطفئ حينا آخر، تقابلها قناديل خافتة، باهتة تسطع في خجل على غرار شموع رأس السنة وأضوائها الساطعة وشهبها الاصطناعية البراقة، هنا لا زخارف ولا زركشة ولا ألوان ولا مآدب ولا مصاطب ولا مشارب ولا طحالب ولا بطارخ!
تعاقب الليل والنهار
قديما كانت الأسطورة تقول: كان البدائيون يبكون أفول الشمس وغياب القمر، وكانوا ينتحبون سدول الليل، ذلك أن الليل كان يسرق منهم الضياء ويحرمهم من الدفء ويطويهم تحت جبته العملاقة الحالكة ويبتلع كل شيء.. والآن ترى الناس يهللون لمقدم الليل ويضجرون من وضح النهار، ذلك أن الليل في عرفهم ساكنٌ راكنٌ هادئٌ، حالم سماوي، لا حر ولا قر فيه، من أين يأتي الحر، ومن أين يجيء القر، وهناك العديد من المدفئات والمبردات ومكيفات الهواء والمراوح والريش والطنافس والسجاجيد والألحفة، التي بمقدورها التحكم في قيظ الحرارة، أو لسعة البرد حسبما شاؤوا، أو أرادوا، إنهم محقون في ذك لا ريب، فالنهار ليس لهم، إنه للكادحين والعسيفين المتعبين، الذين يعملون في الحقول والمغاور والمعامل والمصانع والمزارع والمقالع والمدامع والمعادن، أما الليل فهو ملك لهم، أفرأيت إذن كيف انقلبت الآية؟ أفرأيت الآن كيف أن الناس يتشاءمون، ويتثاءبون، ويستاؤون من غياب النهار وغروب الشمس، ويهللون لمقدم الليل؟ لقد كان بودلير يكره الليل، لأنه كانت تقوى فيه عليه وتتفاقم آلامه المبرحة، كانت تتراءى له فيه هوة عميقة حالكة، سحيقة، لا قعر ولا قاع لها أودت به في آخر المطاف إلى التوى، ثم في جنحه حاق به الردى، فقد كان يشم فيه- كما كان يقول- رائحة القبور، لا تكلل أواني الورد لديه سوى» أزهار شريرة» ملعونة، وهو معذورٌ على كل حال، فهو فنان معنى ومبدعٌ معذب وعليل لا يشاطر الناس ولا السامرين شغفهم بالليل وهيامهم بحلكته، إنه نقيضهم على آخر الخط، وهو يعي جيدا ما يقوله ويعنيه.
وهذا طاغور العظيم في «انتقام الطبيعة» نراه يؤكد أن انشطارالليل والنهار لا يهمه، ولا انقسام الشهور والأعوام، فعنده تيار الزمن قد توقف، يرقص الزمن على أمواجه والقش والأغصان، هو وحيدٌ تراه مجندلا، كئيبا، وحيدا في هذا الكهف المظلم المدلهم، منغمرا في نفسه، منهمكا في ذاته، والليل الأسود الأبدي البهيم ساكنٌ كبحيرة جبل نائية المدى، بعيدة الغور، عميقة القرار، تخاف عمقها نفسه، الماء ينضح، ويرشق ويقطر من الشقوق المبللة، وفي البرك الناتئة، والترع الآسنة تسبح الضفادع العتيقة، إنه حبيس ذاته ينشد ترتيلة اللاشيء… إنه حر.
رحى الحرب وثفالها
الكل يصيح والكل يرقص طربا ويضحك جذلا بفرحة مقدم العام الجديد، منتشيا ومغتسلا بغمرة… بل بـ(إقرأ بدل الغين خاء) الدوالي والكروم، وبهاجس إنسياب الزمن، وزواله واندثاره، فتنضح عنه أدران العام الآفل ومآسيه، ويستبشر بها خيرا في استقبال العهد القادم المهرول، ترى ماذا يحمل تحت جناحيه وأعطافه هذا اليعسوب الأثيري الطنان الذي لا يتوقف عن الزن والتحليق منذ الأزل، ولم يزل، ترى ماذا يخفي في طياته وثناياه؟ أشهدا حلوا مصفى؟ أم حنظلا مرا وصبرا؟ الكل ينشد السعادة والهناءة، في عالم مشحون بالرداءة والكآبة والشقاء.
ما انفكت البشرية بخير، قلت الحروب الكبرى وهدأت نارها وخبا أوارها، وبرد وطيسها ونمت بالمقابل، واستشرت الفتن والقلاقلا والثورات في مختلف أصقاع المعمورة، ما عدا أماكن بعينها من العالم حيث لابد أن تظل فيها رحى الحرب الممقوتة تدور بثقالها وثفالها الكريهة إلى أجل غير معلوم ..في تلك البقعة النائية من العالم، حيث القوم الذين وهموا بالنصر، ما برحوا يحتسون نخب العام الجديد في جماجم بشرية، أنا وأنت وهو والآخرون يعرفون أين تقع هذه الأرض الطيبة.. إنها حيث يتسلل الصيادون ليلا بفخاخ البشر، وحشيتهم أحد فتكا من أنياب الذئاب، وكبرياؤهم أشد عمى من الآجام المظلمة، لننس أو لنتناسى قليلا..هكذا يقولون، كفاناهراء وهرطقة وزندقة وتفلسفا وإفلاسا وتذمرا وتنمرا وتنطعا وشكوى، فلنعانق ولنعاقر ولنحتف، ولنمح من ذاكرتنا كل شيء، ولو إلى حين، ولنجعل بيننا وبين الأحزان، والأشجان والأدران برزخا واسعا وهوة سحيقة عميقة.
ويشب في قلبى حريق
الشاعر البدين (جسما) والرقيق (إحساسا) الذي عندما وضع يوما عمته وجبته من على رأسه وبدنه الضخم وضع معهما كذلك كل همومه وأحزانه، وأتته الجرأة والجهر بالحقيقة.. حقيقة الموقف الفادح، فصاح ذات يوم والخلان يمرحون والإخوان يصيحون مهنئين إياه: « كل سنة وأنت طيب يا سي كامل.. صح النوم» فصاح فيهم منشدا، مغتما، مهموما، كئيبا، حزينا:
عدت يا يوم مولدي/ عدت يا أيها الشقي … الصبا ضاع من يدي/ وغزا الشيب مفرقي
الشاعر المعنى كامل الشناوي، في رحلة عمره، كان في كل خطوة من خطواته يشب في قلبه حريق، ويضيع من قدمه الطريق، كان صادقا مع نفسه ومع خلانه ومع إخوانه ومع واقعه لحظة تقييمه ليوم مولده، فقد خالف الناس في عرفهم، إنه يتوجس خيفة وهلعا ورهبة من هذا اليوم، لأنه يعرف مدى فداحة الموقف بالنسبة له وللآخرين، فهو لم يخف وجهه ولم يدار محياه في الرمال كما فعل غيره، وانساق وراء القطيع، بل انه رفع رأسه واشرأب بعنقه عاليا سامقا، ليدين الزمن القاهر، الذي لا يتوقف عن الدوران حتى يصادف اليوم المشهود الذي زج به بدون استشارته في هذا العالم المشحون بشتى ضروب العنف والعنت والتنكيل والشقاء والمعاناة. ولئن قرن الكلام هنا بعيد ميلاد شخص، فذلك لأن له ارتباطا وثيقا به، وفيه معنى متقارب جدا بالنسبة لانقضاء عام وقدوم آخر، هذا العام في الواقع هو بمثابة عيد ميلاد للبشر جميعا، أو للبشرية جمعاء، ذلك أنهم يشتركون في الاحتفال والاحتفاء به جماعة في كل مكان، ففيه ترتفع الأهازيج وتعلو أصوات الشدو والطرب والغناء والسماع، وصلة كل هذه المعاني هي إلى الألم والحزن والأسى والشجن أقرب منها إلى الفرح والمرح والسعادة والجذل والغبطة والحبور، ومع ذلك تراهم يتمادون في لامبالاتهم، ويتظاهرون بأنهم سعداء… وقد يكون صنيعهم ذاك من باب الانتقام واغتنام الفرص وعملا بنصيحة الخيام القائل، في هذا القبيل أن تتمتع بيومك قبل غدك، فمن أدراك أنك راء أو مدركٌ هذا الغد المجهول، أو من باب:
الماضي فات والمؤمل غيبٌ / ولك الساعة التي أنت فيها
إنه كلام يتناثر ويتطايرفي الفضاء، تماما كما تناثر وتطاير في القديم كلام من شيد في أخيلته مدنا فاضلة، وأقام فيها صروحا وقصورا، ولكن العدالة ظلت فيها طائرا حسيرا، كسير الجناحين يحلق بالكاد حولها، لا يشم سوى رائحة الظلم والعنت والتفاوت في كل مكان، واليوم لم يعد ثمة أناس من هذا النوع، فقد أصبحوا في عرف الآخرين شبيهين بالحمقى أو بالمجانين الذين يفنون أعمارهم في الأوهام والأحلام والخيالات والترهات التي لا طائل منها، بل ربما كان هؤلاء هم الذين يعانون أكثر من غيرهم مختلف ضروب البؤس والتعاسة والضنك، النكد والحرمان، بعد أن كسدت أسواق الفكرالخلاق، ونشطت حركات التقاليع الرخيصة في كل شيء، في دنيا الفنون والجنون والمجون من كل ضرب، ربما كان هؤلاء أكثر حظا وجدا وحظوة من أولئك في الحياة الرغدة.
مسكينة أشجار الصنوبر
البشرية غزا الشيب مفرقها كذلك مثل شاعرنا المكلوم إياه، وأضاعت عمرها هباء منثورا في ويلات التقاتل والتطاحن والتشاكس والمواجهة والمعاداة والاقتتال والبغضاء. لعل هذه الأمور تجعلنا نأسى ونتأسى وتبعث اللوعة والحزن والضنك في الأنفس الملتاعة المعناة. وظلم البشرية لا ينحصر في بني طينتها وحسب، بل إنه يطول حتى الطبيعة، أمنا الأولى، ومختلف الكائنات الحية المحيطة بها، فالإنسان هو الكائن الوحيد في عالم الأحياء الذي يقتل فقط للاستمتاع وإشباع رغبة الانتقام في نفسه الآمرة، أو الأمارة بالسوء، ومن ثم تلك المباريات المنظمة، وغير المنظمة في عالم الصيد، والقنص والطرد، ألا تراه في هذه الأيام، وفي هذه التواريخ بالذات مسرعا، ومهرولا يذرع الشوارع، ويقطع الأزقة والدروب، يجري عاجلا فوق البسيطة، ويزحف تحتها، ويطير فوقها في الفضاء اللامتناهي الفسيح، ويغوص في أعماق البحار والمحيطات ويتزلج فوق لججها وأمواجها، ويهيم في الصحارى والقفار والمفاوز والمهامه والآكام والآجام، ولعلك سمعت عن حركات وتحركات الطيران غير الاعتيادية، وعن إقلاع السفن والبواخر وانطلاق السيارات والقطارات وسواها من وسائل النقل والسفر والترحال في جميع أنحاء المعمورة، فإنك لو اطلعت على الأعداد الهائلة من المسافرين، والمتنقلين والمغامرين والرحل في هذه المناسبات لذهلت من الأرقام التي تنطق بها الاحصائيات في هذا القبيل.. إنهم يتسارعون على غير هدى منهم، وعلى غير عادتهم، يسرفون ويبذرون، يقتنون الحاجيات والآليات والمأكولات والمشروبات والهدايا والهبات بشره ونهم وبدون حساب، ويقتلعون شجيرات الصنوبر الغضة، ويجلبون أغصان الأرز اليانعة التي نحن في مسيس الحاجة إليها في هذه الأطوارالعصيبة التي يجتازها العالم المتحضر والمتصحر أو في طريق التصحر..! وتماشيا مع سياسات احترام البيئة والطبيعة، وصون الأدغال والغابات، والحفاظ على المحميات الطبيعية، والإيكولوجية من كل نوع، بل نحن في حاجة إليها أكثر من أي وقت مضى، لنستظل بظلالها، ونستمتع برونقها، وننعم ببهائها وببساقتها وبساتينها ونضارتها وجمالها الخلاب. كم أنت قاس أيها الإنسان، كيف تسمح لنفسك وكيف يتمادى بك الغي ويبلغ بك الغرور لتتطاول وتتجنى على الطبيعة، أمنا الكبرى وتقتل وتقتلع بغطرسة وتجبر تلك الشجيرات البريئة لتجعلها زينة، وقتية عابرة في منزلك، تغمرها بالباقات والبطاقات والياقات والورقات، والأضواء والألوان، لتطوف حولها وأنت ثملٌ عديم الإحساس بها وبما وبمن حولها، في لحظات كان أجدر بك فيها تعميق فكرك، وإعمال نظرك فيما يدور حولك ويمور من أمور، وما يجري في هذا العالم من رزايا وخطايا، وقضايا، وأهوال وويلات.
الربيع العربي وخريفه
ما انفكت الحضارة المعاصرة تحمل إلينا عشرات المفاجآت كل يوم، فما كنا نخاله بالأمس خرافة أضحى اليوم حقيقة ماثلة حيال أعيننا، وما كنا نظنه أسطورة أضحى اليوم واقعا ملموسا نصب أنظارنا، وهكذا لم نعد نفرق بين الأحداث حتى أصبحنا نؤرخ لها بالأعوام، تماما كما كان أجدادنا يفعلون ويقولون، فذاك عندهم كان عام الطوفان وعام الفيل وعام الهجرة وعام الفتنة وعام المجاعة وعام الفتح، وها قد أصبحنا نقول نحن اليوم كذلك كما كانوا يقولون.. هذا عام اندلاع الحرب الكونية، وذاك العام الذي وضعت فيه الحرب أوزارها، وتينك كان عام بلفور المشؤوم، وأعقبه عام النكسة اللعين، وعام فضيحة ووترغيت، وعام الصعود الى القمر، وعام الهبوط منه..! وعام مهازل ويكيليكس، وعام الربيع العربي… وخريفه، وشتاؤه وقيظه كذلك…
فهناك من السنين ما تنطبع أحداثها في أذهاننا، وتسكن وجداننا ولا نجد لها أو منها فكاكا، في حين أننا نمر بأعوام، أو بالأحرى تمر بنا أعوامٌ لا نقيم لها وزنا، أو حسابا، ولا نعيرها أهمية واهتماما، وكأننا لم نعشها قط من أعمارنا، قيمة هذه الأعمار أو الأعوام إذن تكمن في ما نقدمه خلالها من أعمال، وما نؤتيه فيها أو تأتينا به من مفاجآت.
ليت هذا العام يأتي بالضياء
ها نحن نقف على مشارف ومجاهيل وغياهب عتبات عام جديد، لابد أنه يحمل في طياته وثناياه كثيرا من التخوفات والتوجسات والتساؤلات والاستفسارات والإرهاصات والآمال والآلام معا، إنها لعبة الجد كما وصفها أبو الطيب ذات يوم، التي تبتسم حينا في وجه هذا، وتكشر طورا في محيا ذاك، وهكذا حتى تفضل فيه العين أختها، أو حتى يكون فيه اليوم لليوم سيدا. وأنت أيها العام المنقضي، لقد ودعنا فيك وخلالك، ومعك بألم ممض صفوة من أصدقائنا، وثلة من أحبائنا وخلاننا ومعارفنا ممن كنا نتعايش معهم، وكانت تربطنا بهم علائق حب، ونسجنا وإياهم عرى مودة وإخاء، وأقمنا وشائج صفاء ونقاء ووفاء. فواعاماه… وواحسرتاه عليك أيها الحول النكد… وتبا لك أيتها الأيام، بل أيتها الأعوام لقد تأسى من قسوتك وفداحتك، السابقون، وها أنت ما فتئت تنوئين بكاهلنا وتثقلين بكلكلك ظهورنا، وتتوالين مهرولة غير عابئة، لا تلوين على شيء، منثالة مسرعة، تنهبين أعمارنا نهبا مخيفا، وتعصفين بحياواتنا عصفا مريعا، ومع ذلك نظل نأمل ونتأمل ونرفع رؤوسنا ونجيل بأعيننا إلى السماء نحدق فيها بإمعان، كأننا نستلطفها ونستعطفها أمرا ما كامنا في كنه أنفسنا، وفي أعماق أفئدتنا، وفي قرارة وجداننا، في مطلع هذا الحول الجديد الذي ها هو ذا يدنو منا رويدا رويدا، ووئيدا وئيدا.. ويكاد يطل ويهل علينا خجولا من وراء الغيب السرمدي، وألسنة حالنا وأحوالنا تتوقف برهة عن الثرثرة، لتردد مع «آغا ممنون» المنكود الطالع والخائب الظن والبخس الرجاء وتقول:
ليت هذا العام يأتي بالضياء / ليت هذا اليأس يتلوه الرجاء…
كاتب من المغرب ـ غرناطة
محمد محمد خطابي