ثقافة الخطاب السياسي

حجم الخط
2

وأخيرا، أعادت صناديق الاقتراع العدالة والتنمية إلى الواجهة وبقوة أكبر من السابق، وأبانت عن الوجه الحقيقي الذي تعرفه الأحزاب التقليدية. كما أنها كشفت عن بؤس الخطاب السياسي المغربي، وبينت، مقابل ذلك، ونتيجه له، أن بإمكان المغرب السياسي، وهو يخوض تجربته الديمقراطية، في حاجة إلى إعادة النظر في المسلمات والأفكار الجاهزة التي ما تزال تعتمد الأطروحات العتيقة، وخصوصا لدى المعارضة القديمة وإعلامها، وهي تنبني على ثنائيات: الإسلامي والحداثي، والظلامي والعقلاني، وأن كل من ينطلق من تلك الرؤيات، في محاولة ضبط نبض الواقع السياسي، لا يمكنه إلا أن يفاجأ بنتائج الانتخابات، وهو يرى أن الديمقراطية المغربية مهددة بالإسلاميين، والظلاميين. والواقع أن بناء العمل السياسي على الأهواء والتصورات المتعالية على الواقع، لا يمكنه أن يولد سوى التشاؤم ويدفع إلى الانعزال.
لم أفاجأ بإعادة احتلال العدالة والتنمية صدارة المشهد السياسي المغربي، ولم أكن أنتظر غير صعود الأصالة والمعاصرة إلى جانبها. لكني لم أكن أتوقع كل هذا الانحدار الذي عرفته أحزاب الكتلة التقليدية إلى المستوى الذي آلت إليه. يمكن تفسير هذا التطور، وذاك التدهور بصيرورة تحول اجتماعي وسياسي يعيد صورة المغرب السياسي النمطية، ولكن بشكل مختلف. إن ظهور حزب قادر على استقطاب جماهير واسعة، لا يمكن إلا أن يوازيه خلق حزب قادر على اجتذاب جماهير أوسع. وبذلك يتم ضمان نوع من «التوازن» السلمي الذي يعيد خلق الصيرورة، والدورة السياسية بشكل سلس لا يؤدي إلى حدوث شروخات عميقة لا يمكن أن ينجم عنها سوى غموض التطور، وما يحتمل أن تتولد عنه من آثار وخيمة.
كان الاتحاد الاشتراكي والكونفدرالية الديمقراطية للشغل يملآن الساحة الجماهيرية في السبعينيات والثمانينيات، فجاء التجمع الوطني للأحرار ليكون الموازي، حتى كانت حكومة التناوب إيذانا بنهاية اليسار التقليدي، في الوقت الذي بدأت العدالة والتنمية والعدل والإحسان يؤسسان المشهد السياسي. وهذان الحزبان يمكن تشبيههما بالاتحاد الاشتراكي واليسار الجديد الذي تولد منه، في حقبة سابقة. في هذا السياق جاء إعلان «حركة كل الديمقراطيين» إيذانا بالتحول الذي لم يفهمه كل الذين تصدوا له بالقدح والتجريح. ثم كان تأسيس «الأصالة والمعاصرة» ليكون الحزب الموازي. وحمل الربيع العربي العدالة والتنمية إلى الواجهة، كما حمل الإسلاميين في أقطار عربية أخرى، فلم يكن أمام الخطاب السياسي السائد سوى السجال العقيم الذي يعتمد لغة المعلق الرياضي الذي يتابع أطوار مباراة منتصرا فيها لفريق ضد آخر. وحين تكون النتائج مخزية لفريقه يلعن الحكم والطقس، الذي لم يكن يلعب لفائدة فريقه.
في محاولة قراءة ما يجري، أتقدم بمصادرة قد لا ترضي الكثيرين من المتابعين للشأن السياسي المغربي لأني أرى أن تاريخنا السياسي مر بحقبتين كبيرتين: حقبة الحسن الثاني التي كانت تبرز فيها صورة الحاكم الذي لا يمكن أن يعلو عليه أحد. وكانت هذه الصورة تدفع في اتجاه أن تكون المعارضة قوية، وقادرة على استقطاب الجماهير، ولها رؤية للتغيير. وحقبة محمد السادس التي تبدو فيها صورة ملك الفقراء، الذي يقدم صورة مختلفة عن أبيه، لا يمكن إلا أن تجعله ملكا شعبيا. وخطابه بعد أحداث 20 شباط (فبراير) خير دليل على ذلك، ومقارنته مع بشار الأسد، تقدم صورة مختلفة جذريا. فماذا بقي للمعارضة التقليدية؟
صحيح هناك عوامل كثيرة لعبت أدوارا مهمة في جعل الحقبتين مختلفتين. لكن طريقة التعامل معهما، على مستوى التحليل والممارسة ظلت تنبني على مسلمات وأهواء جاهزة، ولم تراع التحولات الطارئة لذلك لم يكن للخطاب السياسي التقليدي سوى أن يتـراجــع لأنه ينبني على السجال، وليس على الوقائع.
إن الحقبتين اللتين رصدناهما على مستوى صورة الحاكم، إذا أردنا مقايستهما بما جرى في الحقبتين على مستوى التمثيل السياسي المعارض، سنجد الاختلاف نفسه. حكومة التناوب التي قادها اليوسفي جعلت الحزب ينهار بدل أن ينتعش ويستعيد أنفاسه التي أضحت مهددة أمام ما أسماه اليازغي عن حق بـ»الغرور». لقد تم التفريط  بكل التاريخ النضالي وكل التضحيات التي قدمها الحزب في تاريخه الطويل، وبدل أن يعمل الحزب على إعادة علاقته بالشعب والجماهير، صارت السلطة كل همه، وصار «الاستوزار» الشغل الشاغل للعديد من مناضليه، ولم تكن النتيجة سوى الطامة الكبرى في الانتخابات البرلمانية 2007 التي أبانت عن بؤس الخطاب السياسي، وما الانشقاقات المتتالية سوى خير دليل على ذلك.
لكن التجربة السياسية التي خاضتها العدالة والتنمية، وهي في الحكومة، كانت مختلفة عن نظيرتها الاتحادية. لم تخل التجربة من أخطاء على مستوى الأداء الحكومي، وهذا طبيعي في أي تجربة. لكنها، وعلى عكس الاتحاد الاشتراكي، وهذا هو الأساس، لم تفرط في رصيدها الجماهيري. هذا علاوة على كون هذه الحكومة منذ أن تشكلت، وهي مستهدفة من لدن الجميع الذين لم يروا فيها خلاصة تطور، ونتاج صناديق اقتراع، مهما كان رأينا فيها، ولكنهم ظلوا يساجلونها على أنها الحكومة الملتحية، وما شاكل هذا من النعوت. جعلها هذا السجال أمام ضرورة الاحتماء بالملك، واعتبار نفسها في خدمته، محاولة بذلك إضفاء الشرعية السياسية المزدوجة على نفسها: شرعية الانتخابات، وشرعية قبول القصر.
كنت وأنا أتابع ما يجري منذ أحداث الربيع العربي، و20 فبراير المغربية وما تمخض عنها (انظر كتابي: «الديمقراطية في قاعة الانتظار: إكراهات التحول الاجتماعي المغربي»، 2014) أننا مقبلون على مرحلة جديدة، وأن علينا إنجاحها لنضمن، لما اعتبر فعلا «الاستثناء المغربي»، صيرورة تحول حقيقي، يعطي واقعا جديدا للممارسة والوعي السياسيين المغربيين ، ويكون بذلك مدخلا جديدا للتحول الاجتماعي والاقتصادي، من جهة، وليقدم «نموذجا» حيا للعالم العربي الذي ما تزال تستنزفه الحروب الطائفية.
كنت أرى أن إنجاح هذه الصيرورة الجديدة يتطلب حكومة موحدة، ومعارضة منسجمة، وأن يكون الهم المشترك بينهما هو خدمة الوطن والمواطن، وليس الإيديولوجيا الخاصة. وتحقق هذين المطلبين يستدعي تجاوز السجال السياسي، والانخراط في ممارسة الثقافة السياسية، والتفكير في السياسة الثقافية، بالصورة التي تعيد ثقة الشعب في السياسة، والانخراط الإيجابي فيها، لأني كنت، وما زلت أعتبر هذا حجر الزاوية في أي تطور سياسي. إنه بدون أن يكون الحزب مدرسة لتأطير المواطن لا يمكننا الحديث عن ممارسة سياسية حقيقية. وبدون الانخراط الواعي للمواطن في السياسة لا يمكننا الحديث عن مجتمع ديمقراطي، وإن نظمنا انتخابات حرة ونزيهة.
أسترجع ما قلته عن الحقبتين الكبريين. كانت كلمة «السياسة» في الحقبة الأولى محظورة. وكانت عبارة: «كيدير السياسة»، تعني «السجن». وصارت في الحقبة الثانية تعني «الكرسي»: الاستوزار والمآرب. فمتى يمكنها أن تعني «الوطن» لا باعتباره سجنا كبيرا، وتكونَ «الكرسي» الذي هو في خدمة «المواطن» وليس لتضييق الخناق عليه وإرهابه؟
ما قالته صناديق الاقتراع بليغ وفصيح. وما لم يتم الانتباه إلى الواقع الحقيقي سنظل ننتج خطابات لا واقعية، مهما كانت مزاعمها. فالخطاب السياسي لا يمكن أن يمارس بالسباب والسجال بل بالتحليل الملموس للواقع الملموس. وبدون استحضار التاريخ الثقافي والاجتماعي لتشكل الظواهر وتحولها لا يمكننا فهم الواقع، ولا التفكير في استشراف المستقبل بالطريقة الملائمة.
إن الخطاب السياسي الذي ينتج بلا ثقافة تستند إلى التاريخ والواقع، هو خطاب هوى. وخطابات الأهواء تذروها الرياح.

كاتب مغربي

ثقافة الخطاب السياسي

سعيد يقطين

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية